الرئيسية » نقد » ادب » حيدر عبد الرحيم الشويلي: اثر المكان في قصص مجموعة “بنات الخائبات” للقاص علي السباعي

حيدر عبد الرحيم الشويلي: اثر المكان في قصص مجموعة “بنات الخائبات” للقاص علي السباعي

توطئة:-
تهدف هذه الدراسة إلى محاولة تحديد مفهوم المكان القصصي او السردي و إبراز أهميته في إقامة دعائم القصة و لأن هذا المكون اللغوي لا يمكنه أن يتمظهر في القصة إلا مصحوبا بأبعاده الخارجية (الواقعية)، فقد تطلب البحث فيه، ضرورة تحديد مفهومه اللغوي، وكذا التطرق إليه كمقولة فلسفية شغلت فكر الإنسان منذ زمن بعيد إذ أن أي حديث عن المكان القصصي يكون مجديا أكثر إذا ما تم الإلماع إلى جذوره الفلسفية و حتى العلمية، لكن في حدود ما تسمح به الاستفادة من فلسفته في بناء تصور جمالي متكامل للمكان الفني في القصة، و إبراز الحدود الفاصلة بينه و بين المكان الواقعي. ستتطرق هذه الدراسة إلى بعض المقاربات التي تناولت المكان, وبخاصة تلك التي تناولته في نظرية القصة ،في إطار معالجتها لموضوع الفضاء السردي، كما سيتعرض أيضا إلى أهم الدراسات النقدية العربية التي عالجت موضوع المكان, و أثارت إشكالية المكان و الفضاء التي ألقت بظلالها على هذه الدراسات. و لأن المكان القصصي ينشأ مع النص، فسيتم متابعة رحلة تطوره في القصة وكذا الإبانة عن شبكة العلاقات التي يقيمها مع بقية المكونات القصصية ومن ثم عن كيفية إنتاجه لدلالاته.
تستلزم الكتابة عما كتبه القاص العربي المبدع ( علي السباعي )، استحضار واستلهام الأمكنة التي كتب عنها وأثث لها في مجموعته القصصية، الموسومة تحت عنوان جاذب ومغاير لما هو مألوف:- (( بنات الخائبات )). أجاد القاص علي السباعي بالكتابة عن المكان حتى أن المكان أصبح لديه البطل ، صحيح أنه كتب عن مشاهداته في مدينة الناصرية ، مدينته ، الناصرية التي تقع على بعد ( 384 ) كم جنوب العاصمة بغداد ، وبنحو ( 200 ) كم عن شمال مدينة البصرة ، أعتقد أنه أضاف بريقه الخاص في كتابة القصة القصيرة على مدينة الناصرية كمدينة ، بنات الخائبات تثير الكثير من علامات التعجب والاستفهام عن أمكنته التي زرعها شاتلاً في جسد بناته الخائبات كمن يوزع شتلات الأمكنة في حقله القصصي المعد جيداً لاستقبال هكذا شتلات . لذا كان لزاماً علينا أن ندرس أمكنته الموظفة ضمن نسيج خطابه السردي المتماسك والمبهر والقوي والهادف .
كان السارد الشاتل المزارع القاص علي السباعي يكتب ” يغرس ” أمكنته عن قصد. أمكنة حية ، تتنفس ، ترى ، تبصر ما يجري، وهي تضم سير الناس بحشمة صادقة وألم حين ترافقها عذابات من كتب عنهم.
يميل السباعي علي إلى جدية درايّة مبصرة عارفة بتوظيف أمكنته التي ولد وترعرع وعاش فيها ، وكأن قصص علي السباعي بدون مدينته الناصرية تظل هياكل فارغة ذلك ما دونه في لقاء أجراه معه الصحفي والمترجم العراقي(مصطفى علي الربيعي) لصالح مجلة التحاف التونسية الغراء ذات العدد 126/عام 2001م حيث قال ما جذب انتباهي:- (( س//مدينة الناصرية هل ترى أن لها تأثيراً على مناخك القصصي؟
ج//الناصرية. أرتبط بها ارتباط الجنين بأمه ، داخل رحمها ارتباطا ” مشيمياً ” جسدياً ، فلو جردت الناصرية من موضوعاتي القصصية لبقيت هياكل . أنها مسرح حياتي كلها ، وهدفي من توظيفها تأصيل واستكناه رموزها ، وتقصي دلالاتها ، فالناصرية أرث ثقافي كبير، وكل هذا الإرث المخبوء أجده موضوعة أساسية تقدح ذاكرتي ، وما مرت به الناصرية من مراحل متغيرة أكسبتها ذلك الإرث المخبوء الذي يجب أن نقتنصه إبداعياً .
فرأيت المزاوجة بين الأسطورة والواقع هي التي تبرز شراسة وبؤس هذا الواقع . أما أستخدامي للأسطورة فذلك ناتج للتشابه الحاصل بين أحداث أسطورة ما وأحداث تجري في الواقع أو التماثل الذي يحصل بين أحداث الموروث الشعبي وأحداث واقعية . . . إن مرجعيات قصصي هي أساطير معروفة من التراث السومري أو شخصيات من التراث الشعبي مثل البهلول أو شخصيات ورد ذكرها في القرآن الكريم مثل زليخا زوجة العزيز حاكم مصر التي أغوت النبي يوسف “ع”))، منذها تتبعت بشغف قصص علي السباعي لأن فيها ضالتي ، فيها ما يسحرني :- المكان. ومكانه المفضل: الناصرية.
مدينته الأم، معشوقته، محبوبته، تميمته ، وجوده، مدينته التي يتحرك فيها بيسر وسهولة عبر أمكنتها ليكتب عنها وعن ناسها. علي السباعي كسارد لا ينسى المكان وزمنه المرتبط به، كل أمكنته تجدها حاضرة في قصتي بنات الخائبات بوضوح حاد ومثير ، وذاكرته كانت دائماً مصدراً كبيراً وثراً وعميقاً لمادته القصصية الخام، يستخدم الذاكرة في قصتي بنات الخائبات بطريقة تشبه الحلم . أمكنة يوقدها حلماً في الذاكرة وأنت تقرأها لتضيء جمراً حزيناً في نفوس قارئيها التي احترقت بلهيب الحصار والحروب والدكتاتورية. الأمكنة عنده أضاءات ذكية، تارة تفيض كنهر عذب، وتارة أخرى تشرق مثل شمس تدفء دماء أيامنا التي جمدها برد الظلم. ميزة أمكنة القاص علي السباعي أنك تراها وأبطالها يلصفون مثل النجوم في عزة الظهيرة . تجد كل أمكنة بنات الخائبات عالقة في ذاكرتنا، كونه كتب عن خرابها الذي هو خرابنا ، وقسوتها التي هي قسوتنا ، وغيابها المر الذي هو غيابنا ، وبؤسها الذي هو بؤسنا، كانت لغته التي صاغها منها أمكنته تسمعك دقات ساعتها، وسنابك خيلها تصلك من فلوات الناصرية حين تغلق الجدران أبوابها وشبابيكها علينا، لغته تثير بقدومها حسك بالمكان كمتلقي، توقظك من أغواءات الحياة حولك إلى حقوله القصصية الرحبة المزدانة بقصص الأسلاف ببراعة، مولع علي السباعي بالمكان، والمكان يشاكسه ويستفزه، وعندما يشتله علي السباعي يستفز به وعي المتلقي الذي يقرأ قراءة حذرة متأنية تقرأ بحذر لبلاغة مشاهد الأمكنة عنده ، قراءة بنات الخائبات ترسخ الإحساس بنص مكاني يوثق أمكنتنا التي عشناها والتي تفرض علينا سماعها تتحدث عن خيبتنا وأحلامنا رغم غيابها الكامل من مشهد حياتنا، أمكنة القاص علي السباعي أكثر أتساعاً من وجودها ، حضورها مرتبط بمصائر أبطالها الذين عاشوا فيها قبل أن تعبث بهم الحروب والحصارات والاحتلالات التي ركلتهم بعيداً عنها.
والوقع أن القاص قد ركز علي عنصر المكان بصورة يمكن اعتباره البطل الحقيقي في قصتي المجموعة، فالمكان هو المجال الحيوي الذي تتحرك فيه الشخصيات وتتصارع؛ لأن الصراع في العمل الفني لا يحدث في الفراغ، بل يضمه زمان ومكان محددين. ومن هنا فقد تناول السارد مدينة (الناصرية) ولم يترك موقفا إلا ويذكر فيه المدينة بكل معالمها وعاداتها وتقاليدها وتضاريسها؛ ليبين للقارئ أنها ماثلة في العقل والوجدان، وستبقي كل المدن العراقية كذلك في وجدان العراقيين، مهما تقلبت بهم الأيام؛ لينتقل بعد ذلك إلي صورة الوضع بما عليه الحال داخل (المدينة)، راسماً صوراً واضحة ومشاهد جلية لهذه المدينة ومعاناة ساكنيها.

المكان في قصص بنات الخائبات
المكان:-
یعد المكان العنصر الأساس في بناء القصة، فهو الأرضية التي تتحرك فیها الشخصيات (1) وهذا یعني ان هناك علاقة وثیقة وتأثیراً متبادلاً بین الشخصیة والمكان الذي تسكنه، فكما ان للمكان الدور في تشكیل الشخصیة كذلك تقوم الشخصیة في تشكیل المكان المحیط بها من خلال وجهة نظرها(2) وبهذا یحتل المكان أهمیة كبیرة مركزیة بوصفه عنصراً مهماً في البنیة السردیة اذ انه یمثل “القاعدة المادیة الأولى التي ینهض علیها النص حدثاً وشخصیة وزمناً والشاشة المشهدیة العاكسة والمجسدة لحركته وفاعلیته”(3) والمكان هو الذي یقع فیه الحدث(4) وان ما ندركه عن المكان هو جزء لا یتجزأ مما ندركه عن الشخصیة التي( ترتكز في مكان وقوع الحدث أو التحرك في مكان ما، فالمكان اذن “جزء من تكوین الانسان”(5) بل قد یصبح المكان جزءاً من التجربة الذاتیة بعد ان یفقد صفاته الواقعیة ارتباطاً باللحظة النفسیة التي تمر بها الشخصیة فیضیق أو یتسع او ینهار(6) ومما سبق فأن للمكان الوظیفة الاساس وهي لیست الوظیفة الدیكوریة والتأطیریة فحسب وانما تتلون بالدوافع النفسیة فضلاً عن تداخله مع العناصر السردیة الآخرى من حیث كونه وعاءً للحدث وللشخصیة.
على اية حال فان لفظة المكان تشير الى الموضع الممتلئ بالاشياء والاشخاص وهو الحاوي للشئ المستقر ، كمقعد الانسان من الارض ، وموضع قيامه واضطجاعه ، والمكان يستعمل في الحقيقة والمجاز فالحقيقي للجسم ما يملؤه ولا يسمع مع غيره ولا يكون الا واحدا ، وغير الحقيقي ما ليس كذلك وهو متعدد ومختلف بحسب البعد والقرب من الحقيقي كالبيت والبلد والاقليم والمعمورة الى غير ذلك ، اما لفظة الفضاء فتشير الى المكان الواسع الفارغ ، وهو ما اتسع من الارض وهو (الخالي الفارغ الواسع من الارض ، والبلد المفضي العراء( الذي لا شيء فيه)(7).
المعنى اللغوي لكل من لفظتي المكان والفضاء في المعجم العربي :
على الرغم من ان مفردتي (المكان والفضاء) تنتميان الى جذرين لغويين مختلفين ولكن كثيرا ما يحصل الخلط بينهما في الاستعمالات العامة، واحيانا حتى في المعطيات النقدية ، وعلة ذلك ان كليهما بقدر ما تختلفان في المضمون، فانهما تلتقيان في الشكل والهيئة، لأن كلاً من المكان والفضاء لا يخرج عن كونه(موضعا) الا ان هذا الموضع ليس واحدا في محتواه .
على اية حال فان لفظة المكان تشير الى الموضع الممتلئ بالاشياء والاشخاص وهو الحاوي للشئ المستقر، كمقعد الانسان من الارض، وموضع قيامه واضطجاعه، والمكان يستعمل في الحقيقة والمجاز فالحقيقي للجسم ما يملؤه ولا يسمع مع غيره ولا يكون الا واحدا، وغير الحقيقي ما ليس كذلك وهو متعدد ومختلف بحسب البعد والقرب من الحقيقي كالبيت والبلد والاقليم والمعمورة الى غير ذلك، اما لفظة الفضاء فتشير الى المكان الواسع الفارغ، وهو ما اتسع من الارض وهو (الخالي الفارغ الواسع من الارض ، والبلد المفضي العراء(الذي لا شيء فيه)(8).

انواع المكان :
اختلف النقاد والباحثون في تحديدهم لأنواع المكان في الرواية ،كالاختلاف في تحديد مسميات هذه الانواع واختلافهم في تحديد المنطلقات التي ينطلقون منها في تحديدهم لأنواع المكان .
فقد حدد مول ورومير اربعة من الاماكن حسب السلطة التي تخضع لها هذه: الاماكن(8):
1- مكان امارس فيه سلطتي (عندي) ويكون بالنسبة لي مكانا حميما واليفا .
2- مكان يشبه الاول في نواح كثيرة ، ولكنه يختلف عنه من حيث انني اخضع فيه بالضرورة لوطأة سلطة الغير (عند الاخرين) ومن حيث انني لابد ان اعترف بهذه السلطة .
3- اماكن ليست ملكا لأحد معين (عامة) ولكنها ملك للسلطة العامة النابعة من الجماعة (الدولة) والتي يمثلها الشرطي المتحكم فيها ، ففي كل هذه الاماكن هناك شخص يمارس سلطته وينظم فيها السلوك ، فالفرد ليس حرا ولكنه (عند) احد يتحكم فيه.
4- المكان اللامتناهي : ويكون هذا المكان بصفة عامة خاليا من الناس، فهو الارض التي لا تخضع لسلطة احد ، مثل الصحراء التي لا يملكها احد ،وتكون الدولة وسلطانها بعيدة بحيث لا تستطيع ان تمارس قهرها فيها ولذلك تصبح اسطورة نائية ، وكثيرا ما تفتقد هذه الاماكن الى الطرق والمؤسسات الحضارية والى ممثلي السلطة فهذه الاماكن تقع بعيدة عن المناطق الاهلة بالسكان ولذا تكتسب دلالات خاصة .
5- غير ان مثل هذه الاماكن اخذت في الانقراض بفعل تطور وسائل الاتصال، وكانت تمثل استعارة ديناميكية في الحضارة البشرية ، فكانت المغامرة والحرية والانطلاق والاكتشاف والافلات من سطوة السلطة ، وابتكار القيم الجديدة ، وامتحان قدرات الذات الى اخر هذه المعاني التي ارتبطت بمثل هذه الاماكن .
وقد استنبط بروب من خلال دراسته لمجموعة من القصص: الشعبية ثلاثة اطر مكانية (9)
المكان الاصل : وهو عادة مسقط الرأس ومحل العائلة والانس . لكن الاساءة تحدث في هذا المكان فيترتب عنها سفر الفاعل بحثا عن وسائل الاصلاح والانجاز ولذلك اطلق غريماس على هذا المكان مصطلح (مكان الانس الجاف) فالمكان الحقيقي في الحكايات الشعبية بالنسبة لغريماس هو مكان الاختبارين الترشيحي والحاكم واما المكان بالاصل فهو شبه مكان جاف تتمثل وظيفته في خلق مبررات الاسفار والافعال.
المكان الذي يحدث فيه الاختبار الترشيحي وهو مكان عرضي ووقتي وقد اطلق عليه غريماس مصطلح (المكان الترشيحي الجاف) وهو يعني بذلك ان هذا المكان مجاور للمكان المركزي الذي يقع فيه الانجاز المقوم للافتقار.
المكان الذي يقع في الانجاز او الاختبار الرئيسي وقد اسماه غريماس باللامكان ، مبينا بذلك ان الفعل المغير للذات والجوهر لا يمكن ان يتجسم في اطار مكاني معين فمكان الفعل هو اللامكان اي نفي للمكان بوصفه معطى ثابتا .
ويقسم ياسين النصير . انواع المكان الى ثلاثة : مكان مفترض ومكان. موضوعي ومكان ذي البعد الواحد (10)
وقد استخلص د. شجاع العاني اربعة انواع للمكان هي : المكان المسرحي ،الذي اطلق عليه غالب هلسا ، المكان المجازي ، والمكان التأريخي والمكان. الاليف والمكان المعادي (11)
من هنا نستطيع اندرج هنا مجموعة من التقابلات المكانية كما قسمها: ابراهيم جنادري على النحو الاتي (12)
1- فضاء العتبة / الفضاء الواصل
2- المكان الاليف / المكان المعادي
3- المكان الواقعي / المكان الخيالي
4- المكان التأريخي / المكان الآني
5- المكان الذاتي / المكان الجماعي
6- المكان المسرحي/ المكان الكوني
المكان الاليف / المكان المعادي
البيت هو عالم الانسان الاول ، اذ منه تبدأ الحياه بدايتها الجيدة مسيجة محمية دافئة في صدره بين من يحبهم ويحبونه ، اذ يقول باشلار : (حين نحلم بالبيت الذي ولدنا فيه ، وبينما نحن في اعماق الاسترخاء القصوى ننخرط في ذلك الدفء الاصلي في تلك المادة لفردوسنا المادي. هذا هو المناخ الذي يعيش فيه الانسان المحمي في داخله )(13)، فالمكان الاليف حسب فكرة باشلار، هو مكان العيشة المقترنة بالدفء والشعور اذ ان ثمة حماية لهذا المكان من الخارج المعادي وتهديداته.
ويركز باشلار على اكثر الامكنة الفة وهو البيت الذي ولد فيه ونشأ ، اذ يقول:
(( البيت الذي ولدنا فيه ، بيت مأهول ، وقيم الالفة موزعة فيه ، وليس من السهل اقامه التوازن بينهما … فالبيت الذي ولدنا فيه محفور بشكل عادي وفي( داخلنا، انه يصبح من العادات العفوية ))(14).
ولابد من القول انا لا نقيد المكان الاليف تبعا لفكرة باشلار بالبيت فقط ويمكن القول ان المكان الاليف متنوع تبعا لشعور الشخصية ، فالشخصية هي التي تحدد المكان الاليف والمعادي ، فهناك اماكن غير المنزل تبعث الراحة والامان للشخصية، وقد يكون المنزل نفسه معادٍ للشخصية لا يبعث لها الراحة والامان.
ومن ذلك نستخلص : ان المكان الاليف : هو المكان الذي تشعر فيه الشخصيات بالالفة والامان ، وهذا ما تناوله الكثير من النقاد ، ربما كان جاسم عاصي في المقدمة منهم ، حيث يشير في دراسته عن علاقة النهر من حيث هو مكان بالانسان او البطل اشارة بالغة الوضوح يقول فيها (( ويبدو ان النهر والبئر وبقية مصادر المياه ، كذلك عناصر الطبيعة كالاشجار ، شكلت روافد غنية لأشباع حاجات المبدع للتعبير وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بعالم الطفولة التي ( خلقت الفة بين الشخصية والمكان ))(15).
مفهوم المكان:
اختلفت التعريفات الاصطلاحية، والآراء حول مفهوم المكان اختلافًا بينًا واضحًا؛ فهناك من ينظر إليه على أنه وسط غير محدود يشمل على (16) ، والمكان عند جاستون باشلار هو : ما عيش فيه لا بشكل وضعي، بل بكل ما للخيال من تحيز، وهو بشكل خاص، في الغالب مركز اجتذاب دائم(17).
وترى اعتدال عثمان أن المكان لا يقتصر على كونه أبعادًا هندسية وحجومًا، ولكنه
فضلاً عن ذلك نظام من العلاقات المجردة يُستخرج من الأشياء المادية الملموسة بقدر ما يستمد من التجريد الذهني، أو الجهد الذهني المجرد(18).
ويرى عز الدين إسماعيل أن حقيقة المكان النفسية تقول إن الصفات الموضوعية للمكان ليست إلا وسيلة، أو وسائل قياسية تسهل التعامل بين الناس في حياتهم اليومية(19).
ومن تعدد تعريفات المكان من الناحية الجغرافية اعتباره سياقًا جغرافيًا وحيزًا ما ،أما المكان اجتماعيًا فهو الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، ولذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءً من أخلاقية وأفكار ووعي ساكنيه (20).
والمكان أيضًا، عند الناقد نفسه ليس بناءً خارجياً مرئياً، ولا حيزاً محدد المساحة، ولا تركيبًا من غرف وأسيجة ونوافد، بل هو كيان من الفعل المير والمحتوى على تاريخ ما، أو المضمخة أبعاده بتواريخ الضوء والظلمة(21).
ويميز عبد المالك مرتاض بين المكان الحقيقي ، والمكان الأدبي ، فالمكان الأدبي عالم بلا حدود وبحر دون ساحل ، وليل دون صباح، ونهار دون مساء ،إنه امتداد مستمر مفتوح على جميع المتجهات ، وفي كل الآفاق(22).
والأديب المتمكن هو الذي يستطيع أن يتعامل مع المكان تعاملاً بارعاً، فيوظفه توظيفًا فنيًا ناجحا(23)
إلى جانب كونه حقيقيًا . وبمختلف الأبعاد كالبعد الاجتماعي، أو النفسي، وكذلك البعد الجمالي.
فلمكان في تجربة السباعي وبنات الخائبات هو لغة الأرض، وجسد الّنص وروحه، يتمحور حوله الكيان، ينهض من أجله الإنسان عبر جدلية الماضي والمستقبل والآن.
ووعي الإنسان بأهميته قوّى انتماءه للّتاريخ وجعله يتطّلع إلى مستقبل مؤمل، ويجنح إلى الّذاكرة ليس لأّنها هرب من الحاضر وإّنما كنظام من الاعتقاد وتجليات مرجعية يحملها من واقعه المادي والّتاريخي.
والمجموعة القصصية : (( بنات الخائبات )) :- كانت عبارة عن قصتين ، ملحمتين قصصيتين ، ملحمتين مكانيتين واسعتي المدى وعميقتي المعاني ، وتحتاج رؤى بعيدة المدى لسبر أغوارها بحث تكون وفق معايير وأسس أدبية رصينة ودقيقة.
اهمية المكان :
اكدت بعض التيارات في الفكر الفلسفي الحديث مثل (الظاهراتية) اهمية المكان بل لقد ذهبت هذه التيارات الى ان الزمان لا وجود له من دون المكان اذ انه الحركة في المكان والاشياء ، وقد اقترب غاستون باشلارمن هذا المعنى في بعض الاحيان عندما يقول : نعتقد اننا نعرف انفسنا من خلال الزمن ، في حين ان كل مانعرفه هو تتابع تثبيتات في اماكن استقرار المكان الانساني.
ولقد عبر دستويفسكي عن هذا المعنى ايضا من خلال الحديث للأمير((ميشكين)) في رواية ((الابله)) عن ذلك المحكوم بالاعدام، الذي أوقظ من النوم في الساعة الخامسة صباحا ليقال له ان موعد اعدامه قد تقرر ليكون في الساعة العاشرة من ذلك الصباح، فكان ذلك مفاجاة كبرى له اذ كان يعتقد ان الاجراءات الرسمية ستستغرق اسبوعا على الاقل ، وانتهى الامر بأن يتوجه المحكوم بالاعدام في موكب يسير خلال المدينة الى منصة الاعدام، ويعبر الراوي عن الاحساس بالزمن لدى المحكوم بالاعدام وعن قياس الزمان بواسطة المكان حين يقول (( واعتقد انه ايضا لابد قد شعر بأن امامه عمرا كاملا وهو في طريقه الى هناك ، ومن المحتمل انه قال لنفسه ، وهو في الطريق: اوه، انه لايزال وقت طويل ، طويل ، لا يزال امامي من الحياه ثلاثة شوارع، فعندما نجتاز هذا الشارع ، فسوف يتبقى شارع ثان ، ثم الشارع الاخر الذي يقع في المخبز على اليمين ، ومتى سنصل اليه انه عمر طويل طويل )).
دعونا الان ننتقل من العام الى الخاص بعد ان مهدنا الطريق بايجاز للدخول الى موضوعنا الرئيس ، في محاولة للتعرف على الكيفية التي تعامل بها السارد او القاص علي السباعي مع المكان حيث يمثل مدينة الناصرية المكان الاليف الذي يبعث الراحة والاطمئنان في نفوس الشخصيات اذ يصف السباعي احد الشخصيات الرئيسية في ( بنات الخائبات ) ما تبعثه مدينة الناصرية في نفسه من راحة حيث يقول:
((لأن العالمَ أصـبحَ صغيراً علـى الطغاةِ ، حسِبتُ نفسيّ فـي سنيّ مراهقتي اكبر عاشق في الناصريّةِ فأطلتُ لحيتي وشاربي على طريقةِ بيكاسـي * .. لـو لا تنغيصاتُ حبيبتي التي كلما ضجـرتْ منّي عيرتني برســول الحبِ ** .. ويدي في يدِها تمنيتُ لو كنتُ أنا مَنْ ضربَ أنظمةِ الكمبيوترِ بفيروس الحبِ بعبارةِ : ( أحُبك )…))(24)، وتبعث مدينة الناصرية ايضا راحة نفسية لشخصية كاظم الحلوُ الحبابُ احدى الشخصيات التي تتطرق اليها السارد في (بنات الخائبات) اذ يقول :
((لـم يكـنْ بـارداً كـان فاتراً ناعماً متقطراً لـم تهبْ فيــه أيّـة ُ رياح ٍ عاصفـةٍ كـان ناشفاً لـم تتوفَ فيـــه أيّـة ُ شخصيةٍ مهمــةٍ سوى وفاة المجنون كاظـم الحلـو الحباب وبيده قطعــة ُ ورق ٍ مقوى كُتبَ عليهـا : إلى متى يبقى كاظــمُ الحــلوُ الحبابُ على التـل ِ ؟ مــن يومها والـناس يرددون كلــما ضنكهم الـدهرُ : إلــى متـى يبقـى البعــير علــى التــل ِ ؟ شَطـّبَ الكســوفَ أعمــــالُ البنــــاءِ الجاريـــة َ فــــي المديــنةِ ، كَنــَسَ شــوارعَهــا الترابية ، أغلـقَ دكاكينَها وكـلَّ الطـرق ِ المؤديــةِ إليــها كانتْ خاويــة ً مهــجورة … ))(25)، كاظم الحلو الحباب أحدى الشخصيات المألوفة والمعروفة التي اختارت ان تعيش في هذه المدينة، القاص استدعى هذه الشخصية المجنونة للدلالة على المكان الشاهد على هذه المدينة لربما كان يرى المدينة والناس من فوق مرتفع وليس البعير واقفاً على التل!! توظيف السارد الماهر لهذه الشخصية المألوفة ضمن تقنية شخصنة المكان ورسالة احتجاج ضد الممارسات اللاإنسانية الظالمة التي لم يسلم منها حتى هذا المجنون الحلو كاظم الحباب.
والحديث عن المكان باعتباره أقدم من الانسان والإنسان بوجوده وكينونته في المكان يعيد تشكيله وتحويله إلى أشكال مختلفة حسب احتياجاته الحياتية, ووفق ثقافته. هو حديث عن الهوية وعمق الانتماء الذي يرسخ قيمة الفرد داخل المجتمع، وقيمة المجتمع داخل المنظومة الإنسانية الكبرى. والعودة إلى المكان بهذا المعنى هو عودة إلى الأصل الأول والأساس من أجل تثبيت الجذور وإسدال الفروع. لن نقف طويلا عند مفاهيم المكان اللغوية والاصطلاحية، ولكن لا بأس من التذكر بأن المكان قد جاء ذكره في القرآن الكريم بصيغ شتى، ومفاهيم عدة، وقد تعددت دلالاته اللغوية والاصطلاحية حسب ما يقتضيه المقام، ليبقى المكان عموما دلالة مهمة في بناء النص.
كما نرى يتخذ القاص مكان اخر ضمن امكنتهِ المألوفة كمساجد وجوامع المدينة
((شَطـّبَ الكســوفَ أعمــــالُ البنــــاءِ الجاريـــةَ فــــي المديــنةِ ، كَنــَسَ شــوارعَهــا الترابية ، أغلـقَ دكاكينَها وكـلَّ الطـرقِ المؤديــةِ إليــها كانتْ خاويــةً مهــجورةً، تنتصـــبُ منـارةُ مسجدِها صغــيرةً ناحـــلةً قميئةً على مبعدةِ مئــةِ يـاردةِ منهـا غاص جَـــدُكَ بجسـدهِ الأسمـرَ الممـشوقِ فـــي مياهٍ عسليةٍ طازجةٍ فاترةٍ أمواجُها مجلـَوةٌ ناصـعةٌ تارةٌ بســـلامِ فضيِّ طيـــعٍ لاصــفٍ ،وأخرى متحفزةٍ بنديـةٍ جارحــةٍ تأتي مـن الشــمال منسابــة كـأن لــهـا أجنحـةً تبحرُ بــها ، أمواجُــها فسفوريِةٌ منفوخةٌ دسمـةٌ ناضجــة))(26).
((شرعتْ ديكةُ المديــنةِ تصيـــح ، مؤذنو الجوامـــع ينادون لصــلاةِ الكســوفِ))(27).
ويظهر المسجد جليا كمكان للالتقاء وللقص والتداول وهو تيمة جديدة فى السرد القصصي, فقد أحجم معظم الأدباء عن ولوج دور العبادة والاكتفاء بالإشارة إليها من بعيد، لأن هذا المكان هو المساحة الوحيدة التى تخلو من الاضطهاد والخوف والقمع.
فالمكان فى المجموعة معظمه جغرافيا ينطلق منه القاص من مرحلة طفولته حتى نهاية أحداث الرواية مرورا بأماكن كمحطات لا ينمو فيها الحدث, ويأتى ذكر هذه الأماكن التى يحفظها السارد لإقناع القارئ بواقعية الحدث فيذكر (المدينة الناصرية، المدرسة، أبي الهول، العلم، نهر الفرات، سفينة نوح، التل، شوارعها الترابية، دكاكينها، المهد، رحم الأمواج، الماء، المحاق، الجوامع، المساجد، ساحة رفع العلم، طاولة المفاوضات، على ديوانهِ الباذخ كأنهن حبيبات لوحةِ، أقصى اليمين، ديوانَه الفخمَ الذي يتوسطه أسدُ بابلَ، البحر، طروادة، خرم الإبرة، تمثال الحرية، أسد بابل، أنكلترا، النمسا، باريس، الشيشان، البلقان، أفريقيا، أفغانستان، النيبال، الساحات، المذياع، أعمدة الكهرباء …..) وزيادة على المسجد نجد المدرسة فهي مكان يستقطب الصبيان من كل حدب وصوب كما تطرق اليها القاص علي السباعي في مجموعتهِ اذ يقول: ((كنتُ في عالمِ الرؤيا صبياً مع زملائي فــي المدرسةِ المــركزيّةِ الابتدائية .. دخل الفارسُ فــي ساحةِ رفعِ العلمِ ، صرنا نحنُ التلاميذَ الصغارَ نركضُ وراءه متلقفين قطــراتِ دمِ الحسيـن التــي كانتْ علــى شكلِ حباتِ رمـانٍ ريانةٍ نَضِرَةٍ ، التقط زمــلائي الطلابُ حبيباتِ دمــهِ بأكفهم الصغيرة وراحوا يتوضؤون بها ، تحول كـلّ صبيٍّ إلى فارسٍ كرافيكي يمســك رمحاً طويلاً مدمى فوق الرمحِ كان رأس الحسين يقطر دمــاً ،تناسل زملائي المتوضئون والحاملون لرأس الحسين وكــأن صبيةَ العالــمِ كُلِــه تجمــعوا فــي مدرستنا ، الوحيـدُ بينهم كـــان همِّيَ أن المــسَ تلك الشعرةَ البيضــاءَ الوحيدةَ، كنتُ اصرخُ بالفــارسِ الكرافيكي مغبونـــاً ، أفقـــتُ علـــى تكبير وتسبيح أبي الذي أخبرني بأنني كنــتُ اصــرخُ متنبئاً فـــي حلمي : (( ستزول دولــةُ إسرائيل عـــام ألفيـن وثمانيــة عشــرَ )) ، سمعتْ أمي ذلكَ فعلقتْ بحْرقةٍ :
(( أتبقى الصخرة جاثمة عليك حتـى عام 2018 . الله أكبر )) . روى جديّ الثالــثُ علـيّ السبّاعي لصديقهِ ناصــر باشا الأشـقر مــا جرى لهُ ، فسمــى الأخـــيرُ مدينتهُ بأســـمٍ أنثويٍّ ، أســمٍ أسمرُ نكهتهُ جنوبية ، أنه : الألم ، أنه : ناصريّة)) (28).
والمدرسة لم تكن مؤسسة للعلم والتربية فحسب، انما هي كلمة، ومنارة، وحضارة، ووطن، اذ المعادلة بالمعلم، والطالب تبنى الاوطان.
“مديرية المدرسة الابتدائية في الناصرية”، هكذا هو اسمها بحسب ارشيف المدرسة منذ تأسست (1916-1917).
فالمكان في بنات الخائبات بناء يؤثر على وجدانيات المتلقي لأن السارد السباعي أثثه جيداً ، وأبدع في تأثيثه ، وأحيانا تحتشد داخل جسدي القصتين الأمكنة بكل أثاثها الغريبة والمدهشة والعجيبة مما يبعده عن الذي يدور حوله وينقله إلى عالم آخر بعيد المدى ، وهذا ما لاحظناه في هذه المجموعة القصصية . لذا كانت مجموعة بنات الخائبات مؤثرة بقوة على وجدان ومشاعر وأحاسيس المتلقي بل وباعثة للتأمل والوقوف على أحداثها ومجرياتها رغم وجعها الدامي المؤلم.
فترى السباعي يحتفي بالمدينة وأساطيرها وثقافتها المحملة برؤية خاصة للوجود. ولا يضير هذا الاحتفاء إشارة بعضهم إلى أن قول السباعي لا يعبر عن رؤية ابن المدينة بقدر ما يعبر عن رؤية علي السباعي مبدعًا لعالمه الخاص. فلكل سارد او قاص او روائي حقه في تخيل حر ينبع من صميمه، في تأويل إرث مشترك يحمله فلسفته وهواجسه.
فيتخذ من المدينة كأنثى وكمدينة ليظهر جماليات المكان من جانب اخر اذ يقول
((ناصرية عنقاء بُعثتْ من رمادِها ، نطقتها في وجههِ بعينين متحديتين تفيضان عداوةً جارحةً ، قالتْ متنمرةً:
– لم ولن تنالَ عذريتي . يا أخيتي !
دخلتْ ناصريّة منعطفاً خطيراً جـداً مثلَ الإنسانيــة ، نطقتها وصدرها يهبط ويعلو ، يعلو ويهبط : لم ولن صرختان اجتمعتا في صرخةٍ واحدةٍ سجينةٍ موجزةٍ لأكبَر : لا . في حياتنا ، صرخةٍ مكثفةٍ مكورةٍ صلدةٍ من ضيم سنوات حياتِنا ، لا . صرخةٍ إحتفظنا بها في لبِ صدورنا ، كانتْ في دمائنا ، .. أرواحِنـا ، .. أصلابــِنا ، .. أرحامِنا ، .. أرضِنا ، .. هوائِنـا ، .. أشجارنا ، .. سمائِنا ، والله حتى في حجارَتِنا ، نظل نختزنُها حتى نغيرَ ما بأنفسِنا ونخرجَ من عنقِ الزجاجةِ لا . نطقتها وكأنها جميلة بوحيرد : –
– أتحدّاك .))(29). وبرأيي نستطيع أن ندرج مجموعة علي السباعي “بنات الخائبات” ككثير من المجاميع القصصية للكتاب العرب ضمن مجموعة السباعي السير ذاتية لاتخذاها جانب البوح الذاتي والتفريغ بكل الهموم التي عاشها ليرميها في وجه المتلقي.
فالمكان الاليف تنسجم الشخصية معه، وتحبه وتعيش في انسجام معه، وقد يكون مناقضا لها ويؤدي هذا التناقض نوعا من الصراع الذي يحدد ابعاد الشخصية وعلاقاتها، لأن ثمة امكنة لا يشعر الانسان بألفة ما نحوها، بل يشعر بالعداء والكراهية، وهي اماكن قد يقيم فيها تحت ظرف اجباري كالمنافي والسجون والاماكن التي توحي بانها مكان للموت، واماكن الغربة.
اذن المكان المعادي: هو المكان الذي تشعر الشخصيات فيه بالكراهية او العداء او الضيق، وعدم الامان.
ويمثل المكان المعادي في المجموعة القصصية “بنات الخائبات” ليس مكانا محددأ بل عدة امكنة ((كـان جــسدُ الفراتِ فتاناً مغرياً ، منتشـياً مرحـاً ، متودداً رشيقاً ، طائعاً منسجمـاً باشتهـاءٍ ، قبيلَ وصولـه القاع رأى امرأة تنسدلُ مــن قمةِ رأسِها عباءة تحلـّـقُ حاشيتُها الصدئةُ خلفها مع دفقاتِ الفراتِ ، تهزُ بيمناها مهداً خشبياً ، وَطـِئَتْ قدماه قاعَهُ الطيني الطري الدافيء ، رغمَ ذكورة الفراتِ إلاّ أنــّهُ شَعَرَ بأن قدميه قد وطئتا رحماً دسـماً ناضجاً بلزوجةٍ لذيذةٍ دافئةٍ تستلقي فــي المــهدِ طفلةٌ حنطيةٌ جميـلةٌ بريــّةُ الملامح ؛ إنـها فينوس التي ولدِتْ مـن رحـمِ الأمواجِ))(30)، (أخيراً أكملَ المريخُ سطوته فوقَ أسد بابلَ الذي بدا بدكنة الأسمنتِ ، دخـل المشتري فــي برجِ العذراء، غيظٌ اصفرٌ باردٌ يقطر من جبينِ عتودة ، لوّحَ بيديهِ المليئتين بالخواتمِ والأساور معلناً قبولهُ التحدي)(31)، (عتودة ينظر مبتسماً لعضوِه مثلَ تمثالِ الحريةِ يتبسم بغطرسةٍ ظاهرةٍ ، دفعني بكراهيةٍ بعيـداً عنه تسبب بسقوطي على كشحي ، نهض كثورٍ ، كان جسدهُ مدهوناً بالمسكِ لا يخترقه الضوءُ)(32)، (أسد بابلَ صار بلون الكرافيك في حمرةِ الأصيل ، زحفَ ضوء الأصيل على ركبتيه حتى مشارف أصابع قدميهــا، امتطاهمــا مقبــلاً ، تمـادى ملتفاً مقبلاً متسلقاً حول بطتي ساقيها، إلتصقَ بفخذيها زاحفاً متشمماً حتى وصل عتبة فينوسِها)(33)
يلاحظ مما تقدم كيف صور لنا السارد المكان المعادي وكيف نقلت لنا كل شخصية ما عانته في ذلك المكان ، ومن هذا التصوير يلاحظ مدى معاداة هذا المكان للشخصيات ، الذي زرع في نفوسهم الرعب ولم يشعروا براحة فيه !
وللثنائية المكانية ( الاليف / المعادي ) اهميتها الكبرى في الاعمال السردية وذلك عبر طريق ثالث ينتمي تارة لطرف الثنائية الاليف وتارة لطرفها المعادي في المجموعة ذاتها في بعض الاحيان ، ان هذا الطريق الثالث هو الوطن – العراق – الناصرية – فالشخصيات السردية في العديد من القصص التي تتعامل مع هذا الوطن تعاملا ازدواجيا يعكس حيرة الانسان العراقي وأمنه مما ألم بهذا الوطن العزيز من انكسارات ودمار انعكس على حياه العراقيين فالانسان في طبيعته يميل الى الاستقرار والأمن والسلام ، الامر الذي افتقده العراقيون خلال هذه الفترة في بلادهم فنشأ ذلك الصراع النفسي بين الحب الغريزي للوطن والارتباط الفطري بينه وبين الرغبة في الهرب من السياسة الضاغطة واحوال المعيشة السيئة والسعي وراء حياة امنة حتى لو كانت بعيدة عنه.
ويتضح مما تقدم ان ( الناصرية ) تمثل طرفا للثنائية المكانية ( الاليف / المعادي ) فهي المكان المحب المبعث للأمان والراحة في نفوس الشخصيات لطالما احبت الشخصيات بغداد ورأت فيها الامان لكن سرعان ما تغير ذلك بحكم الظروف فما حدث ويحدث فيها وما قاسته الشخصيات فيها جعلها مكانا معاديا وهكذا تكون تارة تكون مكانا اليفاً وتارة اخرى مكان معاديا وبهذا المعنى ، او هذه الكيفية، فان هناك ارتباطا وثيقا بين المكان وبين الحدث، وقد بات جليا عبر النماذج التي وقفنا عندها واستشهدنا بها ان خصوصة الحدث وطبيعته تنعكس على المكان ومنحه هويته الاليفة او المعادية، وهي هوية مؤقتة متغيرة ، وهذا يقودنا الى التأكيد على ان المكان – في صورته المادية – احيانا، هو كيان محايد اي ليس اليفا ولا معاديا، وانما بغيره، اي بالمعطيات الموضوعيه الانية المنبثقة في داخله .

صور المكان الرئيسة، والفرعية ودلالاتها:
لقد حظي المكان كعنصر من عناصر المجموعة القصصية باهتمام القاص علي السباعي، شأنها في ذلك شأن الكثير من كتاب القصة والرواية في العالم، والقارئ لرواية ” بنات الخائبات ” يرى بوضوح المكان كواقع حقيقي، وكبناء فني، وبدرجات متباينة ومتنوعة ، وعلى امتداد مساحة كل المجموعة القصصية يأتي المكان تجسيدًا، وتشخيصًا، وأحيانًا تضمينًا، وقد استأثرث بعض الأمكنة باهتمامها أكثر من غيرها؛ فمثلا: مدينة الناصرية مسقط رأس القاص لها حضور دائم في كل قصصهِ؛ باعتبار أن المكان يرتبط بالإنسان ماضيه وحاضره ومستقبله على نحو وثيق. ومما لا شك فيه أن هناك علاقة واضحة بين الاهتمام بالمكان كحيز، وبين السلطة التي تحاول دائمًا الاستيلاء على هذا المكان، وأبعد من ذلك تدمير المكان وطرد أهلهِ منه وتهميش مبدعيهِ، وبصوره أدق عندما يعني المكان (الوطن).
فجاءت كثافة صورها المكانية داعمة لمحوري القصتين ، قصة : (( فرائس بثياب الفرح )) ، وقصة (( سيوف خشبية )) ، وهذه الصور لعبت دوراً كبيراً في هارموني بنية القصتين وإيقاعهما القصصي والصوري . إذ شكلت المشاهد الرئيسة فيها التي وظفها القاص علي السباعي بطرق متعددة حيث شكلها تشكيلاً أخاذا ، وبناها بناءً متراصاً معطياً لها من خلال الصورة القصصية عدة مدلولات مكانية من السهل اختزالها والوصول إليها بيسر.
يشكّل المكان في السرد القصصي المادة الجوهرية للسرد، وأي إقصاء له إّنما هو إلغاء لهوية من هويات هذا السرد، وحضور المكان ليس بوصفه إطاراً تدور فيه الأحداث والوقائع بل كوعي عميق بالكتابة جمالياً وتكوينيا، المكان كشكل ومعنى، المكان كذاكرة ووجود، كسؤال إشكالي مرتبط بوعينا الاجتماعي والّثقافي وبنسيجنا الإيديولوجي والمعرفي.
كان للمكان الذي يعيش فيه القاص العراقي علي السباعي الأثر الواضح والكبير على بنائهما الذي يميل للدراما القصصية المعززة بالوصف والشواهد التاريخية وآليات المكان التي كانت تشتغل وفق ما أراده السارد ووظفه بنجاح لافت ، وكان للشخصيات الأثر الأبرز فيها من خلال الوقائع والأحداث التي مالت للقصصية الشعرية.
وتظل رؤية السباعي، وجدلهِ مع واقعهِ تمتد، وتمتد، وتتصاعد حتى تطمئن إلى تلة عالية تّمكنهُ من وضوح الرؤية وامتدادها ، ورغم انشغالهِ بقضايا المرأة العراقية، إلا أنهُ اهتمَ كثيراً بجماليات المكان، وأنواعه، ودلالاته وصفًا، وتشخيصًا وكجزء من البناء الفني لقصصهِ، وإذا كان جل قصصهِ تصور أحداثًا واقعية فإن سيرتهُ الذاتية، وأفكارهُ تظهر بوضوح على لسان المرأة البطل كما في المجموعة القصصية “بنات الخائبات “. إن القاص علي السباعي سار على خطى المنهج الواقعي في التعريف بالمكان وصفاً وجمالاً ويمكن القول: انطلق القاص إذن من أعمال الواقعيين الذين أولوا الواقع الاجتماعي الدرجة الأولى من الأهمية، كما يمكن إدراج قصص السباعي ضمن قصص الاحتجاج ضد السلطة الجائرة الفاسدة التي تغتصب الأرض من أهلها وتمتهن النساء في جميع القضايا الحساسة، وتطمس الحقائق، وتغير المعالم، وتدمر الأمكنة الأصلية، ويقيم مكانها أمكنة مرفوضة .
فطوال سرد قصتي بنات الخائبات :- فرائس بثياب الفرح وسيوف خشبية . كانت المعركة مستمرة بين النور والظلام ومن المؤسف أن الظلام كان هو المنتصر دوما في نهاياتها المرة ، وكيف لا ينتصر الظلام ونحن نعيش وسط الظلام أنفسنا . لكن ! التشبث بالنور كان موجودا ينبثق من رحم السطور وإيمان علي السباعي بالإنسان المغير ، الإنسان الخلاق الذي لديه القدرة على التغيير ، القدرة على الثورة بوجه الظلم والظلام .
إن اهتمامنا كان منصبا منذ البداية على المكان في القصة القصيرة.
وقد اطلعنا على مجموعات كثيرة في مثل هذا الموضوع، كـ بصرياثا لـمحمد خضير وموسيقى صوفية لـ لطيفة الدليمي و أقصى الحديقة لميسلون هادي وغرفة مضاءة لفاطمة لـمحمد حياوي وحكايات الرمل لعالية طالب.
وقد سبق لدارسين وباحثين أن تناولوا هذه المجموعات بشيء من الإيجاز أو الّتفصيل، إلا أّننا عندما قرأنا المجموعة القصصية (بنات الخائبات لعلي السباعي(*)) وجدنا ما نبحث عنه خاصة أّنها لم تحظ بمتابعة موضوعية وجدية.
ويمكن لأنموذج السباعي أن يسعفنا بخصوص دراسة دلالة المكان كموضوع
وكإشكال مركزي، تبلور جدلية الربط بين المعرفي والتاريخي والإيديولوجي والسياسي، وفقًا لما تحمله هذه المجموعة من أماكن متفرقة ومتنوعة أخذت فيها نصيبا مهما .
الأمر الذي جعلنا نطرح الأسئلة التي نراها في غاية الأهمية بخصوص هذه المدونة: هل هناك وعي بحضور المكان، بوظائفه وأدواره ودلالاته ؟ بمعنى هل هناك وعي لدى علي السباعي بما يطرحه المكان من إشكالات سردية في مجموعته ؟ وهل كلّ حضور للمكان في القصة بالضرورة حضور لنسيج من الدلالات ؟ هل تبدو الأمكنة لدى علي السباعي كأمكنة حقيقية واقعية، أم أنّها مجرد حطام مكان ؟ هل ثمة من صلات لهذه الأمكنة القصصية بمستوى الوعي بالمكان الوجودي والرمزي العراقي وطبيعته.
باختصار لماذا تتموضع أحداث قصص السباعي في مكان بدل آخر ؟
ولماذا يخلق السارد جوا منسجما أو يفسح المجال الرحب للشخوص ؟
أسئلة كثيرة تستوقفنا، ونحن إّنما نسعى للكشف عن دلالة المكان ورمزيته في المجموعة القصصية بنات الخائبات.
إن علي السباعي من خلال بناتهِ الخائبات الموؤدات استنصاره الواضح للمرأة التي وقع عليها الحيف قبال الرجل لا بل أكثر وتقنيتهُ السردية هي استعادة المكان الذي أراد شبح الحرب تدميره، وأرادت قوانين الانظمة الجائرة التي توالت على حكم العراق استلابه. وقد انعكس ذلك على القصص كّلها فصنعت بناتا صارخات، متمكنات بين قطبين هما السلطة والمكان.
كانت المجموعة القصصية (( بنات الخائبات )) ذاتية عبر من خلالها السارد السومري علي السباعي عن ذاته في كثير من مواضعها . لكن . ذاتيتها عالجت فيها الكثير مما دار في المكان الذي يعيشه ، مدينة الناصرية ، مصغراً عن العراق الكبير ،حيث تناول هموم العراقيين والناس من حوله ، وقد برع في توظيف أحداث مهمة عصفت بالعراق .
والمعنى الدلالي أن حب القاص لمدينتهِ ناصرية ونهر الفرات والحبوبي، والمتلقي المتسرِّع يظن أن السارد يعشق فتاة اسمها “ناصرية” بسبب افتتاحية القصة بالحب والعشق، وتردد اسم ” أكبر عاشق في الناصريّةِ ” في ثنايا المجموعة في أكثر من مرة، ومما يجعلنا نحسن التأويل ما جاء في افتتاحية المجموعة القصصية بالتغني بمحبوبة القاص.
التي اقترن التغني بها بمجموعتهِ بنات الخائبات، وتهميش مدينة الناصرية، والحب لا يقترن بنكسات ولا بخيبات ولا بضياع مدينة، ولنستمع لافتتاحية المجموعة القصصية والتي تتحدث في ظاهرها عن عشق السارد لمدينة عريقة تعشق كل ذرة تراب فيه:
((لأن العالمَ أصـبحَ صغيراً علـى الطغاةِ ، حسِبتُ نفسيّ فـي سنيّ مراهقتي اكبر عاشق في الناصريّةِ فأطلتُ لحيتي وشاربي على طريقةِ بيكاسـي * .. لـو لا تنغيصاتُ حبيبتي التي كلما ضجـرتْ منّي عيرتني برســول الحبِ ** .. ويدي في يدِها تمنيتُ لو كنتُ أنا مَنْ ضربَ أنظمةِ الكمبيوترِ بفيروس الحبِ بعبارةِ : ( أحُبك )…))(34)
الحبيبة هنا هي المدينة، هي الناصرية، هي أرض الحضارة بلاد سومر، فلقد نجح القاص علي السباعي رغم اتكائه على مرحلة تاريخية من مراحل تاريخ هذه المدينة وتقديم الأبعاد النفسية والاجتماعية للبيئة المكانية بعيداً عن أسلوب التاريخ، حيث لا تعني المجموعة بتقديم التاريخ المجرد للقارئ. “لأن وثائق التاريخ كفيلة بهذه المهمة، وإنما تكمن قيمتها في براعة الكاتب في استغلال الحدث التاريخي واعتماده إطاراً ينطلق فيه لمعالجة قضية حية من قضايا مجتمعه الراهن “.
ففي المجموعة القصصية (بنات الخائبات) نرى أن الشخصيات الرئيسة كالسارد ووالده والحبوبي وأصدقائه، تبرز كلها في الافتتاحيّة راغبة في الخروج من أسر المرحلة السابقة إلى رحاب مرحلة جديدة. يريدون الخرج من هول النكسة والاحتلال والعودة للناصرية المدينة الوطن والوقوف بثبات وشموخ، ويريدون الخروج من الفقر والعوز إلى الغنى وتحمّل شظف العيش، والخروج من الجهل إلى العلم، حتى “بنت الخائبة” تريد أن تخرج من بيت زوج يمتهن كرامتها ولا يراعي مشاعرها إلى رحاب أوسع تُحترم فيها الإنسانية والمشاعر.
ظهرت ومن خلال قراءة متأنية لبنات الخائبات عدة أمكنة كان يطرحها السارد على شكل مدن حية وأخرى منقرضة وأحيانا يرسمها مشاهد صورية علنا نستخرج منها تساؤلاته الغريبة الممتدة على طول جسد بنات الخائبات الباذخ والطازج والشهي ، وإن كانت ستلحظ بأنه قد أجاب عليها بين ثنايا هضاب بناته الخائبات ، ستلحظ الإجابات تميل للغموض أيضا مما تدعونا مرة أخرى للوقوف عليها وكان أهم التساؤلات التي تركها والتي كان مصدرها الرئيسي هو ( الدكتاتورية ) ، وأنت تقرأ توقن أن كل ما كتبه علي السباعي كان الظلم المؤثر الكبير في ولادة قصصه ، وإن ظهرت وتجلت مؤثرات أخرى لنا ستعود أيضا للمصدر الرئيسي لها وهو الظلم والجور اللذان أنتجتهما دكتاتورية العسكر التي حكمت العراق ، وأورد بعض الأسئلة التي دعتنا للوقوف عليها بدقة:-
أ‌- ركز كثيرا ووقف على الظلم والجور. . .

ب‌- ستلاحظ في بنات الخائبات عموماً تجسيده للمرأة المظلومة التي وقع عليها الحيف وبشكل غريب وعجيب ، وهذا يعود لسببين رئيسين الأول أن البيئة المحيطة القاسية التي عاشها وعايشها علي السباعي كان لها التأثير الواضح في كتابته الدائمة عن المرأة وانتصاره لها حيث لم يكن السباعي بعيدا عن مجريات الأحداث التي عصفت بالعراق من حروب وحصارات وإحتلالات أثرت بالدرجة على المرأة حسب ما ذهب إليه السباعي علي في جميع قصصه ، وقد أظهرت لنا قصصه ما ذهبنا إليه ، والسبب الثاني من خلال قراءتنا لمنجز السباعي القصصي أنّه آمن بالإنسان عموماً والمرأة خصوصاً ، وهذا ما جعله يذكرها في مواطن كثيرة من قصصه .

ج- حساسية القاص علي السباعي المفرطة ، وشعوره بمعاناة الآخرين ، وحبه للخير ، وسعيه الدائم للسلام ، وتمرده على الحروب وكأنه يريد أن يبعث رسالة للناس من خلال كل قصصه التي أبدعها أن لا شيء يعنيه سوى السلام خاصة بعد أن اكتوى بنيران الحروب صغيراً ثم فتى يافعاً ثم شاباً ، وهذا بحد ذاته ولد في داخله الأثر البالغ بعد الدمارات التي أحدثتها :- الحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت والحصار.

د- الإحساس المرهف عند علي السباعي الإنسان ، وحلمه الدائم بيوتوبيا بعيدة المنال والشعور بالمسؤولية اتجاه ما يحيط به كان من الأسباب الرئيسة والمهمة في ولادة نصي بنات الخائبات وباقي قصصه ، ويمكن عده من النقاط والمرتكزات الأساسية لولادتها.

(( ذلك أن المكان لا يتضح في القصة القصيرة إلاّ مكثفا ، بحكم أن فنية القصة القصيرة تتطلب ، الايحاء والتركيز والشد إلى المفاصل المهمة من العلاقة بين فنية القصة وتاريخية المكان ))(35)
ومن الأمكنة التي تظهر في المجموعة وأغلبها اماكن مهمة في الناصرية القدس وأزقتها وشوارعها ومبانيها ومقدساتها، ويتسع الفضاء المكاني وينتشر ليبلغ أغلب أماكن العالم وأقاصيه، فظهر في بنات الخائبات الأماكن التالية:
المدينة الناصرية، المدرسة، أبي الهول، العلم، نهر الفرات، سفينة نوح، التل، شوارعها الترابية، دكاكينها، المهد، رحم الأمواج، الماء، المحاق، الجوامع، المساجد، ساحة رفع العلم، طاولة المفاوضات، على ديوانهِ الباذخ كأنهن حبيبات لوحةِ، أقصى اليمين، ديوانَه الفخمَ الذي يتوسطه أسدُ بابلَ، البحر، طروادة، خرم الإبرة، تمثال الحرية، أسد بابل، أنكلترا، النمسا، باريس، الشيشان، البلقان، أفريقيا، أفغانستان، النيبال، الساحات، المذياع، أعمدة الكهرباء…والطبيعة بتعدد عنوانيها مثل : ( الفرات ، . . . ) كانت من الأدوات والمحركات الرئيسة في بنية القصتين حيث جسدهما بحرفةٍ عاليةٍ لتظهر من خلالها جماليات المكان ، وكانت مصدراً للتساؤلات التي أراد أن يزجها القاص في بنيتي القصتين .
فكانت الوحدة الموضوعية لكل قصة من قصتي بنات الخائبات رصينة جدا لم تخرج الذات الساردة عنها مطلقا ، وهنا تظهر لنا جليا براعة القاص العراقي المبدع علي السباعي ، وهذا يعني أن الانفعال مع بنات الخائبات كان ممتدا من أولها لآخرها بغض النظر عن الزمن الذي استغرقته هذه المجموعة القصصية في كتابتها مما يؤكد للدارس أن مجموعة بنات الخائبات كانت عبئا ثقيلا على القاص وشغله الشاغل لحين ما انتهى منها وهذا يدل على إيمانه بها والإيمان بها يدل على صدق رسالته وأحاسيسه مما دعاه لأن يفرز أسئلته فيها وكأنه أراد أن يظهر مكنونات الحيرة والتمرد النفسي على ما دار حوله وعلى القدر وحتى على الحكم الإلهي المقدر له بل والمقدر لغيره ممن تناولهم في هذه الملحمة.
لقد أسهمت أشياء المكان في رسم أبعاده، وتصوير الحالة النفسية لأصحابه، وإبراز الدور المكاني في القصيدة من خلال توزيع تلك الأشياء في المكان، وكذلك من خلال دلالات استخدامات الأشياء ووظائفها، فقد ذكر القاص السباعي منها ما يغني عن غيرها من أشياء ومحتويات المكان الكثيرة، وما يبين الدور الوظيفي لتلك الأشياء، فاختار ــ من بين ما اختار ــ «المذياع»، والمذياع هو وسيلة الانفتاح على العالم الخارجي، ومصدر معرفة الأخبار، ومتابعة الأحداث، ليبين ليس فقط حرص السلطة الظالمة على منع نقل الأخبار الداخلية إلى الخارج فحسب، بل ومنع معرفة من بالداخل لما يدور في العالم من حولهم..
وللمكان بعد نفسي داخل النص, إلى جانب وظائفه الفنية وأبعاده الاجتماعية والتاريخية والأيدلوجية التي ترتبط بالمكان ولا تفارقه, فالتركيز على المكان من الاستراتيجيات النصية المهمة التي تلجأ إليها الكتابات الجديدة، فمدينة الناصرية في قصص علي السباعي. لم يعد المكان ممثلاً للإطار الذي تجري فيه الأحداث وتتصارع فيه الشخصيات, بل إنه قد يكتسب سمات الشخصية الحية, إذ يتم تحديد أدوار الشخصيات القصصية او السردية وفق عمق ارتباطها بالمكان, مما يدفع السارد إلى إضفاء صفات خيالية على خصائص المكان الفعلية, وبناء المكان في النص .. يتم على أساس التخيل المحض, إلا أنه لا يمكن أن يكتسب ملامحه وأهميته بل وديمومته إذا لم يتماثل بطريقة أو بأخرى مع العالم الحقيقي خارج النص, فهو يوصل الإحساس بمغزى الحياة ويضاعف التأكيد على تواصلها وامتداداتها (36) .
والبعد المكاني لبنات الخائبات ممتد وواسع الفضاء كان مصدره خيال واسع وفضاء طويل متسلح بالمعرفة مما ولد ترابط وثيق مع محور المجموعة القصصية بنات الخائبات حيث جسده السارد من خلال الأمكنة التي وظفها في جسد المجموعة معززا إياها بكثافة الصور المكانية ” الصورة القصصية ” المراد منها الغرض المنشود لكنها وفي أحيان لم تخلُ من الضبابية، وهذه الضبابية من جماليات بنات الخائبات التي أظهرت إبداع السارد العراقي الماهر علي السباعي لنا إذا ما غصنا فيها مليا وبتمعن.
استأثر المكان بمفهومه الفينومولوجي بأهتمام القصاصيين والروائيين العراقيين بعد التحول في البنية الاجتماسياسية العراقية في نيسان /2003 فظهرت الى الوجود الأدبي جملة من الروايات التي كان موضوعها الأساس هو المدن العراقية وكيف تشكلت ديموغرافيا واجتماعيا وتأريخيا ، ومن الممكن ملاحظة ذلك من خلال الروايات التي صدرت من شمال الوطن الى جنوبه حتى صار لكل مدينة عراقية مروياتها الراكزة في المخيال الجمعي الذي اكسب هذه المدن/ الامكنة خصوصيتها . كل ذلك جرى بتخط للمفهوم الجغرافي والفيزيقي للمكان الى المفهوم الفلسفي الذي يسبر غور الظاهرة المكانية ليكشف عن المسكوت عنه وغير المرئي في كيفية تشكل وتأسيس هذه المدن ارتباطا بالفعالية البشرية الخاصة بهذه المدينة او تلك ..وحقا فقد استطاعت الرواية والقصة العراقية من تأكيد وترسيخ هذا النمط السردي الذي عرف بسرديات السير مكانية .
والمكان كمدخل لدراسة عمل سردي ينطوي على مغامرة كبيرة، لان المكان يتخلق مع هذه الأعمال، ويتشكل في فضاءاتها ، ولأن المكان أهم ما ينتظم العناصر الإبداعية، ويشكل منظما لا يمكن الابتعاد عن تأثيره، سيما في عمل سردي ، فالزمان والشخصيات والسمات النفسية لها ، كل هذه لا تتجلي ولا تتحرك إلا داخل المكان، والقصة نص مكاني وهو مدخل استراتيجي للتعامل مع النصوص، والبحث في الدلالات المعمقة للحضور المكاني يحيلنا إلي أهمية البحث عن شعرية المكان ، لأن الأمكنة ليست متشابهة ، بل متمايزة فيما بينها وتتغير ، وتتغير معها هويتها ، وتتغير سيرة الشخوص فيها ، وتتفاوت سطوة المكان على الإنسان تفاوتا كميا ونوعيا، ومن هنا اكتسبت الأماكن في علاقاتها خصوصية تشكلت ، حتى صارت تلك الآثار جزءا من الوعي العام للإنسان في ذلك المكان، بهذه الطروحات يقودنا القاص السباعي إلى البحث عن أثر المكان والمدينة في المجموعة القصصية(بنات الخائبات) لأن المجموعة كما يرى بحكم طبيعتها الفنية هي المرشحة للكشف عن أبعاد العلاقة بين الإنسان و المدينة والناس وعلاقتها بالسلطة المهيمنة الظالمة المستبيحة لكل شي ، وتجلياتها في الوعي الإنساني والإبداع الأدبي.
وللسارد سبل شتى في تشييد الفضاء أو المكان القصصي، منها: الوصف، استخدام الصورة الفنية، توظيف الرموز، ولكل منها دوره الفعال في النص السردي والسباعي هنا يروي حكايات جده الثالث علي السباعي لصديقه ناصر باشا الأشقر ماجرى لهُ، فسمى الأخير مدينتهُ بأسم أنثوي، أسمٍ أسمرُ نكهته جنوبية، أنه: الألم، أنه: ناصرية.(37)
فالقاص حين يلجأ إلى الوصف، يبذل قصارى جهده للبرهنة على قدرته أن يجعلنا نرى الأشياء أكثر وضوحاً. ذلك أن الوصف هو: ” ذكر الشيء كما فيه من الأحوال والهيئات ، أي ذكر الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي. فالوصف يقدم الأشياء للعين في صور أمينة تحرص على نقل المنظور الخارجي أدق النقل.
ولما كان الوصف ” يلائم الأشياء التي توجد بدون حركة، فإنه يختص بتمثيل الأشياء في سكونها فنجد السباعي دقيق في توظيف المكان بشكل متفرد فنرى المرأة هي ناصرية الانثى والناصرية هي المدينة البلاد.
ويستمر السارد بتنوع المكانات تنوعا مختلفاً متحركاً وثابت وكذلك استدعاءاته لكثير من الامكنة ودلالاتها الواعية كما لاحظنا ذلك في:
… كانتْ حلوى أمــي المفضلــة حبــوب البراسيتــول كونها تشكو دائما مــن ألمٍ متقطــعٍ فـي رأسِها، كان صداعُ رأسها لا ينتهي ألمــه مــثلُ القضيةِ الفلسطينيةِ دائماً مطروحة علـى طاولةِ المفاوضاتِ. مصـادفةً. أحطتُ رأسَهــا بيديِّ ، زعقتْ وكأن تياراً كهربائياً قد مســّها ، بهدوءٍ نمــوذجي قربـتُ يــديّ مـن رأسهــا ، شعــرتْ بحــرارةٍ تـشعهــا يــداي، حـرارةٍ عميقــةٍ واخزةٍ ، أحســستُ بانخفاضٍ بسـيطٍ في طاقةِ يديَّ، وكــأن تفريغــاً كـهــرومـعنـاطيسيــاً حـدث بيــن يديَّ ورأسها ، وبعدها لــم يعاودهـا الألم بتاتاً ، مــن يومها أصبحتُ مُداويــاً. باراسـايكولوجياً. ميداســاً، الملك ميداس، كنـتُ مثلهُ كلما مسـّتْ أصابعُه شيئاً صيّرتـْهُ ذهباً، كنتُ ميداســاً أُشفـــي المرضى ، جاءنـي جديَّ الأول يّـشكــو مــن ألــمٍ مــزمنٍ فـــي وركهِ الأيمنِ عجــزتْ كـــلُ معالجـــاتِ الأطبـــاء عن سبرِ غورِ مصدرهِ ، وضعتُ يدي لمـدةِ خمسِ دقائق شعر معها جدّي بحرارةٍ نافذةٍ ناغرةٍ في الأنسجةِ الداخليةِ لوركهِ منها هجرهُ الألم نهائياً(38).
إذ إنه ” يرسم صورة بصرية تجعل إدراك المكان بواسطة اللغة ممكناً ” (39) ، جاعلاً من الوصف أداة لتصوير المكان وبيان جزئياته وأبعاده. وهو بتوظيفه عناصر المكان المحسوسة لتشكيل مكانه المتخيل، إنما ” يُدخل العالم الخارجي بتفاصيله الصغيرة في عالم الرواية التخييلي ويُشعر القارئ أنه يعيش في عالم الواقع لا عالم الخيال، ويخلق انطباعاً بالحقيقة أو تأثيراً مباشراً بالواقع(40).
فعمد السباعي في مجموعته الرابعة ”بنات الخائبات” إلى الاشتغال على المكان بدقة و حذر شديد ، لأن أحداث الرواية تدور في جغرافيا محددة ومعروفة وهي منطقة الحبوبي والناصرية خصوصا وباقي ازقة المدينة عموما، لذلك كان حديثه عن الأمكنة نقلا جغرافيا دقيقا بلمسات فنية تتخلل هذا التصوير، لأن السباعي عرف في كتاباته دوما بوفائه للأمكنة وبمحاولاته الكثيرة في نقل عوالم الناصرية المدينة والناصرية المرأة بأمانة إلى الآخر وكأنه دليل سياحي بحميّة فنية كبيرة، ولم يهمل للحظة مرجعيات المكان ومحمولاته العاطفية والتاريخية التي يسيجها وتسيجه، انطلاقا من البيت كمكون جغرافي حميم إلى عكد الهوى قديماً وشارع الحبوبي حاليا فالمدينة عموما، بعيدا عن أي قراءة ضيقة للمكان من حيث الانفتاح والانغلاق، فقد تعاملنا مع امكنة الرواية من حيث محمولاتها ومدلولاتها وجمالياتها وفلسفتها. وكثيرا ما يستثمر المبدع/ السارد في هذه الماهية /المزيّة ، حتّى جعل بعضُهم المكان المحورَ/ الرئيسَ الذي يرتكز عليه النّص؛ و ذلك لأنّ رهان النّاص مبنيّ على جذب انتباه القارئ /المتلقي ، و أنّ مثل هذا الرهان يتكئ على معطيات نفسيّة وجدانية، و إنّ للمان قدرة على تحقيق هذا الانجذاب و الإبهار و الدهشة من خلال تعالقه بكل عناصر الحكي: أمكنة ،أحداثا، شخصيات، كما يتمتع المكان بفاعلية كبيرة في تقديم الجو النفسي لفهم ظروف القصة وأبعاد شخصياتها، فقد نعثر على المكان متضمَّنا في كلّ أجزاء القصّة و جمالياتها من العنوان إلى آخر نقطة في النص ، حيث تتحرّك الشخصيات في حيّز مكاني متأرجحةً بين ماض، حاضر و مستقبل .
ويخلق القاص أمكنة متعددة تعكس موقف الشخصيات ويكشف عن قدرته الإبداعية بتحويله هذه الأمكنة إلى أمكنة ملموسة تشكّل المكونات المكانية التي تمثل عنصر الضغط المكاني وثقله لأن “جماليات المكان ليس بالأشياء ذات الطبيعة الكتلية، وإنما بما. يصدره من روائح وأصوات دالة على حياة كائناته”(41)
ويختار القاص، المكان سواء أكان مغلقاً أم مفتوحاً أم أليفاً، يضفي عليه “بعض المكونات المكانية صياغة جمالية للوصول إلى غاياته المحددة ويترك حرية إنشاء المكونات الأخرى لمساحة المكان وفضائه وخيال المتلقي، وعن طريق السرد يغذي القاص خيال المتلقي”(42)، حين يصور حركة الشخوص ضمن المكان، لأن الشخوص يتحركون دائماً في مكان ما “ولهذا المكان بعض المكونات، وتنظيمها يأخذ من تنظيم العناصر المحسوسة والمستمدة من ( الطبيعة مثل: الأصوات، الألوان والأفكار والأشكال”
يشير القاص في قصة “فرائس بثياب الفرح” إلى سطوة المكان ويدفع المتلقي لتصور مدى ثقل وضغطه، حيث تشكّل العناصر المكانية عنصر ضغط مكاني. يقول السارد: ما كنتُ يوماً قاطعَ طريق ِ لكثرة تعثري بظلـي، فتمنيتُ لـو كُنت طارقَ بَــن زياد لأحرَقتُ نفسي بدل إحـراق ِ سفنـي لأننــي لــم أكــن صانعَ هـــذا العالـم(43)، وما كنتُ كاسراً للصمتِ الدولي لأنني أنفقتُ عمري كلـه أعيشُ مثـل أبـي الهول ، وكــم تمنيتُ أن أكـونَ ساعــاتَ ضعفي مثلَ اوغستو بينوشيت حتـى اقتصَ من كلّ الصبيةِ الذين ضربوني في المدرسةِ (44) ويستخدم المكونات المكانية سواء أكانت ملموسة أم متخيلة ليعبر عن رؤية الشخصيات للمكان المحيط بها ومن البديهي أن هذه المكونات تستدعي بعضها البعض، تضفي قدرتها للتأثير على مجرى الحدث، يقول القاص في قصة ” فرائس بثياب الفرح ” : إلـى متى تبقى الصخرة جاثمة عليكَ ؟ . رغبـتُ ساعتها لو كنــتُ تانتالوس فأزيح الصخرة َ وأرميها بعيداً عنا نحـــن أبناء الخائباتِ ، صــرفتُ النظرَ عن كونــي ّ تانتالوس لأننــي عربيٌ فــي طورِ التسويةِ لا أستطيــع العيشَ من غيرها كنـتُ سيزيفَ العربِ سعيداً جاداً فـي حمل ِ صخرتي صعوداً وهبوطاً ذهاباً وأياباً كــان ذلك هـــو الشـــرطَ الأساسي للتســويَةِ(45)، ويقول عن عن جدهِ الثالث وعلاقته الحميمة لناصر باشا الأشقر ناصر باشا الاشقر: هو أحد شيوخ آل سعدون ، أشرف على بناء مدينة الناصرية في سنة 1869 التي أمر ببنائها مدحت باشا وكان أول حاكم لها.(( منـذ ُ نعومةِ أظفاري تمنيتُ لـو كنتُ مثِلَ جدي الثالث علي السباعي الذي كانَ صديقاً حميماً لــ: ناصر باشا الأشقــر .. الــذي وَسَــمَ مدينتهَ التـي شيدَها آنذاك أعجاباً منــهُ لحادثةٍ جرتْ لجــديّ الـذي كـان يعملُ غواصاً ينتشلُ الغرقى والبضائعَ الساقطةَ مـن السفنِ التي تجوبُ نهر الفراتِ يوم كان بحراً واسعاً والمنفذَ الوحيـد لنقــلِ البضائعَ فتقــع الكثيـرُ مــن الحوادثِ ، أخبرني بذلك جـديّ الأولُ والذي سُمِـيَ بنفــسِ أسـم جديّ الثالث ، كـان جــديّ الأولُ حكّاءاً رديئاً ، وهذا ما وَرِثْتهُ منه: ألحكي فالقطُ قـد خرجَ من ظهرِ الأسد علــى سفينةِ نوحٍ، روى لــيّ: ((غاصَ جدُك الثالثُ يــومَ كسـوفٍ كلّي حصـلَ لِلشّمسِ، يومٌ رصاصيٌ ناشــــفٌ، متعــادلٌ، وكـــأنّ المـناخ أمـسـكَ عصـــا الطقس من منتصفها، يومٌ كـثرَ فيــه صــياحُ الديكةِ طوالَ فـترةِ الكسوفِ خالفَ كــل التــنبؤآت ما حصـل ذلـك الأربعاء الحادي عشـرَ مـن أغسطـس/ آب مـن العـامِ التاسعِ والتسعين بعـد الألف والتسعمائة . لـم يكـنْ بـارداً كـان فاتراً ناعماً متقطراً لـم تهبْ فيــه أيّـةُ رياحٍ عاصفـةٍ كـان ناشفاً لـم تتوفَ فيـــه أيّـةُ شخصيةٍ مهمــةٍ سوى وفاة المجنون كاظـم الحلـو الحباب وبيده قطعــةُ ورقٍ مقوى كُتبَ عليهـا: إلى متى يبقى كاظــمُ الحــلوُ الحبابُ على التـلِ؟))(46)، يجري القاص أحداثه في أمكنة مختلفة ليكسب (كاظم الحلو الحباب) حرية الانتقال فيها، يعبر عن أحاسيسه وأفكاره المختلفة ضمن هذه الأمكنة كالمدينة. لـم يكـنْ بـارداً كـان فاتراً ناعماً متقطراً لـم تهبْ فيــه أيّـةُ رياحٍ عاصفـةٍ كـان ناشفاً لـم تتوفَ فيـــه أيّـةُ شخصيةٍ مهمــةٍ سوى وفاة المجنون كاظـم الحلـو الحباب وبيده قطعــةُ ورقٍ مقوى كُتبَ عليهـا: إلى متى يبقى كاظــمُ الحــلوُ الحبابُ على التـلِ؟(47)
ويمكن أن نطلق على المكان القصصي لدى علي السباعي المكان المقارب بالواقع أي ذلك المكان الذي له وجود فعلي سواء بقي على ما هو عليه أم ثبتت واقعيته في الذاكرة بعد معايشته على أرض الواقع الذي كان له تأثير كبير في التكوين الشخصي.
والواقعية التي يقدمها القاص تقترب من الواقع المفروض وتكشف الواقع وتحاول صياغته ليس كما هو في الواقع الخارجي وإنما كما هو مترسخ في ذهن المؤلف متلوناً بالحالة الشعورية التي أحسها المؤلف أثناء كتابته، محرراً الواقع بوساطة الخيال من صفته الحقيقية، مسقطاً إياه على عالم القصة. أي أن المكان في النص القصصي ليس مكاناً جغرافياً صرفاً وإّنما هو مكان واقعي في الأدب وذلك لأن المادة القصصية يفترض أن تكون حقيقية وأصيلة.

الخاتمة
للمكان دور رئيس في المجموعة القصصية (بنات الخائبات)، فقد اعتنى علي السباعي بتقديم المكان ووصفه بدقة حتى يمكن القول بكثير من الاطمئنان، ان (بنات الخائبات) هي مجموعة او قصتين مكان بهذا المعنى او ذاك، وبهذا القدر او ذاك، ليس لأن الراوي وظف جزءا كبيرا من سردياته لرصد (التفاصيل) المكانية باصغر دقائقها التي تقرب احيانا من لوحة فوتوغرافية توثق كل ما تلتقط العدسه من مشاهد، وما يعتمل داخلها من فعل وحركة وحدث فقط ، وانما لكونه عمد كذلك الى التنويع في عرض (الاماكن)وتقديمها بشتى الانواع التي اشرنا اليها، اي انه لم ينغلق على رؤية مكانية محددة، وهذا ما نتلمسه عبر التنقل الواضح لشخصياته من مكان الى اخر على طول المدة الزمنية التي استغرقتها احداث المجموعة القصصية.
ويتراوح هذا التنقل على وجه الخصوص بين المكان المعادي والمكان الاليف، مع كثرة الاماكن الواقعية لأن علي السباعي قد اختار في مجموعتهِ الاماكن الواقعية فقط ولم يدخل مكان خياليا وفي هذا انسجام اسلوبي بين المكان وبين ما يدور في ذهن السارد من افكار و رؤى ومضامين يود ايصالها الى المتلقي، ووضعه في الصورة، بمعنى انه اراد ان ينقل لنا مدى واقعية الاحداث في هذه المجموعة، فالمكان عنصر مهم لا يمكن الاستغناء عنه وهو يتعلق بالوصف تعلقا واضحا لكون الوصف يقدم لنا المكان بطريقة رائعة تجعلنا نشعر احيانا او(نحس) – اذا كان القاص متمكنا من حرفته – ان المكان ماثل امامنا بوضوح كما هو عليه ، وكما نراه في الواقع، ونعتقد ان علي السباعي نجح في الاقتراب من (بنات الخائبات – المكان) عندما جسد لنا انواع الامكنة وعلى وجه التحديد (المعادي والاليف) منها ، ومع ذلك يجب ان نلاحظ، سواء عبر(بنات الخائبات) ام عبر غيرها، انه لا يوجد مكان اليف (مطلق) ولا مكان معاد مطلق، لأن المحتوى المكاني كما سبقت الاشارة يلقي ظلاله المؤثرة على المكان ويمنحه هويته الطارئة او المؤقتة، فقد يتغير المكان الاليف الى معاد، والمعادي الى اليف حسب رؤية الشخصية له وقد نجد مكانا اليفا يوحي بالامان وهو معاد للشخصية، وقد يوحي المكان المعادي بالعداء والكره وهو يمثل المكان الآمن للشخصية .

الھوامش
————
(1) یاسین النصیر، اشكالیة المكان في النص الأدبي، دار الشؤون الثقافیة العامة، ط ١.١٥١ : بغداد، ١٩٨٦
(2) خالد حسن حسین، شعریة المكان في الروایة الجدیدة ، الخطاب الروائي لإدوار ).٧٨ : اخراط انموذجاً، مطابع الیمامة، الریاض، ١٩٩١
(3) نجیب العوفي، مقاربة الواقع في القصة القصیرة المغربیة من التأسیس الى التجنیس، .١٤٩ : المركز الثقافي العربي، ط ١، الدار البیضاء، ١٩٨٧
(4) خالد حسن حسین، من المكان الى المكان الروائي، مجلة المعرفة السوریة، العدد.١٧٠ : ٤٤٢ لسنة ٢٠٠٠
(5) النصیر، المصدر السابق: ١٥٩.
(6) جنداري، المصدر السابق، الفضاء الروائي عند جبرا ابراهیم جبرا: ١٢٧.
(7) المكان في الموروث السردي العربي ، ص 17.
(8) المكان في الموروث السردي العربي ، ص 17.
(8) بين باشلار والنصير ص2.
(9) مشكلة المكان الفني ، ص ٨١-82
(10) مدخل الى نظرية القصة ، تحليلا وتطبيقا ، ص ٥٨-59.
(11) الرواية والمكان ، ياسين النصير، ص1- 30
(12) الفضاء الروائي ، ص ٩9
(13) الفضاء الروائي ، ص ٢٠٠.
(14) جماليات المكان ، ص ٤٥
(15) المصدر نفسه ، ص
(16) المعجم الفلسفي، إبراهيم مدكور، مجمع اللغة العربية القاهرة 1983 م، ص 191
(17) جماليات المكان، جاستون باشلارا، ترجمة غالب هلسا، وزارة الثقافة والإعلام،بغداد1980 م، ص 179.
(18) إضاءة النص، اعتدال عثمان، دار الحداثة بيروت، لبنان 1988م،ص 5.
(19) التفسير النفسي للأدب د/عز الدين إسماعيل، الطبعة الرابعة، دار غريب القاهرة 1984 م.
(20) الرواية والمكان، ياسين النصير، وزارة الثقافة والإعلام بغداد 1986 م، ص 16-17.
(21) إشكالية المكان في النص الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، الطبعة الأولى 1986 م ص 8.
(22) في نظرية الرواية، د/عبد المالك مرتاض المجلس الوطني للثقافة والفنون الكويت 1998 م، ص 57.
(23) بحث “جماليات المكان في شعر انتفاضة الأقصى “، د /حماد أبو شاويش، د /ثابث قنيطة، مجلة الآداب والعلوم ،الإنسانية جامعة المنيا العدد التاسع والأربعون، يناير 2004 م.
(24) بنات الخائبات ص7.
(25) بنات الخائبات ص9.
(26) نفس المجموعة ص9.
(27) نفس المجموعة ص10.
(28) نفس المجموعة ص8.
(29) نفس المجموعة ص21.
(30) نفس المجموعة ص9.
(27) البناء الفني في رواية الحرب- دراسة لنظم السرد والبناء في الرواية العراقية المعاصرة، عبد الله إبراهيم، ص12، دار الشؤون الثقافية- بغداد.
(28) نفس المصدر ص10.
(28) نفس المصدر ص11.
(30) نفس المصدر ص21.
(31) بنات الخائبات ص21.
(32) بنات الخائبات ص25.
(33) بنات الخائبات ص25.
(34) بنات الخائبات ص7.
(35) اشكالية المكان في النص الادبي : ياسين النصير ، ص 151.
(36) سمر روحي الفيصل. بناء المكان، مجلة الموقف الأدبي، دمشق، ع306، 1996م، ص13.
(37) بنات الخائبات ص12.
(38) بنات الخائبات ص12.
(39) سيزا قاسم دراز. مرجع سابق، ص82.
(40) خالد حسين: شعرية المكان في الرواية الجديدة، مرجع مذكور، ص ٤١٨.
(41) منصور نعمان نجم الدليمي: المكان في النص المسرحي، مرجع مذكور، ص 65-66.
(42) أميرة حلمي مطر: مقدمة في علم الجمال، القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،1976 ص23.
(43) بنات الخائبات ص7.
(44) بنات الخائبات ص7.
(45) بنات الخائبات ص7.
(46) بنات الخائبات ص8-9.
(47) بنات الخائبات ص9.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *