جمعة عبد الله: قراءة في رواية (الشاهدة والزنجي) حكاية إمرأة حالمة في زمن متوحش (ملف/11)

إشارة :
مهدي عيسى الصقر واحد من بين أهم روّاد التجديد في القصة والرواية العراقية. ومنذ مجموعته “مجرمون طيّبون” (1954) التي قدّم لها الراحل الكبير السيّاب، أغنى المكتبة السردية العراقية بقصص وروايات شكلت نقلة في المسار السردي في العراق. ولم يُستذكر الصقر إلّا بعد أن أُصيب بجلطة دماغية قضت عليه بعد مدة قصيرة فأرسلوا إليه باقة زهور. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عنه بالدراسات والصور والوثائق وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية لأن لا زمن يحدّ الإبداع العظيم.

برز المبدع الراحل ( مهدي عيسى الصقر ) من جيل الرواد في الرواية العراقية , التي اتجهت في الاتجاه الوقعي في منعطفات عالم السرد الروائي , في الصياغة والمنهجية الواقعية , في الطرح والتناول . وقد احتلوا مكاناً مرموقاً في تطوير الرواية العراقية الواقعية . والمبدع الراحل يملك اسلوبية متطورة في السرد وضبط ايقاعاته . في الابتكار وخلق فكرة الحدث السردي في النص الروائي , في مهارة متمكنة من ادواتها التعبيرية واسلوبية الطرح ضمن منهج الواقعية الاجتماعية , التي تعطي الزخم في الكشف والغوص في المعاناة والقهر الاجتماعي , وخاصة للشرائح الفقيرة , المظلومة والمسحوقة في البؤس الاجتماعي . وهذه رواية ( الشاهدة والزنجي ) كشفت عن عمق الصراع الاجتماعي , في التناول أدق القضايا الحساسة والملتهبة في عصب الحياة والواقع , وخاصة بما يتعلق أو ما يخص بالمرأة , من الظلم الواقع على كاهلها بالاثقال الثقيلة التي لا تطاق ولا تتحمل بشكل كثيف ومتزاحم . ان منصات السرد كشفت هذه المعاناة بالوصف والتصوير الواقعي . الذي استخدم في لغة السرد الضمير ( المخاطب والمتكلم ) بعمق الكشف الجوهر الحقيقي للصراع , ولدوافع البؤس الاجتماعي الظالم , في حساسيته ومشاعره المتعلقة تجاه المرأة . ان المتن الروائي يدخل في العمق الصراع الاجتماعي المتعدد الجوانب , في الفعل الدرامي الملتهب في ملاحقة مسار الاحداث , ورصدها والكشف عنها , بطريقة مشوقة تشد القارئ اليها في المتابعة المرهفة . والنص الروائي يسلط الجانب المظلم , الذي يجلبه الاحتلال الاجنبي . والرواية تتحدث عن الفترة التاريخية من عمر العراق في الاربعينيات من القرن الماضي , عن الاحتلال الامريكي لمدينة البصرة . واتخذ الجانب الاخر من ضفة النهر , ضفة البساتين في اقامة معسكراته وثكناته ومستودعاته العسكرية , والجانب الاخر من النهر ترك الى سكان أهل البصرة . واشارات المتن الروائي تدلل في رؤيتها التعبيرية , بأن الحياة ضمن ثقل الاحتلال المفروض , تكون مفترسة تمزق المعايير والقيم , بأن القاتل والمغتصب يظل حراً طليقاً , بينما الضحية تصبح كبش فداء , وما الضحية ( نجاة ) التي وقعت ضحية الافتراس , ماهي إلا أشارة ترميزية الى المدينة المفترسة من قبل المحتل الامريكي . والمبدع الراحل ( مهدي عيسى الصقر ) أبداع في بناء الشخصيات الرئيسية في النص الروائي . نجد الجانب السلبي في فعلهم وتصرفاتهم بهذا الشكل وذاك . ما عدا شخصية المترجم ( توفيق ) الذي يعطي سمة الشخصية الايجابية . الذي يحاول بكل جهده تقديم الدعم والمساعدة المعنوية الى الضحية ( نجاة ) .
×× أحداث المتن الروائي :
× يتحدث النص الروائي عن فتاة صغيرة ( نجاة ) ذات السادسة عشرة عاماً , تزوجت من ( حسون ) الذي تجاوز الخامسة والاربعين عاماً . وقعت في زواج فاشل , وهي مازالت في عقل الطفولة الساذجة , وهي بذلك تكون سهلة الانقياد والافتراس . فهي متعطشة للحب والحياة , بسبب هذا الزواج غير المتكافئ . ووقعت بسهولة في براثن ( أبراهيم ابن الخبازة ) في الاحتيال في بيع الحب المزيف لها . فكان يطاردها بالاستمرار بحجة الحب والغرام حتى وقعت في الفخ الذي نصب لها , لكي يتاجر بها جنسياً في بيع جسدها الى جنود الاحتلال . وكان يقوم في جنح الظلام حين يعبرن بنات الهوى الى الضفة الاخرى , ضفة البساتين ليبعن جسدهن الى جنود الاحتلال , فكان يسلب ما يحصلن عليه من الاموال تحت طائلة التهديد والتخويف , ليأخذ محصولهن الليلي . لذلك اقنع ( نجاة ) في الذهاب الى البساتين في جنح الظلام , وبالفعل ذهبت معه الى الضفة الاخرى واغتصبت من قبل جنديين زنجيين , ولكن كشف الامر من قبل حراس المعسكر , ودارت معركة قتل فيها أحد جنود الاحتلال , وهي وقعت في قبضتهم , واعتبرت الشاهدة الوحيدة التي شاهدت المجرم , الذي اغتصب وقام بالعملية الاجرامية في القتل . وكانت بين فترة واخرى تجلب الى معسكر الاحتلال لاجراء التحقيق لمعرفة القاتل , والتعرف على وجه المجرم من خلال اصطفاف الجنود في عراء في سخونة نهار الصيف , وهي تتجول بين الوجوه , لكي تتعرف وتشخص القاتل الحقيقي من الجنود الواقفين في قيظ الشمس الحارقة . وكانت عملية جلبها من بيتها ومرورها في السوق الشعبي برفقة الجنود والشرطة . كانت تشعر بالاهانة والاذلال. . وكانت تشعر بالاحباط والجزع والعيون تتطلع فيها , بعدما انتشر خبر عملها الفاحش . حتى زوجها طلقها حتى يتخلص من عارها المشين . فكانت في كل مرة تفشل في العثور على القاتل , وهي تلوم نفسها بشدة وندم , كيف طوعت نفسها في تصديق الحب المزيف من قبل ( أبراهيم ابن الخبازة ) رغم تحذير المجنون ( حميد ) الذي حذرها في الابتعاد عنه لانه سيء الاخلاق والتصرف والسلوك , حيث قال لها ( أنه أنسان لا يتورع على القيام بأي شيء , من اجل ان يحصل على المال …… حتى أمه ليبيعها اذا وجد من يشتريها ) ص45 . لذلك جزعت من حياتها وهي تجد نفسها تتحطم جسدياً ونفسياً , في دوامة الجلب الى المعسكر , والتفتيش في وجوه جنود الاحتلال . وكان في كل الجولات يصاحبها المترجم ( توفيق ) ليقوم بمهمة الترجمة , ويقول لها بأن افادتها في مركز الشرطة تؤكد بأنها شاهدت وجه القاتل الذي اغتصبها , فلماذا لا تركز في الوجوه وتنتهي مشكلتها . ترد عليه بأنها لم تصرح بأنها شاهدت وجه المجرم ( – أنا ما قلت أنني رأيته , ابداً ما قلت . لكنهم أصروا .. ماذا افعل أنا !؟ ) ص31 . ويلح عليها ( توفيق ) ان تكون هادئة وتركز بدقة, وهي تتطلع في الوجوه , فلابد ان شاهدت شيء مثير يجلب الانتباه في القاتل , اثناء عملية أغتصابها , وحتما ستصل الى القاتل وتنتهي مشكلتها العويصة ( – اذا تعر فت ِ عليه تنتهي المسألة بالنسبة لكِ
فسألته .
– وهو ؟
قال لها :
– يعدم طبعاً , هو وصاحبه . ماذا تتوقعين؟ ) ص41 .
لذلك انها في قرارة نفسها لا يمكن ان تجازف في حياة أنسان ربما يكون بريء , وليس ذلك المجرم الحقيقي.
وتتذكر بأن ( توفيق ) قال لها بأنه حين ينتهي عمله في المعسكر ويرحل المحتل الامريكي من المدينة , فأنه يعود الى مدينته واهله . وكانت تتمنى في قرارة نفسها , ان يأخذها معه وينقذها من معاناتها , ينقذها من الجزع الحياتي , من هذه المحنة السوداء . فيقول لها مواسياً ( – لالا ….. لاتيأسي من الدنيا هكذا بسرعة , هذه قضية بسيطة . سوف تنتهي قريباً ,,, صدقيني … ربما تنتهي هذا اليوم .. وانتِ لا تزالي شابة صغيرة .. والمستقبل كله مفتوح امامكِ ) ص58 .وكذلك تحثها امامها على انهاء المشكلة كيف ما يكون , بأشارة الى اي جندي من الواقفين وتنتهي المسألة العذاب والمعاناة . ولكنها تصر على عدم ظلم اي أنسان , ضميرها لا يطاوعها على فعل ذلك , وتوجه كلامها الى امها بجزع ويأس :
( – رأيك … أقتل نفسي !؟
شهقت أمها .
– لا بنتي ……. أسم الله عليك . لماذا تقتلين أنتِ نفسك . أشيري الى اي واحد منهم والسلام … كلهم خنازير )ص74 . فلم تعد تطاق محنتها وعذابها , فقد انهكتها جسدياً وروحياً . بالهموم التي تتجرعها كالعلقم . ولم تعد تتحمل نظرات الناس القاسية , كأنها اصبحت منبوذة , بل عار عليهم , وعليها الرحيل عن المدينة , لان وجودها غير مرغوب فيه, من فعلها الفاحش الذي سودت المدينة بالعار . وحرصاً على سمعة المدينة ونسائها عليها الرحيل فوراً . صعدت الى سلم البيت بصعوبة وهي تجر قدميها لتسلق الدرج , وهي في حالة يرثى لها , انهت حياتها لتريح الناس وتستريح , فلم تعد تطيق الحياة , وكانت النهاية في تلك الليلة الرهيبة , لتنام في قعر البئر العميق , وهي توجه صرخة أحتجاج الى الزمن المتوحش والمفترس .
جمعة عبدالله

شاهد أيضاً

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

صلاح جياد.. بضربات فرشاة متقاطعة وقوية رسم ملامح هوية عراقية
إعداد- سماح عادل (ملف/4)

“صلاح جياد” فنان تشكيلي عراقي، من مواليد البصرة 1947 وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *