الرئيسية » مقالات » مهدي عيسى الصقر: متى نتعلم كيف نجعلهم يحترموننا !؟ (ملف/9)

مهدي عيسى الصقر: متى نتعلم كيف نجعلهم يحترموننا !؟ (ملف/9)

إشارة :
مهدي عيسى الصقر واحد من بين أهم روّاد التجديد في القصة والرواية العراقية. ومنذ مجموعته “مجرمون طيّبون” (1954) التي قدّم لها الراحل الكبير السيّاب، أغنى المكتبة السردية العراقية بقصص وروايات شكلت نقلة في المسار السردي في العراق. ولم يُستذكر الصقر إلّا بعد أن أُصيب بجلطة دماغية قضت عليه بعد مدة قصيرة فأرسلوا إليه باقة زهور. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عنه بالدراسات والصور والوثائق وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية لأن لا زمن يحدّ الإبداع العظيم.

في اول زيارة لي، الى لندن، قبل أكثر من أربعين عاما كنت أخرج، كل يوم، أجوب الشوارع ماشيا، احاول أن أتعرف على معالم المدينة الكبيرة. وفي يوم ذهبت أبحث عن شارع معين، لسبب ما عدت أتذكره الآن، سألت رجلا بريطانيا وجدته يقف على الرصيف، عن مكان الشارع، تأملني الرجل ثم قال لي:
” cant you read you asians”
الا تستطيعون القراءة، أنتم الآسيويون !
لم أنتبه الى انني كنت اقف، في الشارع الذي كنت أبحث عنه، والذي كان اسمه مثبتا، على الرقعة، في أعلى الجدار، لم تصدمني كلمات الرجل، في حد ذاتها، لأنني كنت أنا المخطيء ما صدمني – و بشكل عنيف – كان نبرة صوته، وهو يكلمني أذ كشفت لي عن كراهية لا حدود لها للعرب، وللآسيويين عموما. كذلك أغاظتني نظرة الازدراء في عينيه. بعد ذلك شاهدت، وعايشت، الكثير من مظاهر هذه الكراهية.
ان تصريح جورج بوش الابن، عن حربه الصليبة، بعد الهجوم الرهيب على نيويورك، و واشنطن ( والذي قالوا عنه، فيما بعد، انه زلة لسان) وكلمات سيلفيو برلسكوني، رئيس وزراء ايطاليا التي اطلقها في المانيا، عن تفوق الحضارة الغربية على الحضارة الاسلامية ( والتي حاول أن يتبرأ منها بعد ذلك) وعشرات الكلمات والمقالات الصحفية، التي تشتم العرب والمسلمين، بشكل مسعور، هذه الأيام، ماهي سوى نموذج صغير، وصغير جدأ، من الجزء الظاهر، من جبل جليد الحقد الغربي، على العرب والمسلمين، اما الجزء الآخر – الكتلة المهولةمن هذا الجبل، والتي تختفي تحت سطح الماء – فهو فظيع!
اعتقد ان الغرب لا يستطيع أن يغفر لنا أننا تحررنا من عبوديتنا له سنوات طويلة.
نحن لا يهمنا أن يقع الغرب، او تقع الولايات المتحدة، في حبنا، ما يهمنا هو أن يحترموا قدراتنا، وحضارتنا. ولكن لا احد، في هذا العالم، يحترم من يرخص نفسه، ويعطي ما عنده، الى الآخر، بسهولة، وبلا مقابل، ونحن – باستثنأء بلدين أو ثلاثة- نفعل هذا تماما! وهذا ما يبعث على الاحساس بالمرارة حقا.
قبل تأميم النفط في العراق، عملت في العلاقات الصناعية، وفي احدى المرات تقدمت نقابة العمال ببعض الطلبات، الى الادارة البريطانية للشركات، كنت أساعد في الترجمة، أثناء جلسات المفاوضات، بين وفد النقابة، ومدير العلاقات الصناعية الانجليزي، وبحكم عملي كنت أطلع على المراسلات الجارية بين الادارة المحلية، ومقر الشركات، في لندن، اكتشفت ان المقر لا مانع لديه من تلبية طلبات النقابة، إلا أنه يقترح مواصلة المفاوضات، بدون إعلام النقابة بالموافقة، كانت البرقيات الواردة من لندن تقول ” keep talkinq ” (استمروا بالكلام !). وقتها لم أفهم الحكمة وراء هذا السلوك الذي بدا لي غريبا، اذا كانو موافقين فلماذا هذا المماطلة والارجاء !؟ قلت لمدير العلاقات الصناعية ( الذي كان يفاوض النقابة باسم الشركات) لماذا تتركونهم معلقين، ينتظرون، ما دتم ستعطونهم ما يريدون، في النهاية، كان الرجل صريحا، قال اذا أعطيناهم ما طلبوا، هكذا، بسهولة، بدون أن نجعلهم ينتظرون، ويتعبون، من أجل الحصول، على ما يريدون فسوف يتصورون ان هذا من حقهم، ولا فضل لنا به عليهم، اما اذا تركناهم معلقين، بعض الوقت، حائرين لا يعرفون نوايانا، فسوف يقدرون قيمة ما سنعطيهم، في نهاية المطاف، ويحسبون لنا حسابا، ويهاوبننا، هذا هو المنطق، الذي يتعامل به الغرب، ونتعامل به الولايات المتحدة مع الطرف الآخر.
إن عيبنا الكبير اننا لا نتبع معهم هذه السياسة، بل نعطيهم كل ما يريدون، بسهولة، بلا مقابل، أو مقابل تافه، وبدون أن نفرض عليهم شروطنا (مع ان مطالبنا عندهم كثيرة، في مقدمتها ايجاد حل عاجل لماساة الشعب الفلسطيني، التي يعملون هم أنفسهم على بقائها). لهذا السبب هم لا يقدرون قيمة ما نعطيهم (مع أن عجلة حياتهم لا تدور بدون نفطنا !) وفوق ذلك يستخفون بنا، وبحضارتنا والغريب اننا نندهش ( ونتحدث عن الازدواجية، في المعايير) عندما نراهم يأخذون من خيراتنا، ويجورون علينا، في حين يمنحون اسرائيل كل ما تريد، و بسخاء مع أنها لا تعطيهم شيئا !
فمتى نتعلم أن نكف عن بيع أنفسنا اليهم، برخص التراب – سياسة و موارد- لكي يحسوا بنا، ويقدروا قيمة ما يأخذون منا، ويحترموننا، ويحسبون لنا حسابا – كما يحسبون لاسرائيل !؟

– تشرين اول – 2001

*من موقع المبدع الراحل مهدي عيسى الصقر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *