الرئيسية » نقد » ادب » حاتم جعفر: الكتابة الحديثة ورواية (مياه متصحرة)

حاتم جعفر: الكتابة الحديثة ورواية (مياه متصحرة)

في البدأ وﻷعترف القول بأني من النوع الذي لا يميل بل لا تستهويه كثيرا قراءة بعض النصوص، خاصة تلك التي يغلب عليها ما تمَّ وصفه أو وُضِعَ عنوة ودون دراية وتمحيص في إحدى خانات أو مدارس اﻷدب الحديثة، إن لم يكن صاحب النص متمكن فعلا من المسك بمنحاه هذا ويستجيب كذلك لمقتضياته. فَتَحْتَ ظلال هذه المذاهب اﻷدبية وبحجتها وعلى ما أرى ستتوارى الكثير من العثرات والثغرات، كذلك سيجري التجاوز على ما يجب توفره من شروط وأساسيات حين الشروع بالكتابة وما سيتولد عنها من مُنتج، فضلا عن ضياع بعدها الجمالي وحرمان المتلقي من متعة النص، وهذا بحد ذاته هدفا لا يمكن التخلي عنه أو المساومة عليه وبأي شكل من اﻷشكال.
ولكي نكون موضوعيين في تناول أمر كهذا، فسنستثني هنا من المسؤولية ونعطي العذر لتلك الكتابات التي ستقع تحت طائلة الإضطرار، والتي ستدفع بالكاتب ومن أجل الترويج لنصه وتحقيق غايته وإيصال رسالته النبيلة، الى إستخدام وتوظيف بعض الوسائل التي يمكن أن تساعده في التمويه والإلتفاف على سلطة الرقيب. والحديث هنا يدور عن أو يمكن إسقاطه على الواقع السياسي المعاش في بلدان العالم الثالث وأخواتها، وما سيتعرض له الكاتب من ضغوط وقيود من قبل سلطات الحكم الغاشمة. أمّا مَنْ كان خارج حدود هذه السيطرة فليس له من العذر نصيب.
وعن النص الذي سنسبره، فعلى الرغم من محاولته الإقتراب مما يمكن تسميته بأدب ما بعد الحداثة، والتي أخذت مدرستها بالتبلور أكثر فأكثر حتى باتت معالمها تتضح شيئا فشيئا وذلك في مطلع خمسينيات القرن المنصرم، لتشمل بعض من العلوم الإنسانية وعلى رأسها الفلسفة، الاّ ان هناك مَن له رأيا آخر في ذلك، إذ يعتبر هذا المذهب لا يزال في طور التكوين ولم تتبين أو تكتمل معالمه بعد ولم يستقر ليأخذ شكلا نهائيا. وإذا كان لنا من رأي حول هذا النوع من الكتابة، فنعتقد، بأنه لم يولد من الفراغ ولم يقفز على المدارس اﻷدبية المعروفة ولم يحرق المراحل أيضا، ولا هو بنزوة أو رغبة أو قرار، يحلو للكاتب إتخاذه كيفما يشاء ومتى يشاء، بل هو منهج يرون أصحابه فيه من الرصانة ما يكفي ليسيروا عليه، كذلك هو رؤيا وبعينين ثاقبتين، بعيدة في مداها وأفقها وغاياتها.
وما دام الحديث يدور عن مذهب ما بعد الحداثة وعلى ما كتب مؤرخوه، فقد وُلِدَ وتطورَ بعد المرور بمختلف اﻷساليب اﻷدبية، بل بعد أن جرى إستيعاب مختلف المدارس والتمكن منها وعلى أحسن وجه. وكي تتضح الفكرة أكثر فلا بأس من التشبيه بمدارس الشعر، فكاتب القصيدة الحرة أو الحديثة، عليه أن لا يظنها تمر بتلك الخفة والسهولة أو خالية من الإشتراطات. وذات اﻷمر سينطبق على أي نص أدبي آخر. وسيكون واهما مَنْ يعتقد بأن أسلوب المدرسة الحديثة في الكتابة، سيعني من بين ما يعنيه غموضا في التعبير أو ذات دلالات وتأويلات مفتوحة أو عائمة، ستسعف الكاتب وتعينه على الإنفلات من سلطة القارئ. وزيادة في الإيضاح فمنحى الكتابة الحديثة وما تترتب عليها، لا تعني بشكل من اﻷشكال صعوبة في فكَّ عُقَدْ النص أو إستحالتها، أو انه مُنفلتٌ ويسير على هواه ولم يخضع لمجموعة من المعايير والقواعد الضرورية التي ينبغي توفرها، بل هو كغيره من المدارس اﻷدبية، فكاتبها يجب عليه أن يكون متمكنا، متمرسا، حريصا بكل تأكيد على الوصول الى غاياته التي كان قد خطط لها ورسمها في مخيلته وبما ينسجم والرسالة التي يحملها.
ولو أسقطنا بعض مما فات وأدرنا الحديث هنا عن حازم كمال الدين، فيمكننا القول بأنه قد نجح والى حد ما في شد وجذب القارئ الى نصه، صارفين النظر عن طبيعة المذهب الذي اعتمده في كتابة روايته، رغم ميلي الشخصي وانحيازي المسبق الى مذهب الواقعية في اﻷدب، وما سيلحق بهذا الميل من حذر الإقتراب وكما سبق التنويه من الكثير من اﻷعمال الروائية التي تنتمي لمذهب ما بعد الحداثة، على الرغم مما لعبته هذه المدرسة من دور كبير وأساسي في تشكيل الذائقة الفنية لعديد اﻷجيال، وما أحدثته كذلك من إنعطافات هامة وتأريخية في مسيرة اﻷدب العالمي.
في التوطئة اﻵنفة الذكر سنعدها مدخلاً لقراءة ما كتبه الصديق البعيد حازم كمال الدين في روايته (مياه متصحرة). ففي سرده وعلى ما أرى سنجد أشكال متعددة من المذاهب اﻷدبية، كان من أبرزهاذلك الذي أسميناه بـ(بعد الحداثة) أو هذا ما حاول إيصاله للقارئ، ومن غير أن يغفل بقية الفنون، وقد بان ذلك جليا من خلال بناء شخصياته وطبيعتها والحدود التي رسمها لها، كذلك في تفاعلها مع بعضها البعض، وفي تنقلات الكاتب التأريخية وما رافقها من أحداث وحوارات وأجواء، معتمدا على تنشيط وتحفيز خياله بدرجة واضحة وليذهب بها بعيدا الى عالم من الميتافيزيقيا، رغم تكرار بعض المشاهد والصور. بشكل عام نستطيع القول بأنه ربما توفق في الكثير منها وأخفق في أخرى وهذا يُعَدٌ من بداهة اﻷمور إذ يندر أن تجد عملا متكاملا. وإن كان لي من عتب أو مأخذ عليه فمحورها هذه النقطة تحديدا، إذ كان بإمكانه إختصار بعض اﻷحداث والمشاهد ومن غير ان تُحدث أي خلل أو تترك أثرا سلبيا على سياق نصه ووحدة بنائه.
وإذا ما واصلنا قراءة النص وتناولنا جانبا آخر منه، فمن الحسنات التي ستسجل له، هي محاولة الكاتب أو لِنَقُلْ مراهنته على عقلية المتلقي، واﻷخذ بيده والإرتقاء به الى حيث يريد. وإستكمالا لهذه الملاحظة وإرتباطا بها، سيُفرَضْ علينا هنا سؤالا ولعلهه على غاية من اﻷهمية، الا وهو طبيعة العلاقة الجامعة والمفترضة بين طرفي العمل، أي بين الكاتب من جهة والمتلقي من جهة أخرى، والإشارة هنا لا تدور عن هذه الرواية حصرا وانما على عموم النصوص واﻷدبية منها على وجه الخصوص. فالمطلوب من المتلقي (وهنا سأفترضه قارئا إيجابيا ومتفاعلا) بذل المزيد من الجهد ليرتقي هو اﻵخر بمستوى العمل، خاصة إذا ما راق له، ليكون الطرف المكمِّل لمعادلة النص، فالطير لا يحلق بجناح واحد، وبالتالي عليهما التواصل معا ليصيغا نصا يليق بهما، حتى يبلغا ما يسعيان اليه وإن إختلفا بالوسيلة أو إن شئتم تسميتها باﻷداة.
جمال بعض ما ورد من نصوص في رواية مياه متصحرة وحبكتها وهي كثيرة، قادتني ﻷن أنساق معها وأمضي حيث تشاء، على الرغم مما حاف رحلتها وسِفْرَها من مخاطر ومجازفات وآلام أيضا. وإذا كان لنا من قول أو سمّها ملاحظات فسنأتيها تباعا أو قد تتداخل فيما بينها، لكني سأحرص في ذات الوقت على التكثيف. وقد تجدني عزيزي القارئ متنقلا بين هذا الفصل وذاك، أو هذه الصفحة وتلك وبطريقة سعيتها أن تكون مترابطة ما إستطعت. فمثلا عن الصور أو المشاهد التي رسمها وصاغها الكاتب سأورد هنا مثالين متناقضين، متباعدين، كانا قد لفتا نظري وشدا إنتباهي، ففي اﻷولى وهنا الطرافة سيصور لك صاحب النص مشهدا جنائزيا، مستخدما ما يناسبه من مفردات، راسما أجوائه وشخوصه بدقة متناهية. وفي الثانية سينقلك الى مشهد بعيد جدا عن سابقه، بل لا يمت له بصلة وبأي شكل من اﻷشكال الا وهو مشهد البستان، حيث سيدخلك معه حتى تكاد تشم أريجه، وبكلمات تنسجم تماما والمناخ الذي ولجتماه معا (الكاتب والمتلقي)، عارفا دقائقه وتفاصيله، متمكن منه، متحكم فيه. إذن ففي الحالتين نجح حازم في توظيف رصيده وخزينه من اللغة العربية وثراء مفرداتها ووضعها في سياقها الطبيعي الصحيح، وبالتالي ستصل القارئ وهي بكامل الدلالة والغِنى والمعنى وكما أريدَ لها، وهذا سيسجل له وبما لا يدع مجالا للشك.
في روايته، ستجد الكاتب مستفيدا من تأريخ بلاده وعلى مختلف مراحله، إبتداءأ من الحضارات القديمة كسومر وأكد وجارته العزيزة على قلبه بابل، وليس إنتهاءا بالعصر الحديث. ملتقطا منه ما يشاء وبعين العارف وليوظفه بطريقة ذكية. وبذا سينبؤك حازم وبشكل غير مباشر ومن غير أن يضع هذا الهدف نصب عينيه على ما أعتقد، بأنه لم يمر بِسِفْر بلاده مرورا كريما فحسب، وانما ستجده قارئا جيدا له، شاعرا بنشوة جذوره وصلابتها. لذا وانسجاما مع ماذُكر فستجده متنقلا بين اﻷزمنة والمراحل التأريخية رغم تباعدها واختلافها عن بعضها بعضا، لينقلك ويتنقل بك وبرشاقة حيث يريد ومن غير أن يُشعركَ بذلك.
وﻷنه منبهر بتأريخ بلاده وله كامل الحق في أن يفاخر به، ولكي يخفف على القارئ من وطئة العمل إذا ما أتعبه أو ليعطيه قسطا من الراحة، فقد أدخل حازم في ثنايا النص بل وتماهت معه فقرة أو عبارة غاية في الجمال، تشي بعالمي الموسيقى والغناء، موائما بين مختلف الحضارات التي شهدتها بلاد ما بين النهرين، موعزا لها وكما المايسترو، لتشدو بأغنية واحدة وبتنوعات وإيقاعات موسيقية متناغمة، ليختزل بها كل ذلك الإرث العظيم. انها أغنية المجد والحياة وهي ذاتها التي كان أجداده اﻷولون قد طربوا عليها، ووقفوا على شطآن نهريه، متأملين ظهور سيدة البحر وإنبلاج ضوء الصباح.
وإذا أردنا تناول جانب آخر مما كتبه فنقول: في كل عمل روائي هناك ثوابت وأساسيات لابد من مراعاتها واﻷخذ بها كي يستقيم النص ويشار اليه بعلامات الرضا. ومن بين ذلك مثلا اللغة المعتمدة أو سمّها لغة السرد، فبدونها لا يمكن للكاتب أن يوصل فكرته وعلى الوجه الذي يحلم به أو يُرضيه. وهنا يستحضرني قولا للكاتب العراقي الراحل فؤاد التكرلي وفي لقاء معه، تحدث فيه عن رؤيته للعمل الروائي وأسباب نجاحه والوسائل المستخدمة، فردَّ بالقول وبما معناه: أي عمل روائي ولكي يكتب له النجاح فلابد من توفر عاملين مهمين،أساسيين، هما الفكرة واللغة. والتكرلي هنا لا أظنه يعني أي لغة، فعدا عن قواعدها وشروطها وثراء مفرداتها، فجمالها مطلوب أيضا وبنسب عالية، فالكتابة الروائية ليست توثيقا لأحداث فحسب وعلى أهمية هذا الجهد، بل هي أيضا رؤيا وموقف وأزهار تشم عطرها حين تقرأ، وقد تحلق بك الى سماوات أعلى فأعلى. وعن هذه النقطة نقول: لم يبتعد حازم كثيرا عن هذه الإشتراطات التي أنفَ ذكرها، بل كان ماسكا بسيرورة نصه، سيستجيب ويصغي له عند الضرورة وعند بعض المنعطفات، ومن غير أن يأتي ذلك متقاطعا والأهداف الرئيسية التي كان قد خطط لها.
في روايته لم يغفل حازم أو يتنصل عن أداء دوره في فضح بعض المظاهر الإجتماعية التي باتت تخترق مجتمعه ومنذ إحتلال بلاده وغزوها ومن جيء بهم، بل أكاد أجزم بأن من بين اﻷهداف المهمة والرئيسية التي رسمها من وراء كتابته نصه، هو التوقف طويلا على هذه المظاهر. ففي هذا السياق وبالعودة الى المشهد الجنائزي، فقد نجح في تحويل مشهد الموت وبكل ما يحمل من دلالة الى صورة كاريكاتورية، سَيسخرُ فيها من درجة التداعي والإنحطاط الذي بلغته الجهات المشرفة على دفن الموتى. فمن خلالها وبحجتها سيتوقف عند حجم الفساد الذي بلغ أشده وضرب اطنابه، وطال كل مؤسسات الدولة دون إستثناء، حتى وصل اكثر الاماكن جلالا ومهابة الا وهي مقابر الموتى. وهنا سيحدثنا الكاتب وإن بشيء من التورية عن هذه الجهة، وكيف تجاوزت حتى على اﻷعراف والتقاليد الدينية المتبعة والمعتمدة، والتي كانت أصلا قد ألزمت نفسها بها قبل غيرها، حيث سيتوقف الكاتب ويوقفنا معه على موضوعة تلقيها الرشا، لقاء دفن قطعة (من كفي ومن جسدي). ولكي لا يلتبس اﻷمر على القارئ فإن الجملة المقوسة جاءت على لسان المتوفي نفسه، وعلى ما أظن فإن ورودها على هذا النحو، ليس بهدف الفضح فحسب وانما للفت إنتباه القارئ أيضا الى الجهة الداعمة له، وليبين كذلك حجم إنفلات الأمور والسقوط اﻷخلاقي المدوي الذي رافقه.
وفي مكان آخر من الرواية ،سيسجل حازم أكبر الإحتجاجات الا وهي تلك الصرخة العالية التي يخشى أن لا يسمعها أحد، وهنا يتحدث الكاتب عن تلك الزيجة، المؤامرة التي تمَّت بين رجل عجوز أدرد، لا يقوى على سير مسافة عشرين مترا متواصلة دون أن يأخذ قسطا أو قسطين من الراحة من جهة، وبين طفلة لم تصل بعد عمر الحيض من جهة أخرى. وعن المشهد اﻵنف سنقتبس هذا النص وكما ورد في الرواية:سترتعد الطفلة من مرأى كائن ملطخ بالدم والمخاط الى جانبه كومة لحم أحمر مبهم مشدود الى حبل…الخ، انها صورة مأساوية بحق . لعل إقتباس كهذا، يمثل نموذجا مؤلما، يعكس مدى النذالة والإنحطاط الذي بلغه البعض، مستغلين ذلك التفاوت الطبقي الذي أنتجته العملية السياسية، وما ترتب عليها من تداعٍ مجتمعي ،ستدفع أثمانه اﻷجيال القادمه إن لم يجر تداركه بسرعة وإحداث تغيير بل إنقلاب جذري، يعيد دورة الحياة وما تحمل من دلالات الجمال الى مسراها وحالتها الطبيعية.
لم يغفل حازم أمرا أمسى مؤرقا لبني جلدته وبات يشكل جرحا وليس كأي جرح، أراد له البعض أن يكون عميقا ودائما، يلعبون عليه ويحركونه متى يشائون. وفي لحظة كهذه لابد من التوقف بمسؤولية وفضح أصحاب هذا المشروع ومروجيه والقيمين عليه، مخافة إحتراق السهل كل السهل. هنا نتحدث عن ذلك النزيف والمسمى بالطائفية، والتي اراد له سدنته أن يبقى (معينا لا ينضب) لهم، فبه ومن خلاله جرى حياكة وتمرير الكثير من الدسائس وبلعبة قذرة، أخذت خيوطها تتضح وبجلاء بعد أن دُفعَ من أجلها الغالي والنفيس، وزُهقت على محرابها أرواح بريئة. ومن يتتبع ما دَوَّنهُ حازم في روايته، سيكتشف وبما لا يدع مجالا للشك والإجتهاد، بأنه لم يكن حياديا أزاء جرح كهذا بل راح معلنا عن إحيازه وبشكل كامل، لا لبس فيه، مع الغالبية العظمى والساحقة من أبناء وطنه، الرافضة بقوة لهذا الشكل الجديد والخبيث، والذي ما إنفك يعمل على تمزيق الوحدة الوطنية ونسيجها الإجتماعي، وعدّها (الطائفية) هجينة ودخيلة وهي فعلا كذلك، وَمَنْ أحياها بعدما اندثرت وأصبحت نسيا منسيا وغير ذو بالٍ، كمن قتل أبناء شعبه بدون إستثناء.

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *