الرئيسية » نصوص » فتحي مهذب: حكاية الرأس المقطوع

فتحي مهذب: حكاية الرأس المقطوع

الجبل مكتظة شرايينه المتشعبة بالقتلة السريين. الشمس تتدلى مثل ثدي ملطخ بالدم والمساء ينظف ريشه على حافة الأرض.
رائحة الجريمة تنبعث من كل مكان. برزت كوكبة من الشياطين.
مسلحة بالفؤوس والأسلحة الخفيفة. تقدم ذئب ملتح يتطاير شرر الكراهية والسخيمة من عينيه الضيقتين
وبحركة بهلوانية خاطفة قطع رأس الراعي وأسلمها إلى أخيه واتجهوا إلى مكان غير معلوم حاملين عددا من الشياه الهزيلة كما لو أنهم أنجزوا ملحمة تاريخية مهمة.
تبخروا في أصقاع العتمة الكثيفة مثل قطيع من الذئاب الماكرة المتوحشة في انتظار فريسة أخرى .
الجثة تحولت إلى طائر ليلي لا يني يغرد بإيقاع شجي . تبدو أشجار الصنوبر مثل نساء متسربلات بالأسود يطلقن الزغاريد المبحوحة المتقطعة مرفودات بسر جواني غامض محتفيات بهذا الطائر الذي تتساقط شآبيب الضوء من قوادمه.
الجبل يمشي على عكاز من الخشب الأحمر محدودبا بينما ساقاه المعقوفتان ملطختان بدم الراعي.
حمل رأس أخيه بيدين متعثرتين
قاصدا بيته الذي يخفي بين حيطانه المتهالكة عجوزا شبه كفيفة تسامر أشباحا تتدافع في حجرتها المنذورة للسقوط.
– سأكون شهريارك الوفي الذي لا يمل من سرد القصص الغريبة لئلا يطال القلق قلعتك الخفية .
– حاول أن تضع عيني مثل لوحة تشكيلية على حائط غرفتك لأظل مستيقظا طوال الليل.أعدك لن أدع بنات آوى تقتحم غرفتك الصغيرة.
– لن أدفن رأسك إطلاقا.
– سأغسلك بدموع أمنا القديسة التي فرت عصافير عمودها الفقري من الجهد اليومي المكرور . سأحنطه وأطرد كل معز أو قبار يرتاد بيتنا. لن تذهب إلى المقبرة إطلاقا. سأخبئك في خزانتي نهارا وأخرجك ليلا لأحيطك علما بكل قاذورات هذا الوطن المليء بالمسوخ والزعانف والقتلة واللصوص.
– شكرا أخي الجميل.
كان الأخ الأصغر يلتفت يمنة ويسرة راشقا بصره في تقاطيع هذا الرأس المفصولة مشفقا من ملاحقة الذئاب القروسطية.
إصطدم بحجارة ناتئة سقط الرأس من بين يديه منزلقا نحو أسفل الوادي كما لو أنه مسكون بطاقة ميتافيزيقة ضاغطة.
أمسكه بعد لأي.
أطلق زخات من الدموع العميقة.
حمل رأس أخيه الممهورة بكدمات زرقاء.
قطع مسافة طويلة كما لو أنه متجه إلى يوم الآخرة على قدمين من الجبس.
فتح الباب على مصراعيه وصاح بملء روحه الممزقة.
أماه أسرعي لقد قطعوا رأس أخي.
نظرت بعينين شبه مغمضتين.
وانفجرت مثل نيزك إبني إبني.
زربت غمامة دموع من عيني هذا الرأس المقطوعة .
مزقت الأم ريش روحها المهوش. – – من فعل بإبني هذا؟
– ذئاب القرون الوسطى.
نظرت إلى الأعلى كما لو أنها تبحث عن جثة إبنها التي تحولت إلى طائر ليلي لا يني يغرد طل الليل فوق شجر الصفصاف .
أخذ الأخ رأس أخيه ووضعه في ثلاجة صغيرة متداعية.
إختفت الأم داخل غيمة كثيفة من الحداد الأبدي.
– سنقتص منك أيتها الذئاب القذرة .
ستبتلعك الأنفاق المعتمة.
ثم تهالك على نفسه لم يطق صبرا على فراق أخيه. فتح الثلاجة وعلى غرة سقط الرأس أرضا ثم إندفع مثل كرة من النار باتجاه الجبل باحثا عن جثته التي تصله بها ألفة أثيرة وحميمة جدا.

شاعر وكاتب من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *