حسين سرمك حسن: الجواهري مركب النار ، النرجسية الضارية والقصيدة المفتاح (9)

قال الجواهري ذات مرة إنّه كان يصحو على خطأه بعد (خراب البصرة). وخراب البصرة هذا موجع بالنسبة لمن يدفعه القدر الى هاوية كارثة شخصية أو مأساة لايد له فيها . ولكن هذا الخراب ممتع ومطلوب لمن يسعى بفعل تركيب قوى نفسية معقدة ومغيّبة عن البصر الناقد الباحث عن المنطق والشعور المعقلن خلف كل فعل للشاعر. وهنا تصحّ بشكل يتجاوز كل دقّة المقابلة بين الفرد العادي وتمثله هنا الزوجة ، زوجة الشاعر ، وبين المبدع الفذ المصنوع من (تركيب) عصي على الفهم السطحي وهذا ما يضعه الشاعر في صيغة مقابلة غير مستفزة :
نحن في العقبى سواسية          نلتقي طوعاً على سببِ
أنتِ قد أوصتك شعلتها          أن توفّي سوءَ منقلبي
وأنا يُوحى إليّ بها              أن تقحمني ولا تهَبِ
فحفزة الألم تثير لدى الشخص (العادي -_الزوجة) رد الفعل (البافلوفي) الفج إذا جاز الوصف : هناك مثير هو النار يسبب الألم فاحذر واستجب بالطريقة التي تخلصك نهائياً من مصدر الوجع هذا أو ، على الأقل ، تخفف تأثيره عليك ويبقى تحديد السواء في ردة فعل هذا الفرد محكوماً بقياسه المنطقي ، العقلاني ، الشعوري الذي سيرشده الى سواء السبيل للتوقي من سوء منقلب النار مثلاً كما حصل لدى زوجة الشاعر التي استعاذت وقررّت عدم اللعب بالنار. لكن هذا ما يحصل عادة لدى الفرد (العادي) . أمّا بالنسبة لمبدع مبرز ومعجز من أمثال الجواهري فإنّها سبّةٌ ومهانة أن تحكمه القواعد البافلوفية الآلية ، لأنّه عن هذا الطريق تجف ينابيع الموهبة ويتوقف نهر الإبداع . بل يمكننا القول جازمين بأنّ سلوك الجواهري قد قوّض كل ما أسّسه (بافلوف) المسكين .. هذا هو شاعرنا يقحّم مهاوي الألم والعذاب(مغيّباً) بفعل قوى اللاشعور(اللامنطقي ظاهراً) ليثبّت أركان قانونه الخاص. قانون النفس المبدعة الفذّ . استسقاء اللذة من الألم ومناقضة رد الفعل العادي المعقلن الذي يقابل الألم بالتجنب أو الهرب :
أنتِ خيرٌ منهم سكني         تقتلين الخوف بالهربِ
وأنا أزكاكم أرباً               أستشف(الخيرَ) بالعطبِ
إنّ امتزاج الدوافع المعقدة وظهورها في صورة تركيب خادع ومغاير ليس نتاجاً متصنعاً جامداً، بل هو نتاج حي، ففي أحشاء هذا التركيب يقوم التفاعل الحر بين تلك الدوافع، وفي ذروة إخلاص الشاعر لواقعه الجديد وتلبسه الصوفي به يتسامى نفسياً-وتبريرياً أحياناً- لتصبح جسارته غير الطبيعية في الالتحام بخبرات الألم وتجارب العذاب (روحياً) يوحى وليس لعبا صبيانياً وغباءً كما تقول الزوجة المسكينة التي ترتبط حلقات تداعي الشاعر حول من يمثل الجسور والمرتد عن مداعبة النار الحارقة فيربط بها ، وبه ، موقفين جديدين في سياق القصيدة :
وكذا يدري الجبانُ وغىً        فيسمي الحرب بالحربِ
وترى نفس الشجاع بها         لذّةً..كالحكِ في الجربِ
قد حببت النارَ عن صَعَدٍ       وأثرت النار عن حببِ
وبعيدا عن التفسيرات الفرويديّة التي ترى في التلذّذ هبوط وصعود ألسنة النار وبحكّة الأجرب المتكرّرة تعبيراً عن لذّة استمنائية _ رغم وجاهة هذه التفسيرات أحياناً- فإنّ تلذّذ الجواهري بصعود وهبوط ألسنة اللهب يعود الى هذه الحركة الدائبة في أحشاء(التركيب) الحاكم .. هذه الحركة التي لم تهدأ ولم تكّل على مدى قرن من الزمان .. في الحبّ والسياسة وفي الحياة عموماً .. وكانت مسؤولة عن إدامة جذوة شعر باهر وباذخ وتوهجّها رغم كل تيارات الريح المهدّدة التي كانت عاصفة في محيطه ووجدانه .. في خارجه وفي داخله .. ثم إنّ هذا التناوب بين صعود وهبوط مسؤول بالدرجة الرئيسية عن تذبب وتأرجح الشاعر بين السلب والإيجاب كما إنّه مسؤول عن (التكرار) في سلوك الجواهري وشعره .
  الآن يمكننا إعطاء نظرة كلّية جشطالية (Gestalt) الى العنوان : (وحي الموقد) ، فهو في الفهم المباشر وقبل إكمال تحليل القصيدة يعني ما تقدّمه صورة الموقد (أو توحي به) بألسنة نيرانها وما تشيعه من دفء ومن فرصة للشاعر للتداعي نحو أمور كثيرة . لكنه ، أي العنوان ، بعد التحليل ليس وحي خشب الموقد المشتعل ولا الجلسة المسترخية الدافئة أمامه .. أنّه وحي الشاعر العاصف الكاشف لصراعاته ومواقفه الوجوديّة .. إنّها رسالة أو أمر من غيلانه وجنّه القادم من وادي عبقر- وادي اللاّشعور العاتي المخيف_، رسالة هي إشارة النهوض التام للدوافع الحاكمة .. نهوض شياطين الشاعر واستعدادها كي تتحزم للإبداع من خلال تقطيع اللّحم الحي لروح الشاعر وشيّه في موقد الشعر ، حياةً كاملة متقّدة لا تهدأ جذوتها :
أُشعِل النيران لا رغباً            و أصاليها بلا رَهَبِ
غيرَ علمٍ .. أنّها سببٌ              لحياةٍ .. أيّما سببِ
ولعل هذه الحركة التي لا تهدأ ولا تقرّ في مرجل الذات الجواهريّة هي التي جعلت الشاعر عصيّاً على التوصيف والتمرحل ، حيث حاول الناقد المعروف (فوزي كريم)  في دراسته المهمة ((من الغربة .. حتى وعي الغربة)) تحديد مراحل تطوّر الجواهري الشعريّة :
– العموم الضيّق.
– الخصوص الضيّق.
– علامات الضوء.
وقد وضع لكل مرحلة ميزات خاصة تسم تطوّر الجواهري الشعري ، فعلى سبيل المثال تمتاز مرحلة الخصوص الضيّق بـ :- الغربة الحقيقية ، الغربة التي تنزلق في الجنس : والإحساس به كمنزلق دام ، وفي مواجهة الآخرين : الحياة في الجحيم ، وفي الأحزان الغامضة..))(53)
.وبعيداً عن الإطالة نقول أنّ الجواهري وبفعل هذا المرجل الذي لا يهدأ غليانه والذي ظهر في صورة نرجسيّةٍ نارية عاش تلك الغربة حتى يوم مماته ولم ترتبط بمرحلة معينة ، في عام1982 يرد على قصيدة الدكتور ((موسى الجنابي)) بقوله :
يا (ابن الجنابي) لم تفصح أبالسةٌ
                                  ولم تُجب عن سؤال الدَّير أخبارُ

أنحن محضُ إراداتٍ مخيّرةٍ
                                فيما تُصرِّفُ من أمرٍ وتختارُ ؟
أم نحن في قبضة الأقدار أُلهيةٌ
                               حمقى، وفي رقعة (الشطرنج) أحجارُ ؟
أم نحن أسطورة خرقاءُ تُلبِسُها
                               ثوبَ الحقيقيةِ أنباءٌ وأسفار ؟
بئسَ الحضارةُ لم تشخص معالمها
                               ولن يُبكّى عليها يومَ تنهارُ
وفي عام1984 يكتب قصيدة عنوانها((أخي أبا سعد)) مهداة الى الدكتور((صلاح خالص)) يقول فيها :
فالموتُ يدركُ كل ذي رمقٍ        كالنوم يدركُ كلّ من نعسا
والمرءُ مرتطمٌ بحفرتهِ             من قبل أن يهوي فيرتكسا
ما أوحش الدنيا تفرقنا             وكأننا من هاجس هجسا
والعمر كنزٌ يستضن بهِ            فإذا به يوماً قد اختُلِسا
إصلاح ما جدوى منى أنفٍ       عد ّ السنين يردّها يبسا
درجت ثمانونٌ وأربعة            وتحجّر النبع الذي إنبجسا
  وفي الحوار الذي أجراه الدكتور((علي جواد الطاهر)) مع الجواهري ونشر في العدد الثاني من مجلة (الكلمة) عام1972 حصلت مداخلة حول مسألة (الخلود) .  قال فيها الشاعر :
((- إن إتمام الخطى يكلف المرء ثمناً غالياً ، يكلفه راحته واستقراره ، حياته الفردية والبيتية ، حرماناً من أسباب الحياة الرفيهة بكل ما في الحياة .
الطاهر- وماذا يكسب الشاعر لقاء كل هذا ؟
– يكسب الخلود المزعوم ، الهتاف ، وهذا لا يساوي الحرمان ، كنت إلى زمن غير بعيد أتأثر بهذه الأمور ، أما الآن فلا أكاد أشتريها بفلس ؟
الطاهر- هل هو زهد بالخلود ؟
– لا ، ولكني لا أدين بالخلود ، وإنما هو لمجرد أني سأكون تراباً ، ما الذي يهمني لغيري أو للجيل الآتي الذي يرى إسماً ورسماً . القناعة بهذا – الآن حاصلة جداً. ومنذ عشرين سنة قلت :
وعلّلت أطفالي بشر تعلة      خلود أبيهم في بطون المجامعِ
وفي (الرصافي) قلت :
فيمَ التحايلُ بالخلود وكلهم      لحفيرةٍ ومفكرٌ لشبابِ ؟
الطاهر- ولكنك في هذه القصيدة تطلب للشاعر الخلود ( وانّك لتتحرّق إليه ) إذ قلت :
ليت السماء الأرض ، ليت مدارها     للعبقريِّ بهِ مكان شهابِ
يوما له ويقال : ذاك شعاعه     لا محض أخبار و محض كتابِ
– لا ، وانما أردت أن أقول : ليت الخلود يتبدل إلى شيء مرئي ، إني أتمنى أن يتحقق الخلود المادي المحسوس ، لكن ذلك لا يتحقق ، إنّ الخلود الذي هو الضياع لا يوما إليه :
حسبي بليت تعلّة إذ ميتةٌ      حتمٌ وإذ آجالنا بنصابِ
والمسألة لدي تصاعدية ، وتصير أعمق مع الزمن ، وهي الآن 100-100، الخلود مسألة سخيفة ..
الطاهر- إذا يئس إنسان من الخلود فماذا يكون ؟ يتشاءم ؟
– التشاؤم من الغراب لأنك تحب الطاووس .. ينتهي إلى التفاؤل في الحياة المادّية ويبدو حبّ الحياة لدي مبكراً ، قبل أربعين سنة قلت ((جربّيني))….)).
ويستطيع القارئ والناقد على حد سواء أن يمسك بخيوط نسيج الغربة الذي يحيط بروح الجواهري في كافة مراحله الشعرية والعمرية .. ففي كل مرحلة تستطيع العثور على العديد من النصوص المعبّرة الكاشفة عن حيرة الجواهري وغربته العميقة ، لكنها تأتي مع موجات متناوبة من الوضوح والانتماء والاستقرار النفسي سواء في نفس القصيدة أو في قصائد مستقلة . إنّ شعوراً بالموت ظاهراً أحياناً ومستتراً حيناً هو كرة الغزل التي تسحب منها خيوط الغربة التي تحاول أن تحيط بنسيجها ذات الجواهري فتلوّن مزاجه وشعره إلا أنه وبإرادة خارقة ينهض من تحت رماده ليمزق شبكة الاكتئاب والتشاؤم ويلقي بنفسه في خضم بحر الحياة واللذة العرم إلى أن يهوي متخماً بل ومغشياً عليه ، حينها ترفع شياطين تلك المشاعر المكبوتة بالموت وقابلية الفناء رؤوسها وتمد خيوطها لتنسج من جديد شبكتها السوداء.. وهكذا.. ومن الطبيعي أن يختلف طول كل ّموجة ويتباين لونها وحدتها حسب وضع الشاعر النفسي… وإحباطاته وظروفه الاجتماعية والسياسية..
وليس أدل على تناوب موجات الموت والحياة ، الخلود والفناء ، التشاؤم والتفاؤل واليأس والأمل من قصيدة (الرصافي) التي أشار إليها الدكتور (الطاهر) في لقائه بالجواهري . فرغم أن الأخير حاول تسفيه فكرة الخلود وتسطيحها وهو في بداية العقد السابع من عمره المديد إلا أن هذا الموقف المنكر لم يكن أكثر من آلية نفسية دفاعية تهدف إلى إخماد جذوة القلق نسبياً. وحتى هذا الانغماس في لذائذ الحياة المادية الملموسة والطامح إلى الاختناق بها هو رد فعل هروبي من ضغط الشعور بحقيقة أن كل لحظة تأتلق سوف تطفأ سريعاً بفعل قوة جائرة غير قابلة للتسويات ولا تسمح بالتصافق . ومثلما نفض جدنا العظيم (جلجامش) يديه مكرهاً من عشبة الخلود وأقتنع بأنه لن يستطيع مهما فعل أن يمحو المسافة بين الله والإنسان والتي تتمثل بالخلود ، عاد (حانقاً) و(معطوباً نفسياً) ليحاول تسطير خلوده الشخصي من خلال الكلمة والتي تمثلت في جهود الشاعر الذي سطّر ملحمته ، ملحمة جلجامش ومسيرة الأهوال التي واجهها وتحديه للآلهة والذي لا زلنا نحتفي ونتماهى مع صرخته التي ضمتها : لماذا أموت ؟ وهي أول صرخة احتجاج على القدر البشري الذي قسمته الآلهة في تأريخ البشرية ، ومن خلال العمل الإنشائي المبدع الذي يفخر به أمام (أورشنابي) ملاّح (أوتنابشتم) وذلك من خلال وصف أسوار (أوروك) العالية : أقول مثلما عاد جلجامش ليقوم بتسطير خلوده الرمزي بعد أن نفض يديه من تراب الخلود الفعلي فإن الجواهري سعى طوال قرن من الزمان تقريباً إلى تسطير خلوده الرمزي من خلال الكلمة : شعره الكلاسيكي المبدع الذي جسّد من خلاله هموم شعب وأمّة بطريقة يمتزج فيها الخاص بالعام من خلال عنفوان نرجسي ناري يؤهله للإدعاء بتمثيل آمال أمة كاملة ، ومن خلال العمل الإنساني المبدع الذي يقول عنه أمام الدكتور (الطاهر) :
 (( لقد تركت الدنيا من أجل الصحافة ، ليس بفعل حب الظهور ولكني كنت أحب اللقاء مع الناس للتجاوب ، لأسماع الكلمة ، لأن الكلمة عزيزة علي…))..
لقد كان الجواهري أكثر انسجاماً في فعله حيث جاء عمله الإنساني قائماً بشقيه العملي والفكري إذا أجاز التعبير قائماً على أساس موحّد هو : الكلمة .
((إن شرط الخلود الأول هو الإبداع . أن يبدع الإنسان معناه أن يتجاوز ذاته ليحقق شرط وجوده . إن الوجود مرهون بالإبداع والإبداع وحده يكسب المرء الخلود. وعبر هذا يصح تحوير المقولة الديكارتية إلى ((أنا أبدع … إذن أنا موجود)) فالتلازم جوهري بين الإبداع والخلود. إذ أن كل أشكال الحياة الأخرى هي اجترار وحالة من الغيبوبة ، تنحو بالمرء باتجاه العادية . والعادية هي حالة من اللاوعي. حالة خروج الإنسان عن ملكاته الإبداعية )) . ولكن رغم كل المحاولات (المستميتة) يبقى الجرح عميقاً ، الجرح الذي يلحقه بنرجسيتنا واقع أننا سنموت في يوم ما ، وغير قابل للشفاء التام وسيهيج بهدوء مكتوم شعورنا بالإنجراح وسنستمر في مصارعته حتى لو نفضنا أيدينا من تراب الخلود واعتبرناه مسألة لا تساوي فلساً على حد تعبير الجواهري . لكننا نجد الجواهري وبعد عشرين عاماً من إعلان هذا الموقف يعود ليتساءل حائراً عن مصيرنا كبشر وهو في الواقع تساؤل عن مصيره هو في هذه اللعبة الجائرة ممّا يعبر عن عمق إنجراحه واهتمامه بما (سيتبقى) منه وعن إدراك – يبدو أنه رسخ مع تمادي الشيخوخة- بأنه (أُُلهية) أو (أسطورة خرقاء) بيد الموت .
((لكن الشعور بالموت كمشكلة يقتضي الشعور بالشخصية والذاتية أولاً ، لأنه بدون هذا الشعورلا يستطيع الإنسان إدراك الطابع الأصلي الجوهري للموت،.. لأنني أنا الذي أموت وحدي ، ولا يمكن مطلقاً أن يحل غيري محلي في هذا الموت . ولهذا نجد أنه كلّما كان الشعور بالشخصية أقوى وأوضح ، كان الإنسان أقدر على إدراك الموت : وبالتالي على أن يكون الموت عنده مشكلة .. ولهذا أيضاً لا يمكن أن يكون الموت مشكلة بالنسبة إلى من يكون ضعيف الشعور بالشخصية … واللحظة التي يبدأ فيها الموت بأن يكون مشكلة بالنسبة إلى إنسان ما ، هي اللحظة التي تؤذن بأن هذا الإنسان قد بلغ درجة قوية من الشعور بالشخصية ، وبالتالي قد بدأ يتحضر )) .
 وهذا ما يقوله الدكتور (عبد الرحمن بدوي) في كتابه (الموت والعبقرية) ، (ص7-8) . ولأن الجواهري قد بلغ درجة قصوى من درجات الشعور بالشخصية معبراً عنها في تلك النرجسية النارية العنيفة فأن شعوره بالموت كمشكلة سيكون شعوراً عاتياً شئنا أم أبينا ، وسيكون الإنجراح النرجسي باهضاً وشديداً وسيكون الاندفاع ، المحكوم لا شعورياً ، للتغلب على هذه المحنة أو مصارعتها دائماً من خلال أداة خلق قادرة على برء هذا الجرح نسبياً وهي هنا أداة الشعر وعوالمه الباذخة . وإلا لكان الجواهري قد استمر في العمل في البلاط أو النيابة أو…أو..الخ.. وكلها تقدم له ملذات الحياة التي أشار إليها في اللقاء وتعفيه من آلام الشعر وتبعاته المدمرة.. لقد حرمه الشعر حتى من ((شبر)) في وطنه الذي أحبه… ومن الطريف أن الجواهري سُئل في هذا اللقاء عما يرغب أن يكونه لو لم يكن الجواهري الشاعر فأجاب : ((بائع فشافيش) – أي بائع لحمة مشوية !!!- .
ومن المؤكد أن أي بائع – مهما كان ما يبيعه – لم يواجه الآلام والأهوال والأوجاع والملاحقات التي واجهها الجواهري الشاعر .. لكن هذا لا يبرّر إلا بالاختيار المحكوم والمعزّز للنرجسية النارية العنيفة بوجه جرح الموت الباهض.. لم تكن الغربة والموت والاكتئاب مرحلة في حياة بل امتدت ، متناوبة ، في حياة كاملة أمدها قرن من الزمان .
تبقى مسألة أخيرة في هذا الإطار فقد قال الجواهري في لقاء (الطاهر) :
((وهنا يأتي المزاج العنيف ، أنه لا يعرف الوسط . العنف عنصر في المزاج الشعري وهو علامة من علامات خبال الشاعر.. العنف هو الأساس..)).. وإذ تعرضنا لانفعالية الجواهري العنيفة سابقاً وهي المرتبطة بنرجسيته النارية فإن العنف الذي يسم صوره الشعرية :
أرى أُفقاً بنجيع الدماءِ          تنوّر، واختفت الأنجمُ
وحبلاً من الأرض يُرقَ به      كما قذف الصاعد السلّمُ
إذا مدّ كفاً له ناكث             تصدى ليقطعها مُبرِمَ
أو:
أتعلم أم أنت لا تعلمُ      بأن جراح الضحايا فمُ
وبصورة أكثر عموماً، يمثل عنف ولادة ورعد خلقٍ وكأنّ الأمر ردة فعل على هشاشة المخلوق ومحاولة صاخبة وضاجة لتوكيد القدرة على اللعب بالمصائر وتشكيل ما تعي قوىً أخرى على تشكيله بغية التحصّن النرجسي :
 ((أنا أخلق كما خلقت وعليه فأنا عصيّ عن الفناء)) .
 ولعنف انفعالية الجواهري ونارية نرجسيته نجد أن الدم هو معين الحياة وليس الماء. وهذا يحيلنا إلى كثرة صور الدم التي تمنى (جبرا إبراهيم جبرا) معالجتها في شعر الجواهري :
أتعلمُ أن جراح الشهيد     من الجوع تهضم ما تَلْهمُ
تمصُّ دماً ثم تبغي دماً    وتبقى تلحُّ وتستطعمُ
* يقول الجواهري:- البلاط ، البلاط الذي لا يستطيع أن يصل أليه كل واحد بارك لي ذلك (فيصل) وكان يحبني حباً خالصاً. وقال: أنه جسر ولكني قطعت الجسر وحباله. وتركت البلاط لأصدر جريدة..

 

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *