جمعة عبد الله: قراءة في الديوان الشعري (لا أحد يعرف أسمي) للشاعر خالد الحلي

الشاعرة يمتلك مهارة أحترافية في خلق العبارة الشعرية الدالة , أكتسبها من الخبرة الطويلة تجاوزت عقود من الزمن , في الانغمار في الصياغة الشعرية . واساليب فنيتها وتقنيتها المتطورة . في الصياغة الفنية والشعرية , المحملة بالرؤية التعبيرية الدالة . يمتلك مهارة وممارسة في سكب الحرف الشعري في قوالب تملك الايحاء والمغزى والاشارة البليغة في المعنى . بما يملك من اللغة ومن محسنات البلاغية يوظفها في مكانها المناسب , كي تعطي قوة العبارة الشعرية المركزة . انه يجعل القصيدة كتنفس داخلي من ركام الهموم المكدسة في الضلوع ومشاعر الوجدان . لذلك يدخلنا مباشرة في مرارة الغربة والمنافي , التي تجعل الاغتراب معلقاً بين السماء والارض. فهو يطوف برحاله متنقل بين محطات الغربة , ويخوض الصراع الحياتي بشكل متواصل . لهذا فأن القصيدة تأتي كانعكاس لمعاناته المريرة في الغربة والاغتراب . فهو يطوف بين محطات المنافي بدون أسم ( لا يعرف احد أسمي ) . في تفاصيل اعماقه الداخلية , التي تغلفت بالاحباط والانكسار , والسؤال المرير في ازمنة القهر والحزن على العراق . او زمن الحزن العراقي الطويل , الجاثم على الصدور , ولا يريد ان يرحل . ولم يترك حياة العراقي التي اشبعها ضرباً بسياط الشقاء والوجع والمرارة , ويصر على البقاء كأنه قدر العراقي الابدي . لا يتركه بحالة .
لمَ لا تتركنا
ايها الحزن العراقي الطويل
لمَ لا تتركنا
لم لا تتركنا .
اللغة الشعرية حادة بمستوى الالم الداخلي . بمستوى عذاب العراقي في اينما كان . بمستوى الجرح العراقي داخل الوطن , يتجرعها في كأس المآسي المتكالبة والمتزاحمة عليه بالطعنات والجراح المتتالية قديماً وحديثاً . يعزفها في قيثارة اوتار الوطن الجريح , يصوغها في لغة رشيقة ومطعمة بمحسنات البلاغية , لكي تنسجم وتتناغم مع النسيج الشعري الدال في اسلوبيته الملتهبة , لتدق على مزامير الايقاع الشعري , في انسابية النغم والجرس في وقع صدى الكلمات , لكي يحفز مشاعر وعواطف القارئ بشكل مؤثر , في افعالها ومساراتها الدراماتيكية في الصور التي تحمل معنى بليغ . فهو يتحسس الجرح العراقي , لذلك يدق على اجراس الوطن , حتى يجعل القارئ ان يملك قناعات نفسية وعاطفية بزخم الحنين والشوق الى الوطن البعيد, حتى يخلق حالة شعورية متبادلة بين القصيدة والقارئ , في تفاعلاته المحسوسة وغير المحسوسة . قصائد الديون تضم 24 قصيدة مترجمة الى اللغة الانكليزية , قام بترجمتها الاديب الدكتور رغيد الفارس . وقصائد الديون امتدت ازمنتها تقريباً ثلاثين عاماً , من عام 1988 الى عام 2018 . تستوحي في خيالها الشعري , مناخات هذه الازمنة وتضاريسها المختلفة . وتبحر في اشرعتها بهواجس الغربة والاغتراب , والتعلق بالوطن البعيد . في الاشجان والمعاناة .
قلتِ له كل الذي أردتِ أن يقالْ
فما الذي مازال لم يقلْ ؟
دعي الشفاه تحتسي مرارة السكوت
دعي الجفن تكتفي من حيرة المُقَلْ
—-
لا تدع الايام تنامْ
أيامك ليس لديها بيتْ
لذلك يبث همومة واوجاعه على اطلال الاجراس التي تدق على الالفية . ولم يجد سوى احراق اوراق همومه في القرن العشرين . التي يدور فيها صراع حامي الوطيس بين خصمين : عاشق حرب والاخر غدار , وهو مترنح بجراحه بين عار وعار , يرقص على قبور موتاه , ويزغرد فوق دماء ضحاياه .
حين أنتصفَ الليلُ وراحت أجراسُ الالفية تقرعُ

كنت وحيداً أحرق أوراق فجورِ سنيّ القرن العشرين
كنت ارى بين رماد الاوراقْ
ما لا يمكن أن تستوعبه الاحداقْ
كنت أرى أياماً لايخجلها أثنان !
العارُ أو العارْ
وزماناً يتسيدهُ خصمان
عاشق حربٍ أو غدارْ
كنت أرى تاريخاً يبصق موتاهُ
ويزغرد فوق دماء ضحاياهُ
أرى أشلاءً تتناثر بين الاصوات
وتتنابز بين جموع تتظاهرُ
تلعن ابناء سينين مرتْ
وقرون فرتْ
تتفجر مرآة الهموم وتتحول الى شظايا . في اصوات تحكي حكاية لم تشبع منها , تبكي وتشتم وتضحك . هذه لعبة الزمن يتراقص على جراح المسحوقين والمحرومين , في هذيانه وغث الهذيان .
تنفجر المرآة
تترك بين شظاياها
أصواتاً تحكي …. تبكي … تحكي ….. تبكي
تحكي
تبكي
تبكي
تحكي
تضحك
تشتم
أهرب مذهولاً
هذيان … هذيان …… هذيان
هذيان يخرسني
هذيان يقطع لي أذني
هذيان
أيام تركض وتأكل اشجار العمر , وتضعه على قارعة الاحزان . يداهمه الخريف ليأكل زهو الاشجار . ولم يبق في جعبة العمر والحياة . سوى احزان اصبحت كالاشجار .
أيام تأكل اشجار العمر ….
خريف يأكل زهو الاشجار
وعمري يأكله ليل نهار
حزن الايام ….
وحزن الاشجار ……
وحزن الانهار .
وحدي …..
وحدي …..
وحدي …..
أتأكل في حزني ….
أتأكل في حزني …..
صوت الامل مذبوح بنشيج الاحزان , تأخذه السنين الحالمة لبغداد , وبغداد تتمرجح في هوى الايام العذبة والصافية , في عطر الندى , فما احلى صوت سيدة الاحلام والوقت . بغداد . صوتها الاحلى لكل الازمان , خالدة بعبير ندى الاحلام .
يصرخ فيه نشيج الامل المذبوحْ
صوتك يأخذني لسنين الاحلام ببغداد
صوتكِ يأكل نقاء الايام
فجرٌ تتورد في عطره نداه الانسام
صوتكِ ياسيدتي كل الخلود
ما أحلى الصوت
صوتكِ ياسيدة الاحلام
وسيدة الوقت
صوتكِ يبقى موسيقا تقدحُ عبر الازمان .
لا احد يعرف أسمه , ليس عدواً او مختالاً . لكنه من الزمن المقتول , وليس من الزمن القاتل , الذي قلب المعايير , اصحاب الدار هم مؤجرون , والغريب اصبح شريك الدار,بل صاحب الدار , ويتحكم في مفاصل الحياة في الدار , ولا يحترم شراكة الدار , لكنه ينصب نفسه المتحكم بالارض يتصرف كيفما شاء , لذلك اختلط الامر بالفوضى .من صاحب الدار . ومن هو نزيل الدار ؟
لا تغضب .. فأنا أكره ان يغضب مني احد …
أني لست عدواً
وانا لست مختالْ
أني اقفز مختصراً أمتاراً
لكني لا اجري مختزلاً أعماراً
أني الزمن المقتول
ولست الزمن القاتلْ
لا تقتلني من أجل اللحم أوالجلدِ ..
ضيفي أنتَ
جديد أنت على الارض ؟
لا أسأل من اين أتيت , ولا اعرف من أنت
لكن : أهلاً …. أهلاً …….. أهلاً
أنت الآن شريكُ ترابي

جمعة عبدالله

شاهد أيضاً

صباح هرمز: هل هدمت رواية “وشم الطائر” ثنائية الرواية والوثيقة؟

قد تبدو هذه الرواية لتعرضها لمأساة الأيزيديين التي هزت العالم، بأنها رواية وثائقية، أو أن …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله –بغداد – العراق 22/10/2020

اللغة التجريديّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : كذب… بقلم : عبدالله محمد الحاضر …

أحمد الكناني: دانتي ومعراجه الروحاني

تصادف هذه الايام الذكرى السبعمائة لرحيل اديب ايطاليا دانتي أليفييري ، والتي تجلب معها حديثاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *