الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » فؤاد قنديل: نساء وألغام (10)

فؤاد قنديل: نساء وألغام (10)

تبدلت نظرتي لوجودي فى ليبيا، وبعد أن كان الخروج من مصر بغرض التجول فى أوروبا بعد العمل مدة محدودة فى ليبيا، أصبح قدومي الآن من أجل الاستعداد للزواج، وشراء ما يلزم لتأثيث بيت الزوجية، وكان أول  تحول فى هذا الاتجاه هو قبولي الانتقال من شركة الطرق ومهابط الطائرات إلى شركة الفلاح للصناعات الغذائية، وهي مملوكة لعدد من المساهمين، أكبرهم أبو شعالة  رئيس مجلس الإدارة.
 أرسلت عدة رسائل إلى سامية أدعوها لتطلب ما تشاء من أجل العش الذى سيجمعنا، وفى كل مرة كان هناك رد واحد وثابت:
روحى وروح روحى
                   أريد أن أراك الآن . الان وليس الغد ..اشتقت إليك فعلمنى ألا أشتاق ..لوأنى أعرف أن الحب هكذا ما كنت استسلمت له ولقاومت ، فقد شغلت فكرى  وكل كيانى . أصبحت الدنيا جميلة . أصبح كل شىء فى عينى رائع . ذو قيمة وله معنى .أريد أن تمر الأيام بسرعة كى تتلقاك أحضانى  ويهدأ قلبى لكنها تعاندنى وتمر ببطء . كئيبة وموحشة  فتقسو على وتثبط من عزيمتى . لم يكن أمامى إلا أن سجلت شريطا لك أحدثك فيه عنك وعنى ، والغريب أنى بعد أن سجلته طرق بابنا زميلك سامى يقول إنه مسافر إليك ومستعد ليحمل إليك ما نود إرساله . أرأيت كيف يعمل لصالحنا الناس والقدر .. أملى أن تكون فى أتم صحة ولا أظنك ستكون فى أسعد الأحوال بعيدا عنى.. ودمت لى يا أعز وأغلى من رأت عينى .                                                    

فى يوم أرسلت تطلب السعي للحصول على عقد عمل لأخيها مجدي وهو مهندس سيارات فى هيئة النقل العام بالقاهرة.. لم أبذل جهداً يذكر، فمهنته مطلوبة لدي الحكومة والقطاع الخاص. أرسلت له ليحضر بعد أن اتفقت مع ورشة كبيرة لإصلاح السيارات فى طرابلس بالقرب منى فى منطقة “السواني”.
 حجز مجدي فى الطائرة القادمة إلى طرابلس، وذهبت لاستقباله فى المطار. أحب مجدي جدا لطيبته الزائدة وأدبه وحبه للناس جميعاً بلا استثناء.. وصلت الطائرة، وخرج الركاب. المطار صغير ومفتوح. رأيته ولوحت له وأصبحت بيننا أمتار قليلة، لا يفصلنى عنه سوى سور حديدي متنقل.. صف طويل من الركاب.. انتهي تقريباً نصفه من ختم الجوازات.
  وصل مجدي إلى ضابط الجوازات وسلمه جوازه . تهامس الضباط. ثم وقف أحدهم وأعاد الجواز لمجدي، قائلا:
ـ صدرت تعليمات الآن بمنع دخول المصريين إلى ليبيا.
 خرج الضابط وأغلق المكتب.. الحيرة انتشرت كالوباء على وجوه الجميع.. ماذا يعني هذا؟.. الركاب واقفون مفتوحي العيون والأفواه والآذان، بأيديهم الجوازات وبأعماقهم رغبة فى تغيير الأحوال، الصدمة تزلزلهم.. إنهم الآن بين السماء والأرض.. يتساءلون ولا مجيب. مجدي ينظر إلىّ، وأنا ألتقط ضابطا وآخر لأسأل، بعضهم لا يرد والآخرون يقولون:
ـ الدخول ممنوع. أوامر.
 جاء ضابط ووجه حديثه للركاب الممنوعين: عودوا من حيث جئتم.
مجدي مرتبك. أول مرة يغادر مصر. الطائرة التى جاء فيها ستكمل إلى الجزائر. هل سيفترش الركاب الأرض ؟  الشمس توشك على الغروب. لن تسمح السلطات ببقاء أحد فى المطار. أعاود التحدث مع الضباط عن مجدي:
ـ نسيبي متفق مع شركة ليبية.. هم فى حاجة إليه.
  لا أحد يجيبني.
مجدي فى الجهة الأخرى يقدم عقده للضابط. ينظر إلى العقد بلا أي اهتمام.. يبدو عليه عدم فهم اللغة المكتوب بها العقد. يقلبه فى يده ثم يمط شفته ويمضي. يعرضه على آخر، يقلبه فى يده ويتصور لغته هيروغليفية فيمط شفته ويمضي. اقتربت من مجدي واقترب مني.. سألني: ما العمل؟
لم أجد إجابة. ضربت كفا بكف، إلى أن قال:
ـ ليس من حل إلا أن أركب الطائرة إلى الجزائر.
قلت: لا أظنها فكرة جيدة، لكن ما الفكرة الجيدة؟!
عاد يقول وهو منكس الرأس: لا حل.
تشجعت لأساعده على القرار: إذن على بركة الله ولنكن على اتصال.
  مضى الرجل إلى الجزائر، وتركني مغمورا فى الدهشة من أحوال العالم العربي وقياداته. علمت أن السادات ألقي خطبة فهم القذافي من بعض ما جاء فيها مساسا به، فأصدر قراره بمنع المصريين من دخول ليبيا وبدأت الحملات الإعلامية  فى شن هجمات متبادلة.
   اتصل مجدي يقول:  لا أستطيع أن أتحمل تكلفة الفندق طويلاً.. سوف أحاول البحث عن عمل حتى تتصل وتنصح بما يتعين عمله.
زوجى الحبيب
            بعد السلام والتحية  أقول لك ردا على اتهامك بأنى طيرت البرج المتبقى فى عقلك ، بل أنت الذى طيرت كل أبراجى ، لأنى تعودت على حبك أنام وعلى صوتك أنام واصحى ، وشريطك ساكن  مخدتى يحكى لى عنك وآه ياعينى على العشاق . أنا حزنت جدا لأن صوتك فى التسجيل كان يدل على إنك واخد برد . حافظ على نفسك أرجوك ، ليس من أجل صحتك فقط ولكن من أجل صحتى أنا كمان  .. ألف مليون سلامة عليك ..لن أثقل عليك كثيرا ،وأرجو أن تطمنى هل وصل مجدى وهل استلم الشغل ، نتمنى أن يكون كل شىء على خير ما يرام . قال أبى لكى نخفف من قلقنا :
ـ مادام مع فؤاد  اطمنوا  لا يمكن  يقصر معاه
 أمانة عليك تبلغوا سلامنا جميعا واذا كان له عنوان  ياريت يبعث به كى يطمئن الجميع واولاده يراسلوه . وتسلم الأرض اللى بتمشى عليها ، وقبل أن أودعك ولو مش هاين أودعك ، أسألك بس جاوبنى بصراحة : ألم تجلس فى وقت فراغك وتعيد الذكريات التى عشتها معى فى العشرة  أيام الشهيرة والتى لم يسمح الزمان لى إلا بها ( أسميها العشرة الطيبة . سمها انت كمان كما أسميها أم أنها لا تستحق ) كانت الدنيا أغنية جميلة أردد مقاطعها فى أعماقى . يرددها النبض المتدفق فى قلبى ، وترسمها الألوان المضيئة فى عينى . وتوقعها الحركات المنبثقة فى كل أعضاء جسمى . ارجع إلى ولا تتركنى وحبى فى العراء لايرأف بحالنا إلا نزار وقصيدته التى تغنيها نجاة . وحفظك الله حتى تعود وإلى أن تعود رد على بسرعة لتروى
حنا يا القلب الظمآن ….   الوفية  إلى الأبد   سامية
          بعد أسبوعين خطب العقيد القذافى ، وقال :
ـ إن مصر هى الشقيقة الكبرى، والسادات الأخ الأكبر، ومهما حدث فلا يجب التنكر للشقيقة ولا للشقيق، ومصر كانت وستظل درع العروبة، وسنظل معا يدا بيد لبناء مستقبل أفضل.
  تحسنت الأحوال وفتحت الحدود، وسمح للمصريين أن يدخلوا ليبيا كما يشاؤون دون أي حظر أو شروط، لأنها بلدهم.
 أرسلت إلى مجدي تذكرة الطائرة من الجزائر إلى طرابلس. ولما وصل المطار كنت فى استقباله، ولوحت له ولوح لي، وقد أشرقت على وجهه الأحمر ابتسامة عريضة، وإن لاحظت إنه فقد بعضاً من وزنه، وإنه كما قال أنفق كل ما معه ولم يعمل، وآخر مليم أنفقه صباح اليوم. كدت أبكي تأثرا بعد أن انتهت الأزمة، فمنعت نفسي، وقلت:
ـ الحمد لله.. لم يعد ثمة مجال للأسف.. هذه هى الحياة.. انتهت الغمة.
   لكن أسبابا عاجلة وصلت تدعو لبالغ الأسي، فقد ساءت العلاقات منذ ساعات، قال الضابط بصوت عال هذه المرة:
ـ عودوا من حيث جئتم.
  كانت الصدمة الجديدة أسوأ من سابقتها. أشار إلى من فوق السور الحديدي المتنقل وهو يدير أصابعه إلى جانب رأسه بما يعنى :
ـ ما هذا الجنون؟
 لم أستطع أن أرد، كان كل منا فى سجن، التواصل بالإشارة.. الأوامر تسقط من أعلى فوق الجميع.. أوامر بالاقتراب وأوامر بالابتعاد.. أوامر بالحب والتعاون.. وأوامر بالكراهية وقطع العلاقات.. أوامر للنظر نحو الآخر كشقيقه وأوامر بالنظر إليه كعدو.. افتح الحدود.. أغلقها.. بل افتحها. إغلقها.
كلما سأل ضابطاً ، قال: عودوا من حيث جئتم.
قال مجدي: الطائرة متجهة إلى القاهرة.
لم أستطع أن أجيبه بإشارة الحيرة.. وأخيرا لوحت له مودعاً، وعدت أدراجي منكساً.. شاعرا بالاختناق.
       لم يزرني النوم هذه الليلة. تسلمتني حالة بائسة من الأرق. لم يكن غريباً أن تلح على الذاكرة مشاهد الرعب التى عشتها فى لبنان.
 بعد أن عدت إلى أهلي فى مصر منتصف عام 1975، كانت العلاقات قد ساءت مع ليبيا، وصدرت الأوامر بحتمية الحصول على تأشيرة للدخول فقد انتهت فكرة أن البلدين واحد، وحتى التأشيرة ممنوعة مؤقتاً للمصريين.
  كنت أكثر تحمساً من أي فترة سابقة لدخول ليبيا والعودة إلى العمل حتى أستطيع تكوين مبلغ مناسب يساعدني على نفقات الزواج، وبلغني أن بالإمكان الحصول على التأشيرة من لبنان أو سوريا.
 أسعدني الخبر لأني أود من كل قلبي زيارة لبنان. دهشت من الترتيب الرباني. تنقطع العلاقات بين مصر وليبيا حتى أتمكن من إرضاء رغبتي العميقة لرؤية لبنان.. بلد الجبال الخضراء والجليد والجمال والحرية. بلد الصحف والكتب والشعراء . بلد فيروز والرحبانية ووديع. بلد الفن البديع. بلد التاريخ والثقافة والحضارة الفينيقية والرومانية. لبنان. الوردة النضرة على صدر الأمة العربية.
  وصلت مع الغروب.. كنت مجهدا بدنياً وذهنياً، لأن هاجساً ثقيلاً كان يخامرني بأنني لن أستطيع الحصول على التأشيرة وإن الأمور ستمضي من سئ إلى أسوأ وأعود لسامية بخفي حنين.
     سهرت حتى الواحدة أشاهد التليفزيون اللبناني، قلت : ألحس لحسة من لبنان، قطعة المارون جلاسيه.. تعجلت الصباح الذى أشفق على وجاملني فأشرق بعد إغفاءة جددت كل  كياني وعاونها حمام دافئ. تناولت فطوري، ووقفت أمام الفندق أتطلع إلى الميدان النابض بالحركة والصباحات الجميلة. عزمت على التجول ماشياً كعادتي لأعانق كل شئ وأكتشف، بدت بيروت كفتاة جميلة باسمة وندية. حاولت أن تغريني فأطلقت علىّ بهاءها.
 تنفست بعمق وسقيت رئتي بنسيم الجبل العاطر.. تخيلت أن بيروت تفاحة ناضجة وسوف ألتهم جزءا منها، وأتذوقه بأشواقي.. تلفت حولي. كان إلى جانبي رجل ضخم يمتلئ بالصحة وله شارب طويل مبروم . تطلع إلى بعينيه الواسعتين وتطلعت إليه. كان حسن الهندام. تصورته عمدة بيروت. حييته، ومن مجرد قولي: صباح الخير.
  انطلق يحيي كل ذرة فى تراب مصر، وعيون مصر، ورجال مصر ياللي على رأسهم ابن العرب الحي أبدا.. عبد الناصر.. كان يقف على يساري ولمحت على رقبته الغليظة وخلف أذنه اليمني شامة (حسنة) كتلك التى وقعت عيني عليها فى نفس الموضع من رقبة عبد الناصر ..  كانت قد لفتت انتباهي إبان وجودي فى منزل حسين الشافعي ودخل علينا جمال دون سابق معرفة.
     يا لهذا الرجل اللبناني الذى وقف يلقي الصباحات الجميلة على كل من يمر ! ويصيغ عبارات شعرية بلهجة لبنانية مدللة لتحية العابرين.. فجأة اخترقت صدره رصاصة وبدأ يتداعى. فزعت جدا وارتعدت ثم تماسكت و حاولت حمايته من السقوط، لكنه كان ثقيلاً.. تلفت حولي علَّى أعثر على من أطلق الرصاصة الدنيئة التى توشك أن تنهي حياة رجل رائع، شعرت كأن الرصاصة نفذت إلى قلبي.
 ناديت أقرب رجل أمن بداخل الفندق.. أسرع يتكلم فى جهازه اللاسلكي. دخلت الفندق ووقفت أرقب من خلف الزجاج وأنا أرتعد من المفاجأة الصادمة، حزنت لأني تعرفت عليه، يا لهذا الرجل الذى حياني بأجمل تحية، وكان فاتحتي ليوم مبهج!. حضر رجال الإسعاف على عجل فبدأت أشعر بتحسن طفيف  إذ خامرنى الأمل فى نجاته ، وأنا أتساءل كيف يجسر ملك الموت على أن يقترب من أمثال هذا الرجل المتفجر بشاشة وحبا للبشر ؟
     جلست فى اللوبي وطلبت قهوة سادة.. تحولت السماء الصافية إلى صفحة سوداء ملبدة بالغيوم القاتمة. تطلعت بالصحف التى كانت على الطاولة. رأيت السادات ونائبه حسني مبارك فى أسفل الصفحة الأولي من “النهار”. تسلل إلى نفسي ضيق جديد.  
  كان اختيار السادات لمبارك كنائب صدمة للكثيرين من أصحاب الرأي لأسباب كثيرة فى مقدمتها الرغبة الملحة لإنهاء عهد العسكر بحلوه ومره، وثانياً لأن العسكر فى العادة ليس فقط مندفعون ويميلون للعنف وإنما الأهم  أنهم محدودو الثقافة، ومدربون على إصدار الأوامر فقط وليس على الحوار والمناقشة، وثالثا لأن مبارك بالذات لا يملك الحد الأدنى من الخبرة السياسية، وهو لا شك رجل عسكري جيد، تعود أن يكون مطيعاً للأوامر، وهو ملتزم أكثر منه مبتكر، تابع أكثر منه مبادر، وربما لكل هذه الأسباب اختاره السادات حتى يضمن استمراره حيا إذا تعرض لأي خطر.. كانت دون شك خطوة غير محسوبة إلا على مستوي صاحبها ولصالحه، وربما تكشف الأيام خطأ نظرتي وهذا أمر مستبعد .
     عاد رجل كان قد ذهب مع المصاب  وأكد للأسف الشديد  موته. قبضت على الجريدة فعجنتها. أغمضت عيني قليلاً لأستعيد توازني.. البداية غير جيدة وتدعو للتشاؤم. سويت الجريدة ونهضت.
  درت حول الميدان بنصف رغبة. تأملت المحلات والشوارع .. تطلعت لأحد البنايات الجميلة التى لفتت نظري بتصميمها المعماري المميز وتبدو كأنها لم تعمر بعد إلا فى أدوارها الثلاثة السفلية. فى شرفة لمحت شخصاً يسدد بندقية صوب رجل فى الجهة المقابلة وقد انحني يربط حذاءه طويل العنق، وإلى جواره بندقية مستندة إلى الحائط.. لم أعرف كيف أنادي الشخص المنحني، فأسرعت أصرخ: النار.. النار.
  تنبه الرجل كما تنبه كل من فى الشارع، لكنه قبل أن يدرك الخطر المحدق به كانت الرسالة القاتلة قد داهمته فألقته بحذاء بندقيته.. تحامل على نفسه، ونهض يجر ساقه. خطف البندقية وارتمى وراء سيارة.. سادت الميدان حالة هرج.. تواري البعض، وجرى البعض، وتحركت سيارات.. ثمة أشياء غير طبيعية تجري اليوم فى بيروت.. كنت أسمع بوجود توتر بين الطوائف،  لكنها كانت فى ظني اختلافات أيديولوجية ودينية عارضة ، سوف يحسمها الحوار أو يظهر أي دور قوي للحكومة فتسيطر على الرماد الملتهب.  حدث مثل ذلك كثيرا من قبل .
 عدت إلى الفندق ولم أسأل الاستقبال أو أي مسئول.
سألت رجل أمن عن الأوضاع.. قال: إنها سيئة وسوف تزداد سوءا.
قلت فى نفسي: الله يطمنك.
      أسرعت بالهروب مغادرا بيروت.. اليمامة الجميلة التى التف حولها الجزارون ومعهم كل أدوات الذبح.. لقد اندلعت الحرب الأهلية الملعونة.. حملت حقيبتي وانطلقت برا إلى دمشق.   عندما بلغت الفندق وجدت أحد جيوبي فارغاً. كان به ثلاثمائة جنيه، ولم يبق معى إلا سبعمائة.. شعرت بتعكر المزاج. ما شأن هذه الرحلة المبتلاة!؟. أنا منذ أيام قليلة عثرت بعد سنوات على زوجة المستقبل وأشعر بتسلل الأمل الجميل إلى الأيام المقبلة.. لقد بدأت رحلة مهمة فى حياتي، النصف الأهم من عمري سيبدأ مع تكوين أسرة وممارسة الحياة الاجتماعية الطبيعية، فما السر فى هذه البداية!؟ لا داعى للتشاؤم على كل حال .
        جهزت الكاميرا ونزلت  أتجول فى شوارع دمشق العامرة، حماستي كانت فاترة. ذهبت إلى المسجد الأموي وسوق الحميدية وزرت قلعة دمشق وقصر العظم ومسجد السيدة رقية ومررت بساحة يوسف العظمة وكلها معالم ذات عبق تاريخي وإنساني يجتذب الروح بما تشيعه من مشاعر حميمية لها عمق وجداني. تخفف من بعض التعاسة بالتصوير وتعبئة الذكريات فى الكاميرا . تمشيت فى الشوارع التجارية الحديثة .
        كانت فرصة طيبة للحوار مع السوريين الذين تأسرني شخصيتهم وحيويتهم وطباعهم. أود من كل قلبي السباحة فى كل شوارع دمشق والاندماج مع أهلها واستعادة التاريخ المشرق لسوريا منذ أيام معاوية وبناء الدولة الإسلامية حتى صلاح الدين، بل حتى الوحدة المصرية السورية.. هنا فى كل شارع وحارة يمشي الشعب الذى حمل عبد الناصر بسيارته، لكن هناك دائما فى حياتنا من يتربص ويعكر ويفسد. كم هائل من الخسائر عبر التاريخ وكم هائل من التراجع.
     خالي الوفاض.. خالي الوفاض. بت ليلة فى الفندق وانتظرت التأشيرة، ولما حصلت عليها حجزت أقرب طائرة وهى التى ستقلع فى اليوم التالي.. انتقلت إلى فندق متواضع جدا لأقضي فيه الليلة.. أنا غير مؤهل للسياحة، وغير مؤهل للكلام ولا للطعام ولا للنوم ولا للمشي.. أنا مؤهل فقط لسدة النفس والصمت منزوع القيمة. صمت يمتلئ بالحيرة ولا يملك القدرة على التأمل. صمت صحراوي لا كصمت الحدائق حيث النسيم وأغاريد الطيور وتأوهات الورود وابتساماتها الملهمة.
     غادرت دمشق إلى طرابلس.. حيث وصلت بجعبة خاوية تماماً ونفسية فى الحضيض، اكتمل المشهد بعدم وصول حقيبتي اللتين كانتا معي وتنقلتا معي من مصر إلى لبنان ثم سوريا، لكني وصلت ولم يصلا.. قيل: انتظرهما على التالية، وقد وصلت الطائرة التالية والرابعة
والعاشرة، وكل الطائرات العربية والعالمية ولم تصل حقيبتاي ، حزنت جدا لأنى فقدت الكاميرا  وفيها الوجوه والحضور الدمشقى الحميم .
 لقد كنت الراكب الوحيد الذى لا يحمل معه إلا شيئا واحدا هو جواز السفر، كما كنت من قبل الشخص الوحيد الذى يصل دولة ويدخلها بدون جواز سفر.. فقد عبرت هارباً الحدود المصرية إلى ليبيا دون أية أختام الدخول ، ثم أحرقت جواز السفر، وأبلغت الشرطة بفقدانه، ومن ثم استخرجت لي السفارة المصرية جوازا جديدا حسب البيانات التى أوضحتها فى طلبي الكاذب.

 
* * * * *

 

 

 

 

 
       الشعب الليبي وديع وكريم، والعقيد القذافي وطني مخلص حسب فهمه، الذى هو فى العادة يختلف مع كثير من المفاهيم السائدة والصحيحة. ومن مفاهيمه أن الديمقراطية الحقيقية هى بالفعل حكم الشعب لنفسه بنفسه، ولكن ليس عن طريق ممثلين أو نواب، فهو يري أن الشعب كله يجب أن يحكم مباشرة ولا ينوب عنه أحد.               
     أسس العقيد كيانات تسمى اللجان الشعبية، واللجنة ليست مجموعة وإنما كيان شعبي يضم كل سكان حي ما، أو منطقة أو قرية، أو مدينة وعليها أن تجتمع وتدرس الموضوعات المحلية والعربية والدولية، وتصعد قراراتها إلى اللجنة العليا، وكان من أهم قضايا  تلك الفترة والتى دشنوا بها التجربة الديمقراطية  النادرة   قضية عدم وجود حاجة للمصريين.
      بدأت اللجان تعمل بكل حماس ضد وجود المصريين، وكل فرد من الشعب يقف ويسب هؤلاء الذين جاءوا إلى بلاده لينهبوا خيراتها.. مضت الإذاعة والتليفزيون ينقلان كل الجلسات المليئة بالأقوال العجيبة والهجوم الضاري الذى لا يمكن قبوله على أي مستوي.
  قلت فى نفسي  : شهر أو شهران وتنتهي تلك المهزلة.
      لكن الأمر ازداد فداحة وطالت مدته، فتقدمت لمدير الشركة باستقالة، رفضها دون مناقشة، تركت الشركة، لكنه جاءني فى السكن، حاول أن يقنعني بأن أتراجع عن الاستقالة. ذكرت له ما تقوله اللجان، قال:
ـ ايش يهمك فيهم.. ما تنصت لكلامهم.
قلت: هم الذين يحكمون.
ـ لا تصدق.. هذه مسرحية.
ـ هم ينقلون رغبة العقيد.. رأيت العقيد فرحاناً بالحالة.
قال: هادوما شوية ناس فاضية، ما عندهم عمل.
 أشحت بوجهي، فقال:
ـ مالنا ومال السياسة.. لو سألوني عن رأيي، فسوف أقول لهم لا يمكن الاستغناء عن المصريين.
قلت له:
ـ لن يسألوك عن رأيك، وأنا لا أحب أن أعيش فى جو كراهية، وإذا كنت أقيم هنا لأعمل وأقبض مالا، فمال الدنيا كله لا يساوى لحظات من الإهانة. كرامتي أهم من مصلحتي. 
 ظل على حاله محاولا إقناعي إلى أن قبلت مؤقتا حتى نري نهاية لهذه المسرحية حسب قوله.
قلت: سأستمر شهرين آخرين، وإذا استمر هذا العداء فلن أبقي يوماً واحداً.
قال: ربنا يسهل.
قلت له: قل كلاماً محددا.. لا أريد كلمة ربنا يسهل.. البشر يفكرون ويتفقون، وربنا يسهل أو لا يسهل هذا شأنه.
قال: اخص عليك يا أستاذ فؤاد تبغي تكفر.
قلت: يا حاج.. لن أعود إلا إذا قلت كلاماً محددا.
قال: إذن خليهم ستة أشهر.
قلت: ولا يوم بعد الشهرين.
قال: أربعة.. خلاص أربعة.
  ازدادت الحالة سوءا. وسائل الإعلام تنشر وتذيع بالليل والنهار. الشعب مجتمع بما فيه كبار المسئولين.. البعض القليل غاضب من الثرثرة وتعطيل المصالح، والمناخ العام المشحون بلا أي مبرر.
      بلغت الأمور حداً لا أظنه حدث فى أي دولة، إذ قامت السلطات الليبية بالمرور فى الطرقات، وتوقيف من تشتبه فيه إنه مصري ودفعه لركوب سيارة نقل الجنود أو سيارات فض المظاهرات ذات الصندوق، الخالية من النوافذ، وبعد امتلائها تتجه بهم إلى الحدود المصرية الليبية على بعد ألف وخمسمائة كيلو وتتركهم هناك ليدخلوا الأراضي المصرية، ولا يجد المصريون البسطاء من يناقشهم بشأن عائلاتهم وأولادهم الذين تركوهم فى البيوت الليبية  ولا علم لديهم بمصير ذويهم.. فاللجان الشعبية قالت كلمتها والشعب هو السيد.كمية هائلة من العاطفية واتلعشوائية تحكم وتوجه كل حياتنا بحيث ندفعها إلى الى الذروة التى هى فى العادة مأساة . مأساة .
      جوازات سفر هؤلاء المعتقلين مع جهات عملهم وليست معهم.. ليس هذا مهما فى نظر صاحب القرار.. عندئذ لم أستطع الانتظار، ومن جديد قدمت استقالتي، ورفضها أبو شعالة مدير المصنع قائلا:
ـ سأذهب إلى أعلى سلطة فى الدولة حتى تبقي معنا.
قلت له: أنت لا تريد أن تفهم.. القرار ليس قرار دولتك، إنه قراري أنا، وأنا لا أقبل كل هذه السلوكيات من العدوان والكراهية.
 لكي يغلق الباب فى وجهي ويرضيني فى الوقت نفسه.. قال بعد أن فتح خزانة مكتبه:
ـ تفضل جواز سفرك.. لن ينفعك، وإذا أردت أن تسافر فلن أمنعك.
ـ اعطني إخلاء طرف. لن تسمح لي الجوازات بالخروج إلا به.
ـ لا.. لن أعطيك إخلاء طرف، إلا بعد أن أعين غيرك ويجرد كل شئ ويتسلم عهدتك، أم إنك تريد أن تنجو بنفسك وتترك السفينة للغرق ؟
     لن يثنيني شئ مهما كان عن الهرب من هذا البلد ونظامه الكاره لنا والظالم لأبنائنا البسطاء.بل والظالم لأهله أيضا .
       قررت أن أسافر برا عبر منفذ أم ساعد والسلوم، وبعد أن حزمت حقائبي نشبت معارك بين مصر وليبيا، هاجمت طائرات حربية مصرية بعض المواقع فى العمق الليبي، ولم أستطع معرفة الأسباب. أظن أنه كان عملا غير محسوب  مهما كانت مبرراته. أرض العرب لها حرمة على الأشقاء ، والغضب لا يؤدى إلى العدوان على الشقيق خاصة على مستوى الشعوب . ثوابت . ثوابت . عبد الكريم قاسم فكر . مجرد تفكير يدخل الكويت ليضمها . سمع  ما لا يرضيه من عبد الناصر حتى لا يتقدم خطوة .. استيقظوا يا من تتنكرون .
      أغلقت الحدود، وتعذر  السفر بالطائرة.. كانت فترة عصيبة على كل المستويات، وأحسست أني أدور داخل مجموعة من السجون.. سجن كبير وسجن أصغر ثم سجن أصغر وأصغر، سجن فى الدولة وسجن فى العاصمة وسجن فى الشارع وسجن فى التليفزيون وسجن فى الإذاعة والصحف.. سجون لي وسجون لأبناء الشعب الليبي، صنعها العقيد القذافي الذى لا يري إلا بعيونه ولا يفكر إلا بعقله ولا يعبأ بأي شئ آخر.. ولا أبرئ السادات الذى زاد توتره بعد أحداث 19،18 يناير1977 حين خرجت الملايين غاضبة من رفع الأسعار والظروف الاقتصادية الصعبة ، وعجز الحكومات المختلفة عن إيجاد صيغة لتحسين أحوال المواطنين الذين وعدهم السادات بالرفاهية بعد الانفتاح، وكان من أشهر الهتافات الدالة على الحالة :
” هو بيلبس  آخر موضة واحنا نسكن عشرة فى أوضة “.. لو  عندى وقت ومزاج رائق لعكفت على جمع كل الهتافات المصرية التى صاغتها القريحة الشعبية ارتجاليا من فرن اللحظة الساخنة .
  أرسل أبى وأخوتي وأصدقائي فى مصر يحكون لي عن الأوضاع، وذكرني أبى بما قلته له قبل عامين.. أرسلت إليه أقول:
ـ لكل شئ منطق ومسار، الانفتاح المصري الأحمق يجب أن تكون هذه نهايته، بل هى بدايته وسوف تتفاقم الأحوال.
 لمعت فكرة زيارة إسرائيل فى رأس السادات.  فكرة مجنونة برقت فى مخيلته المحاصرة، فقد أحس كأن الحرب لم تفده كثيراً وأن الانفتاح ينقلب عليه أو يظهر له العيون الحمراء.. كانت أمريكا وإسرائيل ينتظران سقوط الثمرة المعطوبة.
  لست غاضباً فقط من الأحوال فى ليبيا، ولكن الأحوال فى مصر أيضاً مثيرة ومقبضة، ويصعب أن أظل بعيدا عنها وقد سبق أن فكرت فى السفر إلى القاهرة عندما نقلت وكالات الأنباء ما جري يومي 19،18، لكن الأوضاع فى ليبيا لم تسمح، ولم يوافق أبو شعالة على السفر، فقد كان الرجل يقدرني جداً ويحرص على..
     اضطررت أن أطلب أجازة أسبوعين للزواج والعودة مع زوجتي. عرض أن أظل فى ليبيا ويبعث لخطيبتي للحضور والزواج فى طرابلس،  ووعد أن  يقيم لنا احتفالا كبيرا ونقضى أسبوعاً فى فندق “المهاري”.. رفضت وألححت فى السفر. وافق المدير وانتظرت حتى فتح الطريق البري واستأذنته فى السفر بالسيارة المخصصة لي فى الشركة وهى البيجو 304 الرمادية، فقال إن القانون لن يسمح لك لأنها ليست ملكك وأنا أبيعها لك صورياً.شكرته لموقفه الكريم .
       فى ليلة سفري فوجئت بأصدقاء مصريين كل منهم يحمل حقيبة كبيرة ويطلب منى نقلها لأهله.. ست حقائب ثقيلة جدا وتكاد تنفجر مما بها غير أربعة لي.. كان الموقف صعباً للغاية، لكني لم أستطع الاعتذار.. قادم إليك يا حبيبة القلب.
  رحلة عجيبة تلك التى قمت بها من طرابلس إلى القاهرة لأقطع بالسيارة نحو ألفين وخمسمائة كيلو متر، تقع جميعها تقريباً على ساحل المتوسط. كانت معي أشرطة الأغاني والمقرمشات والشاي واللب والسوداني وأشواقي لأهلي ولسامية.
     بانتظام طوال العام الأول كانت ترسل لي خطابات جميلة وساخنة عامرة بالمشاعر الطازجة الحميمة التى نسجت بها عشا من الكلمات والمعاني اللذيذة وعالماً من الحب الدافئ المخلص والطاهر. أنتظر الرسائل بلهفة وشغف وأرد عليها بسرعة متحدثاً عن نفسي وعن أحلامي وعن أملي فى أن تكون كياناً مخصصاً لإنتاج الحب واللحظات الجميلة، ولا تحمل هما أبدا لأي شئ فى الدنيا.. هذه مهمتي التى أتمني أن أكون مؤهلا لها قادرا عليها، وأتصور إنها قسمة عادلة بين الرجل والمرأة، الحب عليها والهم عليه، هى تزرع الحب وترويه وترعي مسيرته وتطمئن على نبضه فى القلوب، والرجل عليه ألا يفكر فى شئ إلا أن يمنع أي أثر لحزن أو يأس أو كآبه عن روح الحبيبة، عمله أن يكون ككاسحة الجليد.. وعملها أن تكون البستانية التى لا عمل لها إلا حديقة الحب.. هل هذه المهمة صعبة عليها؟؟.. أرجو ألاّ نترك الإجابة للحياة والظروف، فلو حدث هذا يجف الحب ويتغلغل الهم لأن الحب هو الأوكسجين.
       قلت لها فى مرة أتمني أن تكوني بالضبط على مقاسي.. نبضك كنبضي.. طباعك كطباعي.. نظرتك للحياة والناس مثل نظرتي.. احتقارك للمال مثل احتقاري له.. قلت لها:
ـ إن المال كالسياسة مفسد لكل شئ حتى لو تحققت بسببهما بعض المكاسب الحياتية. ومع ذلك لا يجب أن يكون الاعتماد الدائم عليهما.. إنهما يأتيان فى مرحلة متأخرة نسبياً.. فالحب أولا والتفاهم والعقل والرضا وحسن الظن والوضوح ثم المال، وإذا جاء فلا يتعين أن يكون كالفيضان الذى يغرق ويفسد الزرع والمباني، وإنما بقدر كالنهر يترقرق ويسقي ويوزع الجمال ويصلح للسباحة والملاحة.
 لم ألتق بها إلا عشرة أيام، فهل يمكن أن تكون الزوجة التى تدوم.. أرسلت إليها مرة أقول:
ـ  لو لم تكوني كما أتمني سأخنقك.
ردت على قائلة:
ـ تعال الآن واخنقني.
   كانت ترسل لي رسالة رقيقة تشغل صفحة كاملة، وأحياناً أقل وعندما تقع عيني عليها، وقبل أن أقرأها أثور.. لماذا لم تكملها، ولماذا لا تكتب صفحتين وثلاثة ؟ أرسل لها بعد ساعة على الأكثر رسالة فى ثلاث أو أربع صفحات.
        عزيزتى الغالية  سامية
هاهى الأيام  تمر ثقيلة  سخيفة  تثبت لى فى كل يوم أنها استطاعت  أن تفرق بيننا وما زالت تستطيع أن تبعد الحبيب عن حبيه، والزوج عن زوجته ، وما أبشع هذا إذا كنت أنت الزوجة والحبيبة ..إنها تنظر إلى وتخرج لسانها قائلة  فكر أين أنت ، إنك هناك بعيدا عمن تحب ، عمن تتلهف نفسك للقياها ، وأحاول أن أرد على الأيام والزمن وكل مايدعو لليأس والكآبة فلا أستطيع، غير أن أكتب هذه الكلمات وأن أستمع إلى شريطيك ، وأكون فى حالة بين السعادة والشقاء ، هائما بين الأرض والسماء ، أفرح لأنى محلق معك لكن نظرة واحدة إلى ما حولى تذكرنى أنى فى ليبيا وبينى وبينك فى الزمن شهور وفى المسافات ألفين وستمائة كيلومتر .
حين أصحو فى الصباح ، فأول ما أفعله أسأل الضوء الوليد عنك ، أرنو إلى ساعتى ، هل ياترى استيقظت  ، أظنها استيقظت وارتدت زيها الرسمى الخاص بالمعهد فبدت كالعادة أنيقة  ورشيقة ، بهية الطلعة باسمة الملامح،  يراها الصبح  فيشرق ويحاول أن يأخذ عهدا على نفسه أن يكون جميلا . يلقاها الناس فى الشارع ـ يا بختهم ـ فيتأكدون أن نهارهم سوف يكون سعيدا  وتبدأ النسمات العليلة فى الهبوب على الكون  ، ناعمة طرية فيعرف الجميع حيثما كانوا داخل مصر وخارجها وتنتقل الأنباء إلى كل كائنات الأرض فتغادر العصافير وكناتها وكل عشاق الحياة تفيدهم  بأن حبيبتى خرجت من بيتها فى طريقها إلى المعهد لتلقى زميلاتها . تدخل فصلها  فإذا هى كالزهرة الندية فى البستان ..أراها فى الفسحة  تضحك مع الرفاق بلا ضجة أو نزق أصبحت أكثر هدوءا وأقل قهقهة ..تسألها البنات عن خطيبها البعيد كلما لمحوها شاردة  فلابد أن طيفه زار خيالها  فتبتسم للزيارة التى تجيىء أحيانا بلا موعد اللهم إلا بهاجس الأشواق .
أيتها الحبيبة أشكرك على كلماتك التى أبديت فيها قلقك لأنى لا أستطيع  الكتابة ،ومعرفتك بذلك دون أن أخبرك عن صحرائى ، إننى لست سعيدا بهروب الكتابة ، ولكنى سعيد بهذا التقارب فى الأفكار الذى يمثل العمود الفقرى لأى حياة زوجية سعيدة ، إنك لا شك تعلمين أن الحب وحده لا يقيم حياة هانئة ومستقرة وأظن أن التفاهم وانسجام الأفكار  يلعب الدور الأكبر  ، ولعل الحب يفضى إلى هذا التفاهم .. قبلاتى أيتها الحبيبة التى أنعم على الله بمنحة الوصول  
إليها .                 عاشق روحك وعيون قلبك ، القابض على حبك بقلب قلبه وكل كيانه ..
                                     فــؤاد          

     فاتنى أن أرسل خطابا لأبى طوال عدة أشهر ، فانزعجت الأسرة وذهب أبى وأمى  لزيارة سامية  وسألوها عن سر تأخر رسائلى  ، وكانوا قد اعتادوا  معرفة أخبارى الدقيقة منها .
أبلغتهم أنى أرسلت إليها رسالة من أسبوع .  قبل أن يسأل عنها أبى أو أمى ، هبت على الفور وأحضرت الرسالة. قرأها أبى واطمأن أني بخبر، ثم أرسل إلى يسأل عن السر فى تأخر رسائلي ، و قال:
ـ أنت يا ولد ترسل لعروستك جوابات على ورق ملون وشفاف ورائحته عطرة، وترسل لنا جوابات على ورق لحمة.
 كان الورق الذى يلف الجزارون فيه اللحم فى تلك الفترة عجيب الشكل.. لونه غبي، لا هو أسود ولا رمادي، وكان غليظاً جداً.
   أكمل الرسالة قائلا: إن أمك تري أن هذا حقك وحقها وهى ترضي أن ترسل لنا على ورق الشجر أو على قطعة خشب.. المهم أن ترسل لنا لنطمئن عليك.
  أرسلت لأبي خطاباً أقول له فيه:
ـ ألا تري أنه أمر طبيعي.. إنها عروستى يا أبي. بنت صغيرة تنتظر المجاملة من خطيبها، أما الأهل فطلباتهم بسيطة جدا وأهمها أن يطمئنوا على ابنهم.. ربنا يخليكم ويحفظكم من لمسة البعوضة.
      فى العام الأخير تلونت الحياة بلون غبي مثل لون ورق اللحم، بل أسود منه وأردأ على كافة المستويات. الوضع فى ليبيا مستفز إلى درجة لا تطاق والأصدقاء نادرون.. عدم وجود سينما ولا مسرح.. الصحف مملة والنشر فيها يخضع لحسابات. وأنا لا أكتب قصصاً إلا فى النادر وهذا يتعسني. 
   الأحوال السياسية والاقتصادية فى مصر سيئة للغاية. والعروسة المنتظر منها أن تكون نقطة النور الوحيدة فى السجن المظلم، وبقايا الماء فى البئر الجافة تراجعت رسائلها حتى توقفت تماماً رغم رسائلي المتواصلة، كما أني أصبحت مغلول اليد فى شراء الكتب غالية الثمن، خاصة أني أنفذ نظاماً ادخاريا، وغياب الكتب أثارني وأتلف أعصابي.. لعله الإدمان.. إدمان القراءة. هل يمكن أن أعيش يوما دونها؟!.. لقد أصبحت أهم من فنجان القهوة الذى أتناوله فى الصباح كل يوم . منذ كان عمري أربع أو خمس سنوات وأنا أجلس مع جدي وجدتي أمام الموقد وأدوار القهوة تتوالي لأبي ولأعمامي وعماتي وأنا معهم.
       أرسلت إليها خطابات ألعن فيها “سلسفيل” أهلها.. هل تكون أمها حرضتها على الدلال. البنت بسيطة جداً ولطيفة ولا تعرف “اللوع”.. ربما كشفت عن مشاعرها نحوي فتحركت الأنثى الكبيرة لتقود ابنتها لاصطيادي واستدراجي بأن تكون “ثقيلة” لأن رسائلها كانت عصافير ملونة ترسمها أعماقها وفطرتها .
قالت قبل يوم سفري:
ـ أنا أنظر إليك بدهشة. أنت كائن غريب. لم أسمع من قبل مثل كلامك ولم أتعرف على شخص له طريقة تفكيرك.
  سألتها:
ـ هل ترين أن تفكيري يدل على أني مجنون؟
   وقعت على ظهرها من الضحك والدهشة وبدا كأنها فرحانة بالسؤال الذى سهل مهمتها ،ثم قالت وهى مغمورة فى كريزة الضحك:
ـ لا يصح أن أقول هذا.
ـ مكسوفة ؟
ـ لا .. عيب.
ـ خذي راحتك. الصدق يسعدني.
ـ ليس جنوناً تماماً، ولكنها  حالة مختلفة .
ـ الجنون لذيذ وممتع.. تمتلكين به كل شئ.
ـ بالوهم؟
ـ المجنون لا يشعر بهذا، بل يشعر أنه حر، والحرية مصدر سعادة وثراء لا محدود وقوة وارتفاع.
 فتحت عينيها مع اتساعهما، ويبدو إنها تأكدت من جنوني.
ـ معقول؟
ـ عندما يزعجني الواقع والناس، يتدخل تفكيري لإنقاذي منهم وإبعادي عنهم، ولذلك يعتقد الكثيرون أن الكتاب والمفكرين مجانين.. لا.. هم فقط باحثون عن الحرية ولا يسمحو ن للواقع الغبي أن يدهسهم أو يضعهم فى مفرمته.
شردت كأنما لتتأكد من فهمها ثم قالت:
ـ وإذا ابتعدوا عن الواقع كيف سيعيشون؟ مضطرون للتعامل معه فى الأتوبيس والمخبز وطابور الجمعية وعند النجار ومع السباك وبائع الفاكهة، بل ومع اللصوص.
ـ نعم عليهم أن يتعاملوا مع كل هؤلاء، وإذا لم تسر الأمور كما ترضيهم تركوها.
اندهشت:
ـ يعيش  الكاتب دون خبز ؟.
ـ فى أحيان كثيرة، لأن الحرية أهم من الخبز.
ـ الناس تتصارع فى كل حياتها من أجل ما يلزم لحياتها ومنها الخبز واللحم وغيرهما .
ـ هذا هو الجنون . المفترض أن الصراع  يكون من أجل الحرية أولا .
ـ الخبز أولا
ـ  هو مطلب الحيوانات أيضا
شملها رعب وتأكد لها شىء ما .. قالت :
ـ أظن أن هذا هو..
ـ الجنون.. انطلقي.. لن ينهدم العالم.
ـ أنت شجعتني . سأقول ولا تغضب.
ـ قولي.. لن يغضبني إذا قلت أني أسوأ إنسان فى الوجود.
ـ لا.. على العكس.. أنت.. ربما.. أظن.
ـ هه..
ـ أظنه مجرد اختلاف.
ـ اختلاف. كلمة مهذبة.
ـ صدقني هو ذلك فقط.
ـ وهذا ليس شيئاً يسيراً.. الاختلاف هو الذى يطور الحياة.
ـ أنت تعول على الحرية أكثر من اللازم.
ـ الحرية هى أروع ما فى الوجود، والإنسان بدون حرية جماد أو بالكثير حيوان من النوع الردئ خاصة الأليف.
 ـ الأليف ردئ.
ـ نعم.. البرى أفضل منه لأنه حر، والأليف مثل موظف الحكومة حَسَبها واستسلم.
ضحكت  ، لكنها فيما أظن كانت تدارى الفزع من هذا الإنسان وأفكاره .
ـ كفاية.. دماغي تعبت.. لا .. ستنفجر.
   انفرطت تضحك من جديد ونظرت إلىّ نظرتها إلى شخص غريب،.. لسانه يتدلى من جبهته وعيناه على صدره، ورأسه يتحرك على رولمان بلي ويدور فى كل الاتجاهات.
  منعت نفسي من مجاراتها فى الضحك.. ابتسمت فقط مجاملة لها.. كان الحديث كله ممعن فى البلاهة اللطيفة التى من خلالها تستطيع أن تتعرف على الآخر وتعرفه ببعضك. تفتح نافذة بداخله.. فى أحيان كثيرة أشعر أن بعض الناس، خاصة الرجال ربما كانوا منقبين أو محجبين.. مغلقين، محشورين داخل عباءات أو أكشاك أو صناديق،  لا تستطيع أن تجد فتحة لتدخل إليهم عبرها بعض الأفكار، أو ليخرجوا لك عبرها شيئا من الهواجس والأحلام.
سألتها: على فرض أن هناك اختلافاً أو جنوناً،  هل هو مزعج؟
  مجرد صمتها لثانية واحدة اعتبرته رأياً سلبياً، لكنها أسرعت تقول، كأنها أدركت ما أحسسته:
ـ لا.. على الإطلاق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *