انسجام الذات والسخرية في بعض نصوص الشاعر العراقي سلمان داود محمد
الإهداء إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق (ملف/65)

إشارة (1):
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

إشارة (2):
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

المقالة:

الفكرة التي تنتاب الشاعر لايمكن نشرها إلا من خلال انسجام جسد الذات مع اللغة أولا؛ ومن ثم موضوع الفكرة التي قد تكون لحظوية، لذلك فحالة الانسجام تكون مهيئة على مدار الأيام وليس هناك مدخل معينا للدخول إلى هذا الانسجام؛ لذلك نقول: إنّ الذات من خلال تحوّلاتها مع كلّ نصّ جديد تميل إلى الشعرية، فتصبح لدينا الذات المنسجمة والذات الشعرية؛ وتصبح لنا أساسية، في الوقت الذي هناك بعض المجاورات، وهي لاعلاقة لها بالفكرة أو التفكّـر الشعري عند الانسجام، بل هي مجاورات حاضرة لدى المتمكن والغائص في الذات الشاعرة ومنها: الحركات والصوت والنبرة وهيئة المعاني والدلالات المسبقة؛ حيث أوّل جملة شعرية، هي بداية وحدة في العمل القصائدي، وأوّل كلمة هي أصغر وحدة في الجملة الشعرية كمطلع أوّلي عند التأسيس. ليس هناك فكرة تنفجر كما يزعم البعض عندما يدخل إلى متاريس النقد أو إلى تأسيس النصّ، بل هناك لحظة تحضر إلى جانب الفكرة وانسجامها التفكّـري نحو الشعرية، ( نحن نحصر المعنى في الشعر فقط وليس في الأجناس الأخرى ).
تنسجم الذات في الفراغات التي تطرأ عليها، وتحاول أن تتجمع حول الفراغات؛ أما الأماكن المملوءة فهي؛ مملوءة ولا تحتاج إلى تركيز وجهد، لذلك عندما يطرق الشاعر الأماكن الفارغة لتعبئتها، فإنه سوف لايصطدم بالأشياء، لان بؤرة الذات تجمعت حول الأماكن الفارغة… فعندما أجلس أمام طاولة؛ طاولة صغيرة بحيث تكفي أن أبسط ساعدي عليها، فأمدّ يدي متخيّلا أنها سوف لاتصطدم بالأشياء، فذاتي متجمّعة حول سطح الطاولة بحجم الكفّ، لم أنتبه هناك منفضة للسكائر، وكتابا وجريدة، فعندما أمدّ يدي سوف تستغلّ الفراغ المتواجد على الطاولة، فهنا بؤرة الذات، فقد تجمعت في الأماكن الفارغة، أما الأماكن المملوءة، فهي متواجدة وحدها، ولا تنشغل الذات بها، وليس هناك تركيز معين عليها؛ فالذات انسجمت مع الأماكن الفارغة لتشغلها… إنّ هذه الفراغات التي شغلت الطاولة هي فراغات جمالية، من الطبيعي أن تبحث الذات عنها لترسم جملة لها كيانها في العمل القصائدي؛ ويكون المحسوس بالإضافة إلى المتخيّـل، قد تحركا نحو تلك اللحظة الشعرية التي برغبة الذات، فالذات وفي تحولاتها الدائمة، ليس شرط أن تبقى كما هي، في كلّ نصّ تنبت ذات جديدة، ومع كلّ محاولة نلاحظ الذات تحاول الانسجام؛ وطالما موضوعنا السخرية، وهو الفراغ الذي في رؤية الشاعر، فتتجه الذات نحو هذا الفراغ لتعبئة ماتراه مناسبا من خلال تغييرها.
إنّ إشارات الذات بتخمينات تحوي على نسب عالية عندما ترتدي ثياب الشعر وتتجه نحو الآخر؛ فهي تتجه نحو العالم، فيكون العالم حولها بمعاني من الإيمان الإدراكي، ومن هنا سيكون الشاعر هو الموجود في الذات، لأن تحركاتها نحو الآخر ونحو العالم، حركة صلة مع المعاني المتجمّعة، فحركة الذات تبيّـن حركة الأجساد في الفضاء الخارجي، وعلاقتها بالإدراك البصري. ولكن حركة الذات الداخلية، لها علاقة مع الذات الداخلية، فهي تستقطب ولا تبثّ للخارج، ولكنها تبث وتتجه نحو الجمال الشعري، وهو موضوعية الذات مع حركة المحسوس نحو هذا الاتجاه.
لأني مشتبه به،
في اعتناق أزاهيركِ
اعتقلوا الحدائق كلـّها
في
ثكنات
تصنيع
الـ….
.
عطور

قصيدة: دائما – ص 143 – الأعمال الشعرية الثانية
يتجه الشاعر سلمان داود محمد من خلال هذا النصّ إلى الماورائية؛ مما نحصل على نصّين، النصّ الظاهري الذي نقرأه، والنصّ الماورائي والذي يتجه نحو المرسَل إليه، فالمرسِل هنا هي الذات المنسجمة مع حدث الصورة الشعرية والتي جعل منها الشاعر سلمان داود محمد كعنصر دهشوي يمدّنا بميزة جمالية تقودنا إلى حدّ الدهشة، وهي الدهشة الفلاشية السريعة، فلو دققنا أكثر من خلال سقطة المفردة الشعرية، فسوف نلاحظ بأننا لانستطيع أن نتخلى عن التعامد المنقول من الطبيعة ( حالة الزهور والحدائق ) مما ننتبه من خلال منبهات الذات وإشاراتها بأن خلف الظاهر هناك قول آخر لدى الشاعر، وهذا القول هو التأويل الاستعاري الذي مرّ علينا بسرعة ضوء الفلاش، لينير المكان ويتم التقاط الصورة.
لأني مشتبه به، + في اعتناق أزاهيركِ + اعتقلوا الحدائق كلـّها + في + ثكنات + تصنيع الـ…. + . عطور
كجملة نافذة تتمتع بمعنى دلالي؛ نلاحظ أن الجملة بفعل حركي غير شائع؛ وهذا يعني أنّ الجملة الشعرية لدى الشاعر حلـّت محل فعل الحركة، وهذا ممكن جدا في اللغة الشعرية والتي تؤدي إلى تعابير ومعاني يستقبلها المرسَل إليه، وكذلك يشترك بها من خلال التفكر، المتلقي وذلك من خلال وعيه اللغوي؛ فالنصّ تواصلي وغير مقطع، ولم يتوقف إلا بنقطة فراغية أراد منها أن تكون حالة استرسال وربط بين ” ألـ ” التعريف ومفردة عطور؛ وهذا النوع من التقطيع هو الوقوف عند تأكيد المفردة الشعرية وعدم اعتماد التكرار.
إنّ العامل الضمني الذي نريد تكريسه هو عامل الإشارة الذاتي، عندما كان ( المشتبه به )؛ الباث المتواصل في تقنية البث الإشاري للذات، وكذلك الوقفات الدلالية والتي ظهر الدال إلى جانبها من خلال الباث المتواصل؛ مما جعلنا الشاعر أن نميل إلى تفكيك الدال والتواصل معه، ولم نتوقف إلا بتوقيت النصّ الشعري وخاتمة القول في رؤيته للجاذبية الذاتية. إنّ العنصر الضمني، هو عنصر التداخل النصّي، عندما نبحث عن سحر النصّ الشعري، وما يحمله من معاني بوسيلة الذات، والتي تكون هنا مسؤولة عن تلك الإثارات التي استقطبتها بواسطة الإدراك البصري، أو من خلال التفكّـر النوعي الذي يقودنا نحو الشعرية.
تستجيب الذات عادة لكلّ أعمال الإثارة، وهي تبحث عنها ومن خلالها تعلن تغييراتها المطلوبة، فالصورة الشعرية هي استجابة ذاتية، وتؤدي إلى فعل القول الدهشوي، وعندما يذهب الشاعر بها إلى ماوراء الواقع؛ فنحن هنا نكون قد التجأنا إلى قصر ببناء جديد، ونحن ندعم سحر القصر بعجائبية ودهشة الذات التي قادتنا إلى هذه المسالك.. (( عندما لايكون الشعر سوى ذاته… فلا يرافق العملية هذا الانتظار للنتيجة وبها يشبه السحر العلم. فالشعر سحر من أجل السحر، سحر بلا أمل… ويتوقف القول السحري عن التفتيش خارج نفسه، ولا ينتظر الطلب مطلقا أن يستجاب، والشعر صلاة للغائب ( )( 1 ) ويحدّد مونرو بهذه العبارات المدهشة شعرا يقتصر حتما على ساحة المتخيل ومعتقدا أنها كذلك. – ص 46 – فلسفة السريالية – فردينان آليكه – ترجمة: وجيه العمر)).
مايريده المتخيّـل هو فعل السحر، وعمله ونتائجه، وطالما أنّ الساحر من طراز خاص، فسوف يكون السحر من طراز خاص أيضا، ومن خلال ذائقته الجمالية عندما يفاجئ العالم وما يرسمه للآخرين.
وليمة من دخان
وكؤوس مترعة بالويل
.
هو ذا إرثكِ لي
أيتها المسكوبة
من وجهـــي
كـ ….
وطن….

قصيدة: إرث – ص 147 – الأعمال الشعرية الثانية
إنّ وحدة النصّ الشعري تؤدي إلى الانسجام الذاتي؛ فعندما تنسجم الذات مع الأثر الحسّي من جهة، ومع الأثر الحدثي، تؤدي إلى وحدة النصّ وتبيان الأنساق التي اشتغل الشاعر عليه.. يبعث النصّ من خلال ألفاظ النسق إلى عدة محاورومنها: من هو المتكلم في النصّ الشعري ؟ وماهي وظيفة النصّ ؟ وكيف نعالج المرسِل مع المرسَل إليه من خلال مكانية النصّ الشعري وتأطيره ؟! … هذه الأسئلة والمسالك تقودنا إلى أن النصّ كفعل قولي ضمن إطار القول الشعري؛ وقد انساق مأخوذا من خلال أثر الذات واستقبالها الإدراكيات البصرية.
وليمة من دخان + وكؤوس مترعة بالويل + . + هو ذا إرثكِ لي + أيتها المسكوبة + من وجهـــي + كـ …. + وطن….
هي وليمة ومن دخان، فهذا يعني أنّ هناك مساحة، وفضاء واسعا لكي يستوعب هذه الوليمة الدخانية؛ ومن هنا يكون الدال بخياره قادنا إلى دال آخر، وهذا ممكن جدا في المساحة الشعرية التي يرسمها الشاعر.. فالحالة مع الدال الذي في حالة الغائب وحضوره، ومع الدال في حالة الحاضر وحضوره الفعلي. فينقسم النصّ الشعري إلى قسمين، بين الغائب والحاضر، فالغائب يحضر من خلال معنى المعنى والذي يقودنا إلى النصّ المضاف وذلك من خلال التأويلات والبحث عن الاستدلال غير المباشر، والحاضر معنا يستمرّ من خلال النصّ المقروء، فعلائق النصّ تدفعنا إلى الإثارة النصية، فالتعالق الخارجي والتعالق الداخلي ينسجان تعالقات معمارية، وليس هذا وحده ونسف اللغة الأولى والاعتماد على لغة ثانية من خلال التعالقات النصية الخارجية والداخلية.
أثناء المحطات كلـّها
وأمام المهاجرين تحديدا
سأبقى رافعا يديّ مثل أسير
حتى
ترفعين
أصبعكِ
عن
زناد
الـ ….

حقيبــــة ….

قصيدة: إلياذة – ص 151 – الأعمال الشعرية الثانية
لو أخذنا الفعل أمامَ، والذي يعني لنا دلالة المكان، ونتيجة تحرّكه سوف تتغير دلالته، وكذلك يتغيّـر المعنى، وهو من الأفعال الحركية، وحالة تغييره أمام = وراء .. ومن هنا يختلف المعنى بين الأمام والـ وراء؛ وهذا يقودنا إلى مركزية الفهم للنصّ الشعري (( بما أنّ النصّ اللغوي، أيّ نصّ مهما كانت طبيعته فإنه عبارة عن نظام من العبارات التي تمتد بينها علاقات مختلفة وكلما غيّرنا موقعها داخل النسق اللغوي تغيّرت دلالتها، فإنّ العرب قد راعوا هذه المتغيرات فنظروا إلى النصّ ( النظم اللغوي ) في سياقين مختلفين: السياق اللغوي، أي المكانة التي يحتويها اللفظ داخل النسق اللغوي والسياق التداولي أي علاقة النصّ بمستعمله سواء كان المتكلم أو السامع أو الفضاء الثقافي والمعرفي الذي يربط بينهما. – ص 162 – في دلالة النصّ – من كتاب: نظرية النصّ من بنية المعنى إلى سيميائية الدال – د . حسين خمري )) .
تصنع الألفاظ علاقة رضى حميمية مابينها وبين المعاني، فتبنى المعاني بعلاقة قلبية مع الشاعر؛ وذلك لتكون بفعالية عالية ولا تتجه نحو الإفراط والمبالغة القصوى، فكلما حددنا الألفاظ وعلاقاتها مع بعضها كلما تماسك النصّ الشعري مع تلك العلاقات الحميمية.

إشارات :

جزء من بحث مطول لكتاب المحسوس
علاء حمد – عراقي مقيم في الدنمارك
المادة خاصة بالناقد العراقي
1- مونرو Monnerot الشعر الحديث والمقدس – ص 17 – 18 .

شاهد أيضاً

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

في الذكرى المائة لثورة العشرين الخالدة . الثورة العراقية الكبرى (ملف/8)

القيادة والتنظيم كانت قيادة ثورة العشرين، تتكون من مجموعة من شيوخ الدين، وشيوخ العشائر، وبعض …

أسامة غانم: المثقف بين الانتماء والاغتراب (ملف/27)

إشارة : تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *