رياض العلي: قراءة انطباعية للمجموعة القصصية (جنوب خط…33) للقاصة البصرية خولة الناهي

الغلاف
الغلاف نفذ بطريقة بسيطة لكن تحمل رمزية مهمة .تصميم الغلاف لمحمد قصي العبد الله ويتمثل في بياض يأخذ حوالي 30% من الغلاف وفي الاسفل رسم فطري لنخلات ميتة.

نظرة عامة للمجموعة
هذه هي المجموعة الثانية للكاتبة البصرية خولة جاسم الناهي بعد صدور مجموعتها الاولى ” لائحة بأسماء الملائكة” سنة لتعتبر اول مجموعة قصصية نسوية صدرت في البصرة في القرن الواحد والعشرين وهذا يدل على سعي الكاتبة وجهدها الواضح في تقديم نتاجها للقارئ في مدينة لا تقبل الا بالجيد في مجال القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا،فمن المعروف ان البصرة تمثل ريادة تاريخية مهمة في مجال تحديث هذا الجنس الادبي من خلال ماقدمه فيلسوف السرد ” محمد خضير” وما يقدمه الشباب في الاونة الاخيرة امثال ” خلدون السراي ” و ” ميرفت الخزاعي”
لكن مالذي يميز نتاج خولة الناهي؟
الذي يميزها هو ان هذا النتاج هادئ وغير صاخب وهو تطور افقي لتجربتها الادبية حيث انها بدأت وهي تمتلك كافة ادوات السرد ،وهذه المجموعة تمثل شخصية ” الناهي السردية المتفردة” التي تميزها عن غيرها من خلال استعمال الاساطير والخرافات والفلكلور الشعبي والتناص معها بطريقة لم يسبقها اليه احد،وتتميز نصوص ” الناهي ” بأن كل نص لا يشبه النص الاخر فلكل نص تفرد وخصوصية وهي نصوص قابلة للتأويل والتفسير حسب المستوى الثقافي للقارئ وتتميز ببساطة اللغة وعدم تعقيدها لكنها مع ذلك نصوص تقليدية امينة على القواعد العامة للفن القصصي لا تتجرأ ان تدخل في مرحلة مابعد الحداثة او ما وراء السرد وهي الطريقة التي تميزت بها ” الناهي” ومن الواضح أن الكاتبة لم تخرج من معطف اي من رواد القصة القصيرة بل شقت طريقها مستوعبة كافة التجارب القصصية كما هو الحال مع جماعة اواخر القرن العشرين .
شخصيات الكاتبة اكثرها نسوية تعيش حالات التماهي مع الطبيعة وويلات الحروب ،الطبيعة في نصوص المجموعة لها حضور مكثف وهو التميز الاخر لتجرية ” خولة الناهي” التي نأمل ان تتكلل بأنتاج روائ باذخ .
تتميز نصوص “الناهي” بكونها تحمل في تضاعيفها تفاصيل خفية بحيث يمكن لها – اي النصوص- ان تتوسع وتكبر وتتشظى الى خطوط سردية متفرعة افقية وعمودية لكن الكاتبة اختارت طريقة الاختزال والتكثيف في عرض الموضوع السردي وهذا خيارها وطريقتها التي تميزت بها.
نصوص المجموعة حافلة بالحديث عن المشاعر الانسانية وكذلك استخدام تقنية تيار الوعي في بعض النصوص.
لكن هذه التقليدية لم تمنع الكاتبة باستخدام شكل مختلف هذه المرة اكثر حداثة يتمثل في تذييل النصوص ب(هاشتاك) وهو طريقة ظهرت حديثاً وهي عبارة عن علامة تصنيف يتم استخدامها لتصنيف التغريدات أو الأخبار ذات الموضوع الواحد، بحيث يمكن قرائتها من قبل متابعين هذه التغريات أو الأخبار أو من قبل غير المتابعين لها، ودائماً تبدأ بإشارة #.ولكن هنا يجب ان نذكر رواية ( # حصن _ التراب ) للكاتب المصري أحمد عبد اللطيف والصادرة عن دار العين للنشر سنة 2018 وهي الرواية التي وصلت الى القائمة الطويلة للبوكر في نفس السنة وقد ضمن الكاتب بعض فصول الرواية اشارات مرجعية الكترونية لمقاطع فيديوية في تطبيق يوتيوب اضافة الى استخدامه طريقة الهاشتاك في كتابة العنوان.
وعلينا طرح هذا السؤال: هل اضافت هذه الهاشتكات شيئاً مهماً في السرد القصصي؟
تتكون المجموعة من (33) نص يمكن تصنيفها ضمن نصوص القصة القصيرة جدا وبعضها ضمن القصة القصيرة .
{قراءة تفصيلية للنصوص}
*لعبة الزئبق:
هذا النص يحمل الكثير من الالغاز والدلالات التي حرصت الكاتبة على تضمينها في السطور وماوراء السطور.
فمن خلال هذه اللعبة الزئبقية تحولت تلك الطفلة من مجرد طفلة الى لاعبة في عالم الاحلام الافتراضي.
الشيئية تنضح بوضوح سواء في الزئبق مادة النص الرئيسية او في الاناء البلاستيكي الاسود أو العلبة البلاستيكية البيضاء أو المحرار الطبي أو السجادة الملونة او جهاز الحاسوب الذي حل محل المادة الزئبقية،هذا الجهاز الذي حقق امنية تلك الشخصية غير المسماة في ممارسة لعبة الخلق الافتراضية ،فبينما كانت الطفلة هي التي تشكل حبات الزئبق اصبحت تلك الشاشة الزئبقية هي التي تطارد تلك الشابة وتجمع شتاتها وتفرق ما تجمع في قلبها من احزان،فبين الشتات والتجميع تناقض واضح هو تناقض الانسان الحائر بين ان يمارس لعبة الخلق الافتراضية حسب ما يملك من قدرات ابداعية وبين تلك الاحزان التي تخرج هذه القدرات من مكامنها على شكل حروف او لوحة او نغم.
المكان يحضر بخجل فهو مجرد غرفة تعيش فيها الشخصية بينما تظهر شخصيات وتختفي بسرعة البرق بمجرد ان تمارس دورها المرسوم والممهد لتلك الشخصية الرئيسية لتكون لاعبة مميزة .
لكن…لماذا الزئبق بالذات؟
وماهي مهنة الاب ولماذا اهدى لأبنته تلك المادة ؟
من المعروف ارتباط الزئبق بالسحر وهو مادة غير متاحة للجميع وثمة اشاعات وأقاويل كثيرة عن علاقتها بالمشعوذين وعن قوة الزئبق في مجال السحر والشعوذة،لكن من الواضح ان قدرة الزئبق على تشكيل نفسه باشكال متعددة .
كل انسان وهو ينظر الى النار مثلاً او بعض الاشكال المتشكلة تلقائيا كالطين او التراب فأن عقله الباطن او لا وعيه يصور له ان مايراه هو صور سحرية من نوع ما،لذلك فأن ربط الكاتبة بين تشكلات الزئبق وبين الواقع الافتراضي يحيلنا الى فرضيات بودريارد المفكر الفرنسي في كتابه ( التشبيه والمحاكاة ) حول واقعنا المزيف والذي نشره سنة 1981 وهو الكتاب الذي الهم صناع الفيلم المهم( الماتريكس) الجزء الاول
ولست متأكد بالضبط من تأثر الكاتبة بهذه الفرضيات او ماجاء في سيناريو الفلم المدهش من المفارقة بين الواقع المؤلم والافتراضي السعيد،هذا الافتراضي لشدة وضوحه بحيث نتصور انه هو الواقع ولانريد الخروج منه .
الكاتبة في هذا النص استخدمت الزئبق كجسر للوصول بالقارئ الى ماتريد ان تخبرنا به.
وهذه الاشارات الخفية في النص يمكن ان يتوصل بها القارئ الى مضامين كثيرة حسب قراءته وفهمه واستيعابه للنص،فالنص يحمل الكثير من الدلالات والاشارات .
لكن…ماهي علاقة النص باضواء فينيكس وهو الاسم الذي أطلق على أضواء لجسم غامض ظهر فوق فينيكس في ولاية أريزونا وولاية سونورا في المكسيك في 13 مارس عام 1997 وأبلغ عنهُ من قبل العديد من الناس ويدعى أنهم شاهدوا جسماً غريباً طائراً مر من فوقهم على شكل حرف V يحتوي على خمسة أضواء كروية.
لغة النص واضحة وسلسلة تخلو من التعقيد او حذلقة لغوية ،لكن النص بشكل عام يخلو من عنصر الدهشة او المفاجأة أو المفارقة التي تجذب القارئ.
*اصابعي اشجار
هذا النص ينتمي الى السريالية الادبية او الواقعية الغرائبية او العجائبية والتي يقول عنها بلاشار أنها “تعيد للمرء حس الدهشة الذي يكتشف به الطفل الحقائق لأول مرة”
أو كما طرحها “تزفتان تودوروف” في كتابه “مدخل إلى الأدب العجائبي” عند ربط هذا المفهوم بشرط أساسي هو تفسير الأحداث فوق طبيعية بالقوانين الطبيعية. مما يحتم وضع تصور مفهوم الغرائبية من خلال مجموعة من الثنائيات طرفاها متقابلان أهمها: العجائبي / الواقعي فوق الطبيعي / الطبيعي، الخارق /المألوف ، العقل /اللاعقل، الخارق /المألوف.
من هذا المنطلق يمكن للقارئ الدخول في عالم هذا النص الخاص وفهم مدلولاته السردية.
تدخلنا الكاتبة مباشرة في الحدث بدون مقدمات لا داعي لها:
“كانت بنان اصابعي التي دفنت هناك،هي من أعطت شجرة الديباج كل هذه القوة لتنمو من جديد”
نحن امام معجزة اذن…معجزة التشبث بالحياة رغم كل محاولات الموت المتعمدة وغير المتعمدة،وكان لابد من الالم كي تبقى تلك الذكرى.
وتتابع الكاتبة مع الشخصية التحولات اللونية وهو التتابع الذي يذكرنا بالمراحل اللونية لبيكاسو .
ففي المرحلة البيضاء للشخصية تذكرنا الكاتبة بقصيدة مشهورة لنزار قباني وهي قصيدة ” يوميات مريض ممنوع من الكتابة” يقول فيها:
(أغطيتي بيضاء..
والوقت، والساعات، والأيام كلها بيضاء
وأوجه الممرضات حولي كتبٌ أوراقها بيضاء)
الكاتبة تتناص مع اسطورة “ميداس” حيث يتحول كل شئ الى ذهب بمجرد لمسه والكاتبة تستعير هذه الاسطورة حيث تتحول الشجرة الى خضراء مثمرة بسبب ذلك الاصبع المقطوع المدفون في تربتها.
وهنا تدخلنا الكاتبة في المرحلة الخضراء وهو اللون الذي يرمز الى الامل .
الكاتبة تتحول في تقنية الصوت من صوت الشخصية الى صوت الرواي العليم بدون ان يحدث خللاً في بنية النص بل كان التحول سلساً .
لا توجد شخصيات كثيرة في النص سوى هذا الطفل .
يمكن فهم النص بأنه يحمل رمزية معينة لتلك الاجساد التي ذهبت ضحية حروب الانسان ضد الانسان ،تلك الاجساد التي اصبحت رماد تأخذ منها الاشجار غذاءها.
الاسطورة الثانية التي استخدمتها الكاتبة هي اسطورة العنقاء ( الفينيكس) الذي عندما يموت يحترق ويصبح رمادا ويخرج من الرماد طائر عنقاء جديد.
وهو استخدام اثرى النص ويمكن مقارنة شجرة الديباج القوية بقوة ذلك الطائر العجيب فالكاتبة كانت تتعامل بذكاء واضح وهي تستخدم تلك الاشارات والاساطير كاضافات مهمة للنص،فشجرة الديباج او البريسم كما تسمى في بعض الاماكن التي اختارتها الكاتبة لها رمزية في النص فهي الشجرة التي يخرج من اوراقها وثمرها الحليب والديباج،والحليب والديباج هما رمز للحياة،البياض الذي اختارته الكاتبة في بداية حياة الشخصية.
” ان يفقد إبهامه افضل بكثير من ان يكون جزءاً من هذه الحرب .تلك الاصابع التي اعتادت منح الحياة لن تكون شفرة تحز رقبة الابرياء في ضغطة منفعلة على الزناد”
لغة النص لا بأس بها لكن ثمة مقاطع فيه لم يكن لها داع ويمكن حذفها بدون ان يتأثر النص بشكل كبير..
اما الهاشتاك الذي ذيلت به الكاتبة النص فهو يحيلنا الى قصيدة جبران ” اعطني الناي وغني” المغرقة في الرومانسية والتغني بالطبيعة وهذا الهاشتاك يتلائم بشكل واضح مع بنية النص.
اما الهاشتاك الثاني ( شط الرب المنسي) فلا اجد له علاقة مع النص الا اذا كان ضمن الهاشتاك الاول المتغني بالطبيعة بشكل عام.
*عصفور النوم
جميل جداً هذا النص،جميل بقدر الالم والوجع الذي يحمله.جميل رغم بساطة فكرته وموضوعه.
ام يطلب منها ابنها في المنام ان يشتري لها عصفور كما عند صديقه لكنها لم تستطيع ان تنفذ تلك الرغبة في الحلم فتعود الى النوم مجدداً علها تصطاده من حلم احد أطفال جارتها.
لكن…كيف فقدت هذا الطفل؟ وهل لديها غيره؟ولماذا حضر اطفال جارتها في المنزل المقابل ؟هل هي الغيرة؟
كل تلك الاسئلة يجد القارئ نفسه امام اجابات يفترضها هو،وهذا هو عمق النص.
جمال النص يكمن في تلك المشاعر الامومية العذبة .
اما الهاشتاك ( لا وطن لا منفى) فلم اعثر لحد الان على علاقته بالنص لا من بعيد ولا من قريب.
* عشق الرافدين
نص ضعيف سواء في موضوعه او سرديته او حتى اللغة ،لم تقدم لنا الكاتبة سردية تشد القارئ وكان يمكن لها ان تقدم لنا احداث يتحملها موضوع النص.
حتى الهاشتاك ( مزرعة الحب السعيدة) لم اجد له رابط مع النص.
* نهر المعاف
العراق هو حضارة النهر،فالانهار تحضى بأهمية بالغة في حياة العراقيين سواء من الناحية الاقتصادية او الفلكلورية وحتى الميثولوجية.
تقدم لنا الكاتبة تجربة ذاتية -على الارجح- لنهر صغير متفرع من شط العرب من جهة التنومة .
النص احتفاء بالطبيعة التي اندرست وهي الطبيعة الخلابة التي كانت تحيط شط العرب على ضفتيه.
كأننا امام ملحمة نهرية ،كان يمكن ان يمتد السرد لصفحات عديدة دون ملل.
نص واقعي رغم الاسطورية التي تشع بين تضاعيفه وهي الاسطورة المغلفة بروح ملحمية رافدينية .
يمتد زمن النص لسنوات طويلة منذ ان كانت الراوية طفلة صغيرة وحتى زواجها وأنجابها .
تذكرنا الكاتبة بطريقة قديمة لصيد السمك كانت معروفة في ابي الخصيب والتنومة تسمى ( الوهار) او ( الحظرة ) كما يطلق عليها اهالي السيبة وهي طريقة قديمة لم تعد تستعمل حالياً.
وتشير الكاتبة الى التلوث البيئي الذي اصاب الانهر في البصرة.
يبدأ النص باستهلال لطفلة تصيد السمك الصغير الذي يتوافق مع يديها الصغيرتين وينتهي بصرخة أليمة من تلك الام (لن انجب لك الولد الذي تريده) انها خيبة المرأة.
الجانب الذي اعطته الكاتبة اهمية في النص هو صيد السمك وكما هو معروف فأن المدن النهرية يكون للسمك حضور واضح في ثقافتها وميثولوجيتها..فالسمك يكون رمزاً للرزق والفحولة والشبع وتحضى السمكة برمزية مهمة في الثقافة المسيحية نسبة الى تلك القصة الاسطورية الشهيرة التي وردت في الانجيل ولدى الشعوب السامية اهتمام بالغ في استعمال رموز السمك في ثقافتها (سيكون السمك امتيازاُ حين يكون الخبز ترفاً).
النص مغرق في المحلية وهو ما اضفى عليه جمالاً لدى القارئ .وهو النص الذي يصلح ان يكون رواية او قصة طويلة مليئة بالتفاصيل والاحداث.
اما الهاشتاك المذيل في اسفل النص فأجده متوافق بشكل واضح مع فحوى النص..
ففي الهاشتاك الاول ( جنوب دائرة عرض 33) فسبق وتحدثنا عنه في سياق حديثنا عن عنوان المجموعة.
والهاشتاك الثاني ( شط الرب المنسي ) المكرر يتلائم مع عنوان النص وموضوعه.
*انها..الكيمياء
نص بسيط وجميل يتحدث عن ثنائي تمثيلي متوافقين في اداء ادوارهما الثنائية في التمثيل لكن علاقتهما في الواقع فيها خلافات تبدو ظاهرية .
ومرة اخرى كان يمكن للكاتبة ان تضيف للنص احداثاً وتفاصيل سردية تثري النص لكن كما قلنا ان النزعة البصرية نحو النصوص القصيرة جدا هي التي تدعوا الكتاب الى التكثيف في السرد .
الجميل في النص ان الاستهلال استخدم ضمير الجمع في مخاطبة المثنى وهي اشارة ذكية من الكاتبة .
ولا يخفى على المشتغلين في الادب أن ثمة حوار طويل بين النحويين حول استخدام صيفة الجمع في مخاطبة المثنى والكاتبة ذهبت مع سيبويه في ان الاثنين جمع وقد ورد مثل هذا في القرآن .
وعنوان النص يأخذنا الى مصطلح ( الكيمياء ) الذي يستعمله اهل الفن لبيان حالة التوافق بينهم في الاعمال الفنية حتى لو لم يكن ثمة توافق في الحياة العادية.
لكن لم تخبرنا الكاتبة كيف تحولت العلاقة بين الاثنين الى مشاجرة وخصام وحتى تلك النظرة الخاطفة حيث (استرقا بعيداً عن عين الكاميرا نظرة خاطفة تبث مافي القلب من شوق كبير).
وحسناً فعلت الكاتبة حين ذيلت النص بهاشتاك ( عيون القلب) وهي الاغنية الشهيرة لنجاة الصغيرة.
* استراليون
هذا النص مفعم بالخيال وشئ من الغرائبية لكن في نفس الوقت هو نص واقعي .
استخدمت الكاتبة تقنية الراوي العليم بشكل جيد .
موضوع النص عن فتاة تقوم بحركات غريبة تشبه حركات القرد ويرسلها ابوها الى مدرسة لتعلم الجمباز وتتعلم حركة جديدة حيث تمشي على يديها وحين تخبرها اختها بوجود نصف جنوبي في الارض تعتقد انها استرالية.
هاجس الجنوب يأتي بشكل رمزي هنا ،انه جنوب الاختلاف الذي لا يفهم الكثيرين لماذا هو هكذا..
القلب مكانه اعلى الجسد لكن تلك الفتاة تريد ان تكون الجاذبية لديها بأتجاه قلبها وليس بأتجاه قوة جذب الارض.وحين تجد ان خطيبها لم يفهمها بشكل جيد تتركه( لا مزيد من الادعاء)
ما نشعر به في الطفولة يبقى يؤثر في اختياراتنا المستقبلية ويكون له وجود في اللاوعي وربما في الوعي نفسه اذا ادركنا ان مانفعله هو ترسبات الطفولة حتى لو لم يفهم من نتعامل معه ان مانقوم به نابع من فهمنا القديم للحياة الذي هو ربما مفارق للمنطق وما يقرره العلم .
لكن ماهو هذا الكتاب الذي وضعته تلك الفتاة في جيبها لما لوحت لخطيبها مودعة؟
الهاشتاك المذيل اسفل النص جاء متلائما مع موضوع النص ( جنوب دائرة عرض 33)
لكن لماذا( لا وطن لا منفى) ؟
القارئ النوعي يذهب بعيداً في التأويل والتفكير .
* سجادة فارسية ( كاشان)
نص فلسفي صوفي محمل بالرموز التي نجحت الكاتبة في تقديمها في سردية واقعية ممتعة.
فكرة النص ماخوذة من مفهوم الكارما.
الكارما في اللغة السنسكريتية تعني ( العمل ) والبعض يربطها بشجرة العنب و هو مصطلح من الديانات الهندية كالهندوسية و البوذية و الجينية السيخية، و هي الأفعال التي تحدد الحالة المستقبلية، أي نوعية الحياة الحالية و المستقبلية التي يحددها تصرف الشخص في هذه الحياة والحياة السابقة، اي ان أي فعل (خير أو شر فلا فرق) سيعود على صاحبه بالنهاية من مبدأ لكل فعل رد فعل، فلكل فعل عواقبه الأخلاقية التي سيراها الفاعل لا محالة، فالخير يعود على صاحبه بالمنفعة، و الشر أيضا سيجد فاعله عواقب وخيمة ناتجة عنه، طالما قام هذا الشخص بالفعل عن إدراك و وعي سليم،وللكارما اثنتي عشر قاعدة.
فليس غريباً ان تستخدم الكاتبة الصلاة وسيلة للاتصال الروحي الذي تشعر به الفتاة وهي تنظر الى السجادة وتحس بنوع من تانيب الضمير من انها ربما غشت بائع السجاد.
الكاتبة استخدمت تقنية صوت الراوي العليم بشكل جيد .
تعتقد الفتاة ان وراء التألق والجمال زيف كبير فحتى خطيبها المعجب بجمالها الكاشاني تخشى هي ان يكتشف زيف صناعة الجمال التي تجيدها ويرد لها بضاعتها المغشوشة رغم اصالتها..
فهي قد اقنعت تاجر السجاد بان السجادة التي تريد بيعها سجادة فارسية بينما هي سجادة تركية وان التاجر لم يفهم علامة النجمة والهلال كاشارة واضحة الى أن منشأها تركيا وليس ايران.
اذن هي سجادة تركية وليست كاشان.فلماذا توهمنا البطلة دائماً بان سجادتها كاشان،هل تحاول ان تزيف الواقع للقارئ كما زيفته لتاجر السجاد.
فالقارئ يتوهم – كما تريد البطلة- وكما حدث مع التاجر المحترف من انها كاشان.
افعالنا في مرحلة عمرية مبكرة هي التي تحدد طريقة عيشنا وتصرفاتنا المستقبلية،فحتى تلك الدموع اثناء الصلاة لا تستطيع ان تخفي هذا التانيب من ان الايمان بالله ليس كاملاً وان الصلاة هي مجرد طقوس وحركات .
هاشتاك ( اضواء فينيكس) جاء متوافقاً مع الفكرة العامة للنص،فربما ماحدث في في تلك البلدة الامريكية هو زيف وخداع.
*عندما تبكي السماء
من جديد تقدم لنا الكاتبة نصاً يمزج بين الواقعية وبين الغرائبية السحرية.
يمكن فهم النص من عدة مستويات ..
المستوى الاول هو ان رغباتنا ليست بالضرورة ان تكون متلائمة مع نتائج افعالنا.
المستوى الثاني ان رغباتنا ربما لا تتلائم مع رغبات الاخرين،فلكل انسان ميوله وافكاره.
لذلك جاء النص مفعم بالالوان حيث استوحى جيلبرت بيكر فكرة علم قوس قزح من “علم الجنس البشري – علم الأجناس”، الذى استخدم عام 1960، في مظاهرة كبرى دعت إلى السلام العالمي، وكان يتكون من 5 ألوان هى: “الأحمر والأسود والبني والأصفر والأبيض“. والوان قوس قزح ترمز الى التنوع والتعددية لذلك فان هذه الالوان التي نزلت من السماء ليست من الريح ولا المطر بل أتت من اليد التي تحرك خيوط الطائرة الورقية.
وعندما قرر الفتى ان يكرر التجربة بأكثر من طائرة ورقية كانت النتيجة عكسية حيث هبت الريح وتجمعت الغيوم ورعدت وابرقت واحترقت بسمائها الطائرات الورقية وامطرت السماء بالهباب والسخام.
نص يرمز الى الفردانية فنوعية الوجوظ تتمثل بفردانية الانسان حيث تتميز الاشياء حيث يمكن فهم الظواهر الاجتماعية من خلال دراسة كيف تنتج عن دوافع وتصرفات من عوامل فردية.
وكذلك استخدمت الكاتبة هاشتاك ( اضواء فينيكس ) في ذيل النص ولم افهم تلك الاشارة او العلاقة بين هذا الهاشتاك والنص.
* فرحة الحناء المسروقة
نص جميل معبئ بالاسطورة والخرافة والحالة النفسية للانسان الذي تتغلل الاسطورة والخرافة في تصرفاته.
الكثير من تصرفات الانسان يمكن تفسيرها وفق الاساطير التي تعيش في وجدانه لتجعل تلك التصرفات بلا معنى الا في سياق هذه الاسطورة او الخرافة.
ولان الفرح نادر في هذه البقعة من الارض لذلك سعى الانسان الى اخفاء الفرح او التظاهر بعكسه خشية الحسد او انه يسرق ذلك الفرح كسرقة اقلام الحناء لزرعها مرة اخرى:
(هكذا تعمل كل الخرافات والاساطير تحول المعتقدات لفعل).
هذا الفعل الذي يتحول الى فعل ملزم وفق قاعدة السبب والنتيجة .
تعد الرغبة في المزيد من السيطرة أو اليقين القوى الدافعة وراء الإيمان بمعظم الخرافات؛ إذ يميل البشر للبحث عن نوع من القواعد، أو القوانين، أو تفسير للطريقة التي تحدث بها الأشياء في بعض الأحيان، يكون خلق اليقين الزائف أفضل من عدم اليقين على الإطلاق.
( لا يمكن ان تكون مميزة ما لم نسرقها .لكن سيقوم زوجي بشرائها لي مثل كل سعاداتي الاخرى)
فالسعادة لا تكون مميزة مالم نسرقها من فم القدر.
استعملت الكاتبة اسلوب الحوار السردي بشكل مميز بالاضافة الى تقنية صوت الراوي العليم.
*عن بعد
نص اكثر من رائع تمزج فيه الكاتبة بين الواقع والاحلام التي تبدو انها واقعية قدر تعلقها بالمشاعر والاحاسيس.
لكن ماهي تلك النافذة التي تطل منها تلك المرأة؟
هل هي نافذة الكترونية كأن تكون وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي؟
ام هي نافذة الحلم والخيال التي تطل من العالم الاخر؟
تنقل لنا الكاتبة رغبات الزوج (كانت هي بمثابة موقد للنار يدفئ لياليه الباردة) ورغبات الزوجة/الام ( كم تمنت لو أن تلك النافذة تبقى مفتوحة للأبد أو انها تستطيع الولوج منها لتلتقي بهما ).
نص يلتقط لحظة فارقة لا تتجاوز دقائق مليئة بالاحاسيس والمشاعر الانسانية المتدفقة .
*تغافل
نص قصير جداً..
زوجين على السرير والزوجة ترسل رسائل الغرام الى عشيقها بواسطة الموبايل والزوج يعلم ويدير وجهه في الناحية الاخرى.
استخدمت الكاتبة رمزية القرون كدلالة واضحة حيث ارتبط “القرنان” في الثقافة الشعبية بالشخص الذي لا يغار على أهل بيته، والقرون هي «قرون التيس»، ودلالتها هي أن التيس لا يحرك ساكنا حين يعاشر تيسا آخر أنثاه، ويقف متفرجا على عكس باقي الحيوانات، التي تهجم على أي حيوان آخر يقترب من أنثاها، كما أن الأسد لا يعاشر زوجته إذا أحس بوجود أشخاص آخرين حوله.
وكلنا نتذكر تلك اللقطة المهمة في فيلم ” القاهرة 30″ حينما ظهر محجوب عبد الدايم ووراءه قرنان.
ويبقى للقارئ حرية التأويل في تخيل ماهي الطريقة الوحيدة لأقتلاع القرون.
*الفلاح ( الخصيباوي)
مالذي يفعله هذا الخصيباوي ( نسبة الى ابي الخصيب) في مدينة العشار ( بين الركن والمقام)؟
النص صرخة بوجه التعالي الحكومي والتعجرف الديني ضد سعي الانسان لكسب رزقه البسيط…
والنص يحمل دلالات حول هجرة الانسان الريفي من قريته نحو المدن القاسية التي لاترحم..
نحن لا نعرف ماذا كان يعمل هذا الرجل العجوز قبل مجيئه الى العشار بل ربما هو يأتي الى العشار كي يبيع بضاعته البسيطة ويذهب الى قريته الخصيبية.
جميل استعارة الكاتبة عبارة ( بين الركن والمقام) وهي العبارة التي وردت في الاحاديث المتوقع حدوثها في مكة عند ظهور المخلص المهدي فهل ثمة علاقة او اشارة معينة تريد ان تخبرنا بهما الكاتبة؟
من المعروف ان جامع المقام الذي يقع في مدينة العشار سمي بذلك نسبة الى مبنى دار المقام العالي قبل تأسيسه عام 1167 هـ/1754م، ودار المقام العالي هي دائرة كمرك تابعة للدولة العثمانية وليس كما يشاع بين العامة حول علاقة الجامع بالامام علي بن ابي طالب.
الانسان يبقى مجرد حجر عثرة امام قسوة السلطة التي تتعامل معه بلا رحمة وتطبق القانون بلا روح وكذلك فأن البرج العاجي الذي يعيش فيه كهنة المعبد تجعلهم لا يفهمون حاجات الانسان في العيش :(بيت الله للعبادة وليس للسعي وتحصيل الرزق).
هذا الانسان الذي لا يستطيع اتخاذ القرار الا وفق النشاط الجمعي :(ناظراً لبقية الباعة منتظراً قرارهم بالمغادرة او البقاء) فهل ان تربيته الريفية الجمعية جعلته ينتظر قرار الاخرين ليتخذ قراره وفق ما يرونه .
*الركمجة
الركمجة او Surfing هي رياضة ركوب الامواج او فن الصراع مع الامواج وتعتبر من امتع الرياضات المائية وهي رياضة ارتبطت بالجانب الروحي لراكب الامواج وعلاقتها بالسيطرة على النفس والانفعالات السيئة وتهذيب الروح في حالة من التوازن الجسدي والروحي .
الكاتبة في هذا النص تشير الى دلالات غامضة :
(الموج يرفعني وينزلني بحركة متأرجحة)
( كنت أتوق للسقوط والغطس في تلك المياه الصافية الزرقاء بقدر سعادتي بعدم السقوط وأنتصاري على حركة الموج)
( هذه القوارب المسطحة هي كل ما لدينا ، هل ستستخدمينها ام تبقين بالسفينة كالأخرين)
هذه الدلالات تحتمل التأويل والذهاب بعيداً عن ظاهر اللفظ الى متأرجحات انسانية ذات طابع نفسي و مجتمعي.
ويمكن للقارئ فهم النص بشكل أفضل بعد مشاهدة فيلم Soul Surfer الذي ظهر سنة 2011 وهو فيلم أنتج عن قصة حقيقية .
*تم حذف خبر الصفحة الاولى بنجاح
نص وجودي استفهامي يبعث على الدهشة من الطريقة الرائعة للكاتبة وطريقتها في أستغلال واستعمال الكلمات كأننا امام شلال هادر وسيل عارم من الحروف كان يمكن له ان يستمر صفحات وصفحات بدون ملل .
الكاتبة تشير الى حادثة قتل معمر القذافي في صحراء ليبيا سنة 2011 وكيف ان الله قد صبر 33 سنة كي ينتقم منه ،لكن لماذا 33 سنة؟
يبدو ان الكاتبة تشير الى سنة 1977 حينما تأسست الجماهيرية بشكل رسمي الى مقتله البشع سنة 2011 ليكون عدد السنوات 33 بينما ان القذافي كان ممسكاً بالسلطة منذ سنة 1969 لذلك كانت الاشارة الى حلم الله 40 عاماً وهي اشارة ذكية من الكاتبة .
وكذلك تستعمل الكاتبة الموروث الشعبي المتمثل بالفكرة التي تعيش في اذهان الناس حول حلم الله على الظالمين وكيف ان هذا الحلم يمكن ان يمتد الى اربعين عاماً.
ومن الاشارات المهمة التي تناولتها الكاتبة هي سلطة الرقيب ( الاخ الاكبر) حيث كانت السلطات البعثية تمزق بعض صفحات الجرائد والمجلات شالداخلة الى العراق اذا ما وجدت تلك السلطات أن ثمة خبر او صورة يمكن ان تثير الاشكال الثوري وتزعزع قبضتها على عقول الناس،واتذكر ان مجلة ( كل العرب) التي كانت تصدر في باريس كانت تأتي وبعض صفحاتها ممزقة ومازالت عندي تلك الاعداد ولحد الان افكر : ترى مالذي يوجد في الورقة الممزقة و ارعب تلك السلطة التي تمتلك خمس جيوش تحمي رأسها .
لكن لماذا يصبر الله على الظالم؟
بل لماذا يسمح اصلاً في وجود ذلك الظالم؟
هل صحيح ما ورد من ان الظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه؟
ينتقم ممن ؟
وظلم الظالم يكون على البشر اجمعين ممن تحت سلطته وقوته؟
هل يستحق الانسان ان يسمح لهذا الظالم ان يتحكم به؟
( كان ينبغي ان لايكون الله حليماً ولا يطول حلمه اربعين عاماً لأن اعمارنا قصيرة وذاكرتنا سيئة بالكاد تتذكر تواريخ خيباتنا الشخصية)
لكن …هل كانت عيون القذافي خضراء؟
*دعاء مستجاب
نحن امام مفارقة تحمل السخرية والحزن معاً ،ربما هي كوميديا سوداء،وحده السارد من يستطيع ان يجمع الغرباء في غرفة واحدة لكنهم ليسوا غرباء تماماً فبينهم وشائج غير ظاهرة .
النص يعتمد على ركيزة في الموروث الديني حول الدعاء المستجاب ( دعاء الغريب للغريب مستجاب).
* ارجوحة نيسان
هل لهذا النص علاقة تناصية مع قصة محمد خضير المعروفة( الارجوحة).
من المؤكد ان الكاتبة قد اطلعت على نص خضير وتأثرت بها كما تأثر بها كل من قرأها فنص ( الارجوحة ) يمثل انتقالة مهمة في فن القصة القصيرة وركيزة اساسية من ركائز هذا الفن الذي قاد لواء تحديثه خضير ومن معه من المجددين.
اذن علينا ان نتغاضى عن التناص الشكلي المؤثث للنصين حيث الحديقة وشجرة البمبر ووجود الارجوحة او ابراج الحمام وبعض الافكار البسيطة المشتركة بين النصين كالوصف السردي او انتظار الغائب والحكايات التي تروى ولنذهب مباشرة الى الفكرة الرئيسية لنص خضير حيث تكون الارجوحة وسيلة الهاء لتلك الطفلة وتذكر لابيها في نفس الوقت بينما فكرة نص ” الناهي ” تتمحور حول ذلك الاعتقاد الشعبي بان زراعة شجرة الموز في حديقة البيت يمكن ان يكون سبباً في غياب زارعها وان الارجوحة التي صنعها الاب كانت لاجل الجلوس عليها والتأمل في في شهر نيسان.
ثمة تقارب بين النصين مع تفوق نص ” خضير ” سواء في الشكل السردي الغارق في الوصف الجميل او في الفكرة المبتكرة والتي احدثت تحولاً مهماً في فن القصة القصيرة العربية كما اسلفنا.
ومع ذلك يبقى نص ” ارجوحة نيسان” من النصوص التي يتوجب على القارئ ان يتوقف عندها كثيراً ويتأمل رموزها الكثيرة وكالعادة كان للموروث الشعبي حضوراً واضحاً واستخدمت الكاتبة اسطورة كاسندرا الاغريقية وقرنتها بالموروث الشعبي انف الذكر في شكل سردي وفقت فيه الكاتبة الى حد كبير.
* بيت لمريم 1
هذا النص يذكرني بالمجموعة القصصية ( ميرين) للكاتب الفرنسي اندريه موروا حيث يأتي الموت حينما يكون الانسان في قمة السعادة والامل،وهي السرديات التي اثارت دهشة واعجاب كل من قرأها او قصص ” غراميات مضحكة ” لكونديرا.
النص فكرته جميلة ويحمل نهاية صادمة كما هو الحال في حياتنا التي لا تتحمل ان تقدم لنا الفرح كما نأمل او نتخيل.
* بيت لمريم 2
هذا النص تتمة للنص السابق ،ماذا حدث لمريم في النص الاول تجيب عنه مريم في النص الثاني،انها تبحث عن بيت،الرغبة الازلية في وطن واسع وكبير لكنه يضن على ابناءه في الحصول على مائة متر مربع ليكون بيت لهم،فالموظفة المختصة بشؤون المهاجرين فهمت من مريم انها تريد وطن لكن مريم صححت لها بانها تريد بيت وكلمة home تحتمل المعنين فالبيت هو وطن والوطن هو بيت.
* شظايا القوارير
استخدمت الكاتبة في هذا النص تناص مع قصة وأد البنات التي شاعت في عصر ماقبل الاسلام واستمرت باشكال اخرى في بعض المجتمعات من خلال كره الاب ان تلد له ابنة.
لكن الكاتبة نجحت في تقديم القصة المعروفة بشكل مختلف .
* سوق الجسد
النص مشبع بالتقريرية الواضحة التي اضرت ببنية السرد على الرغم من موضوعه المهم،وكذلك التكرار غير المفيد في ثيمة بيع الجسد للمشتغلات في هذا المجال القذر.
واستخدمت الكاتبة تناص مع قصة ” تاجر البندقية ” لكن هذا التناص لم يثري النص وبقي يحتاج الى اشتغال اكثر حرفية وكذلك اشارت بشكل عابر الى قصة المجدلية التي تمسكت بثوب يسوع كي تتخلص من آثامها.
لكن مالذي يدفع فتاة صغيرة على التبرع بكليتها ووالدها موجود ؟
*ذلك الركن من الخزانة
نص يمكن له ان يتشظى الى سرديات خيطية متعددة لانه من النصوص المهمة في المجموعة ،فالقارئ امام النصوص الجميلة يتمنى ان لا تنتهي تلك المتعة الناجمة عن القراءة .
هاشتاك( وادرك شهريار الصباح) اجده متلائما مع ثيمة النص…
فالحكاية نسوية بامتياز.
كم هي قاسية تلك الحروب التي تجعل من النساء ضحيتها الاولى غير الظاهرة .
* حلم منتصف نهار ضمأ
نص غرائبي يتناص بشكل واضح سواء في عنوانه او موضوعه مع مسرحية وليم شكسبير الشهيرة ” حلم منتصف ليلة صيف.
الكاتبة استهلت النص بمقدمة واقعية جداً لتأخذ القارئ في رحلة غرائبية حيث النهر الذي يخترق الرصيف الضاج بالزوارق وسفن الصيد والاسماك والمخلوقات النهرية العجيبة.
وكعادة الكاتبة كان لابد من تضمين النص بموروث قرآني وهذه المرة وتماهياً مع المخلوقات السمكية كان حوت موسى هو الحاضر.
وفي النهاية لم يمن ذلك سوى خيال مبهر لفتاة تتطلع الى مرقة سمك حمراء.
* ترنيمة غابة البلوط
نص جميل رغم الالم والخيبة التي تشعر بها الفتاة..
النص احتفاء بالطبيعة باذخة الجمال .
بنت جنوبية تعشق فتى من الشمال ويكون موعد لقائهما قرب الشجرة الكبيرة ، تعود تلك الفتاة مرة اخرى الى نفس الغابة بعد عشرين عاماً وتقرر ان تعيش نفس القصة،لكن الخيبة تلاحقها.
الفتى اسمه ” دلشاد” لكن اسمه لم يكن مكتوباً على الشجرة بل مكتوب سروان او دلزاد حسب روايته، فأين ذهب اسم ” دلشاد’؟
الكاتبة استعارت فلم كارتوني قديم حول مهرج يحمل كيس مثقوب يتساقط منه البلوط وكذلك استعانت باغنية ” فيروز” التي تتحدث عن ” شادي”.
اشعر أن ثمة خيط ضاع من الكاتبة في هذا النص بالرغم من جماليته.
* تبكي فاطمة
ارتبط اسم ” فاطمة ” في التراث الشيعي تحديداً بالحزن والبكاء وفي الموروث التاريخي تحدثنا الاخبار عن بيت الاحزان حيث كانت تذهب فاطمة ابنة النبي لتبكي هناك.
الكاتبة تستعير صفة الحزن الذي ارتبط بهذا الاسم لتنسج حكاية حول رجل يرتبط بعدة نساء كلهن اسمهن ” فاطمة”
ابنة عمه التي تزوجت من رجل يكبرها في السن.
جارته الجميلة التي ذهبت اليه في يوم زفافها الذي اجبرت عليه.
البنت الماليزية التي رفض الزواج منها لأنه لا يريد ان يجلبها كهدية لزوجته الموجودة في الوطن.
وفي النهاية حفيدته التي سميت بهذا الاسم بناءا على رؤية في المنام.
مرة اخرى اقول ان بعض الاختزال والتكثيف يسرق من القارى متعة الانسجام مع النصوص الجميلة،هذا النص بالتحديد يمكن للكاتبة ان تشظيه الى خيوط سردية تنعش متعة القارئ النهم لهكذا نصوص جميلة.
استخدمت الكاتبة حوار باللغة الانكليزية بين الرجل وبين صديقته الماليزية وهي محاولة تجريبية اثرت النص واضافت جمالية لغوية له.
* انتماء
تقدم لنا الكاتبة نصاً مكتوب بعناية بالغة.هل يمكن لامرأة ما التخلص من جنينها في سبيل أن لا تخرج من انتماؤها في فرقة الرقص؟
فالمرأة تشعر بأنها جزء من التناغم والهارموني مع بقية الفتيات ولا تجد نفسها خارج هذه اللوحة حتى لو ضحت بأغلى ما تملك…جنينها.
خيار صعب .
* انتظرك حيث فجوة الضوء الازرق
نص غرائبي خيالي تنبؤي،كأننا امام مشهد لفيلم هولييودي حول نهاية العالم او من الافلام التي تتحدث عن الكوارث التي تصيب الارض في زمن مستقبلي.
وكما عودتنا الكاتبة كان للموروث الغنائي حاضراً حيث استشهدت الكاتبة بالقصيدة/ الملحمة ” المگیر” التي كتبها رسام الكلمة ” زامل سعيد فتاح” وغناها بأقتدار ” ياس خضر” بلحن بالغ العذوبة من كمال السيد. لكن الكاتبة غيرت من المقطع وذكرت ” ديرة العشرة ” بدلاً من ” طيبة العشرة” وهو خطأ ربما يكون مطبعي.
* انتصار
حين يتحول النصر الافتراضي بديلاً عن النصر الحقيقي ..
نص قصير جداً يحمل الكثير من المفارقات التي شاعت بعد انتشار الالعاب الاكترونية ..
حتى الحروب الحديثة اصبحت مجرد لعبة الكترونية،يجلس ” الجندي” خلف الازرار والشاشة وهو يوجه طائرات الدرون او الصواريخ وبمجرد ان يضغط على الزر فان مدن كاملة تتدمر بناسها واشجارها وبناياتها..
شجاعة افتراضية حيث لم يعد السيف معياراً للفروسية.
* المرأة الارتيرية
حسناً فعلت الكاتبة حين سلطت الضوء على نضال المرأة في ارتيريا اثناء حرب التحرير والثورة ضد الاستعمار البفيض حيث كان للمرأة دوراً بارزاً فيها.
والجميل في النص هو تلك العبارات التي ذكرتها المرأة الارتيرية حول زوجها.ولكن هذا هو النصف الحلو من القصة،فما هو النصف الاخر؟
يمكن للقارئ ان يرجع الى قصص الثورة الارتيرية وما فعلته المرأة كي يتسنى له فهم النصف الاخر من الحكاية .
* قاطرة الفحم
نص عن الحرب العبثية التي يشنها الانسان ضد اخيه الانسان،لكن الكاتبة اختارت لحظة انسانية من تلك اللحظات التي لا يفهمها صناع الحروب.
النص محمل بالرموز وفيه نزعة غرائبية ،فالقاطرتان المحلملتان بالفحم مرتبطتان بالعجلة الام، لكن ثمة ام اخرى في نفس القطار،قطار الحرب التي يتطاير شررها على الجميع، لا يفرق بين امرأة او طفل،كل الحروب تبدأ كأنها كابوس او لقطة من فيلم خيال علمي،كل حرب يعتقد الانسان أنها ستكون نهاية العالم.
لكن لماذا قاطرتان؟هل ارادت الكاتبة ان تشير الى الحربين العالميتين كرمز لغباء الانسان،الانسان الذي لا يستطيع ان يجعل تلك الحرب بدون شرار.
نص اكثر من رائع، لا يكتبه الا من خبر الحرب وويلاتها.
* كانت مواسم الصيهود تأتي صيفاً
نص كافكوي بامتياز،ويمكن تلخيص الكافكوية بأنها تتميز باربعة عناصر:
الاول:عالم المؤسسة أولًا بوصفها آلية تخضع لقوانينها الذاتية ولا تهتم بالمصالح البشرية، وهي تتجلى في سلطة غامضة متشابكة الدهاليز، غامضة القوانين، لا يُعرف لها حاكم أو مُقرِّر.
الثاني:الملف، وهو يشبه في عالم كافكا الروائي الفكرة الأفلاطونية. إذ يمثل الواقع الحقيقي للإنسان في حين أن وجود هذا الأخير المادي ليس إلا ظلًا، بل أقل من الظل.
الثالث:العلاقة بين الخطيئة والعقاب.
الرابع:العنصر الكوميدي في روايات كافكا الذي لا يمثل لحنًا مضادًا للتراجيدي كما هو الأمر لدى شكسبير، ولا يتواجد لكي يسعف الناس على تحمل التراجيدي بل يحطم الكوميدي التراجيديّ في المهد، أي رعب الكوميدي في الكافكاوية الذي لا يتيح أي سلوى للناس.
(عن مقال : الكافكوية،مفهوماً واداة تحليل/بدر الدين عرودكي/شبكة جيرون الاعلامية/2016/8/25)
وقد استخدمت الكاتبة هذه العناصر الاربعة في هذا النص المهم.
(خرجنا نحن المواطنين مثقيلن بمزيد من الملح وقد عميت كاميرا الاعلاميين مما تراكم من ماء مالح فوقها).
* وشم
(وشم أسمه على صدره،كان على يقين من عدم عودته،محى الرصاص كل حروف الاسم وخط بدلا عنها ” جندي مجهول”)
#وادرك_شهرزاد_الصباح

*دار امل الجديدة/ سورية- دمشق/2019/ /79 صفحة

شاهد أيضاً

عن “المبدعون والثرثارون” للأديب د. جميل الدويهي من كتابه الفكري”هكذا حدثتني الروح”
بقلم نبيل عودة

ضمن مشروع الأديب د. جميل الدويهي صاحب موقع “أفكار اغترابيّة” للأدب المهجريّ الراقي – سيدني/ …

حركة المتخيل في العوالم الممكنة
حول: المعجزة الوهمية قصة قصيرة هادي المياح- العراق
كتابة: علاء حمد- العراق

التحولات النوعية التي تطرأ لحركة المتخيل على صيغة سحر وجودي له الأولية وخارج الوهم، فالقصدية …

إعتراضات العزلة والتماهي مع مظاهر الوجود
“شهرزاد تخرج من عزلتها” مثالاً
د. مثنى كاظم صادق

شهرزاد تخرج من عزلتها(1) مجموعة شعرية لشاعر له حضور مميز في مشهد قصيدة النثر العراقية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *