الرئيسية » نقد » ادب » قراءة انطباعية في المجموعة القصصية (العرض الأخير) للقاصة ميرفت الخزاعي

قراءة انطباعية في المجموعة القصصية (العرض الأخير) للقاصة ميرفت الخزاعي

يقول روبرت ستيفنسن ( الفن يكمن في الحذف) يبقى الكاتب هاويا لو قال في جملتين ما يمكن قوله في جملة واحدة.
من خلال قراءة مجموعة القاصة ميرفت الخزاعي المعنونة ب(العرض الأخير) وهي المجموعة الثانية بعد مجموعتا القصصية الأولى ( حرير فراشة الحكايات) تتضح لنا قدرتها الابداعية على تقديم قصص مكثفة خالية من الحشو أو الكولسترول الذي يرهق بدن القصة. نحن نعرف إن القصة الحديثة لم تعد تلك التي تبدأ بالتمهيد ثم الذروة ثم الخاتمة ولم تعد تلك التي ترى ان القارئ متلق فقط بل تثير فضوله ليتفاعل مع النص وليكون جزءاً منه.
______

تأتي افتتاحيات مجموعة “العرض الأخير” في اتكائها على الأفعال الماضية في أغلبها ثم المضارعة التي تبعث الحركة والحيوية في النص السردي، كما هو الحال في قصة “نخيل يعانق الجبال” وقصة “سلاح أبيض” وقصة “مقتنيات حكومية” إلى آخره.. وكذلك استخدامها لأسلوب الاستفهام والبوح وكلها تصب في حرص الكاتبة أن تُدخِل القارئ في عالمها القصصي دون تقدمة أو تهيئة، وهو ما كان له مردوده القوي في الإقبال على مواصلة الكشف وتقصي الأحداث التي ستتوالى مع مزيد من التقدم في اقتحام السطور.
______
على الرغم من رأيي الشخصي الذي يرفض دائما المجاميع القصصية المشتركة التي تحمل بين دفتي غلافها قصص قصيرة وقصيرة جدا ألا أني أقتنعت للمرة الأولى حين قرأت العرض الأخير، وذلك لوجود قصص قصيرة مكثفة دون مقدمات تمت صياغتها باسلوب واحد حالها حال القصص القصيرة جدا الموجودة في المجموعة.
_______

جمال الفكرة وبراعة السرد وحدهما لا ينفعان اذا ما لم ترافقهما خاتمة توزايهما أو تفوقهما جمالا ففي الصفحة الخامسة عشر قصة بعنوان ” نخيل يعانق الجبال” كم تمنيت ان تكون خاتمتها بمقدار جمال فكرتها بصراحة القصة كانت تحتاج للتأني قليلا، قاصة بحجم ميرفت الخزاعي لن يصعب عليها خلق خاتمة تليق بقصة نخيل يعانق الجبال.
_______
ثمة قصص كل واحدة منها بحاجة لدراسة كاملة، لذلك سأكتفي بالحديث عن قصتين فقط.
_______
في قصة “بيتُ الدمى” يحيلنا هذا النص إلى مسرحية بيت الدمية للروائي الدنماركي هنريك إبسن التي أحدثت ثورة في فن المسرح من خلال انتقادها للمجتمع الذكوري آنذاك، التي كان بطلها ذلك الرجل الذي يبقى يعامل زوجته كالعصفورة أو الدمية المدللة طالما لم تخرج عن إطاعة أوامره.. أما قصة كاتبتنا هنا ثمة إشارات هي بمثابة ركائز في بناء هذا النص، هذه الركائز اختصرت لنا الطريق وجعلتنا نقف أمام شخصية صامتة، هذه الشخصية البشرية الذكورية وعلى الرغم من تعدد رغباتها ألا إنها صامتة. الشيء الوحيد الذي يتحدث هنا هي الدمى. هذه العرائس الجميلة التي كانت تتنافس فيما بينها حال اقترابه لأختيار واحدة يقضي طقوس سهرته معها من خلال الموسيقى أو الاغاني التي تطلقها من ذلك الشريط الذي يركن في مكان ما داخل هيكلها في محاولة منهن لاغراءه لتشاركه ليلته في مطالعة الكتب، هذه العرائس لم تدرك الكارثة التي أوشكت على نهايتها حتى أهداه صديقه دمية ذكية، وهذه إشارة أخرى بالإضافة إلى كون البطل كان كاتب ربما أو قارئ، فشخص بمثل هذه الصفات دائما يبحث عن أنثى تفهمه لتشاركه حياته، الدليل على ذلك إنه عند وصول عروسه الذكية امتنع من مجالسة باقي الدمى اللاتي لا يعرفن سوى نفس اللغة ونفس الحوار الذي يتكرر دائما من خلال الأغاني او الموسيقى المسجلة بداخل كل واحدة منهن، الغيرة والحسد كان لها دورها في النص، حين إنتهى من ليلته ووضع عروسه الجديدة بالقرب منهن حتى بدأ الشجار وعمت الفوضى، وما أن وقعن من أعلى الرف وتحطمن إلى اجزاء متناثرة إلا تلك الذكية التي بقيت منتصبة في مكانها حتى تخلى وبكل بساطة عن عرائسه القديمة ليحتفظ بمن صارت المفضلة لديه. بيت الدمى قصة عراقية بنكهة فرنسية ومن أكثر القصص التي راقت لي في المجموعة.
_______
في قصة “العرض الأخير” هذا العنوان الذي أتخدته قاصتنا عنواناً لمجموعتها يصور لنا مشهدين لا ثالث لهما: المشهد الأول هو مطاردة ذلك العاشق الصحفي الفقير مع حبيبته التي تحاول إمناعه من محاربة أهلها الذين ينتمون وكما وصفتهم القاصة إلى حزب الشيطان كي لا تجهض أحلامهم، وينتهي هذا المشهد حال وصولهم إلى خيمة للسرك الجوال الذي وصفته “بالمكان المناسب للعاطلين عن الأمل لمن لفظتهم الحياة”. لتختم لنا مشهدها بجملة تختصر المسافات لتعرض لنا الحياة بكلمات محدودة دون زيادة أو نقصان قائلة: “ما الحياة إلا سيرك كبير وداخل كل واحد منا ساحر عظيم. هذه الجملة برأيي هي قصة مستقلة بحد ذاتها لو عنونت بالعرض الأخير.
أما المشهد الثاني: يكاد لا يخلو من الغموض ولكن يصاحب هذا الغموض عدة إشارات تأخذ بيدنا إلى أبواب مفتوحة: على سبيل المثال استخدامها للحمامة، هذا الرمز الذي بات شائعاً في شتى الفنون للتعبير عن السلام إلا في عمل واحد، ألا وهو رواية الحمامة للروائي الألماني باترك زوسكيند الذي استخدمها رمزا للخوف. نجحت قاصتنا في وصف هذا المشهد ببراعة من خلال إرباك القارئ وجعله يبحث وينتظر مع الفتاة حضور العاشق الذي أختفى بعد القاء القبض عليه عندما امسكوا بهما متلبسين بالعشق، وحدها الحمامة كانت تطمأن عليها، أثارت هذه الحمامة فضولهم، فهي لا تتأخر عن موعدها في الاطمئنان عليها، الشك والقلق الذي بات يساير ذويها جعلهم يسرعون ليدخلوا غرفتها التي وضعت فيها جبراً كي لا تحاول الهروب مجددا مع حبيبها، ما أن دخلوا حتى وجدوا الحمامة جالسة عند رأسها، فتشوا ارجلها ظناً منهم بوجود برسالة وبعدها قصوا جناحيها، وفي اليوم التالي حين نظرت من زجاج نافذتها اكتشفت ان حبيبها المرمي في باحة الحديقة مقطوع الذراعين هو نفسه تلك الحمامة التي كانت تطل عليها في كل حين. العرض الأخير هي قصة من النوع الفاخر. قصة لا يكتبها سوى الكبار ولا شك إن ميرفت الخزاعي من ضمنهم.

خلدون السراي
٢٠٢٠/٢/٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *