حسين سرمك حسن: قصة “زوجة محارب” لمهدي الصقر .. الصرخة النهائية المرعبة للحرب (ملف/5)

إشارة :
مهدي عيسى الصقر واحد من بين أهم روّاد التجديد في القصة والرواية العراقية. ومنذ مجموعته “مجرمون طيّبون” (1954) التي قدّم لها الراحل الكبير السيّاب، أغنى المكتبة السردية العراقية بقصص وروايات شكلت نقلة في المسار السردي في العراق. ولم يُستذكر الصقر إلّا بعد أن أُصيب بجلطة دماغية قضت عليه بعد مدة قصيرة فأرسلوا إليه باقة زهور. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عنه بالدراسات والصور والوثائق وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية لأن لا زمن يحدّ الإبداع العظيم.

” الساعة تقارب الحادية عشرة مساءً، المطر في الخارج ، ينزل برفق ، تكاد لا تسمع له صوتاً. لكنك إذا ازحت الستارة ، عن النافذة قليلا ً ، فسوف ترى اسفلت الشارع المبلول يلتمع في ضوء المصابيح ، صوت المغنية ياسمين الخيام يتردد ، خفيضا ً ، عذبا ً في فضاء الغرفة ، وانا أقرأ مسرحية عن الحرب ، للكاتب البريطاني ” جون كوري “حيث يقول جندي جريح :
” سوف اجلس في الايام الجميلة في الشمس ،
اشعر بها تدفىء قناعي من القطن الطبي ،
رجل دونما أنف ، ونصف فروة رأس ،
ربط فكيه بالأشرطة ، والخرق البيض ،
ينصت للنسيم ،للأقدام العابرة ،
لسيقان النساء الرقيقات. ”
ان قراءة مثل هذه الكلمات ، من رجل عاد من الحرب مثخن بالجراح ، تجعلك تقاوم الشعور بالإحباط ، وتواصل الكتابة . ”
مهدي عيسى الصقر
من كتابه ” وجع الكتابة “

في العام 2001 كنت قد اصدرت الجزء الأول من كتابي عن المبدع ” فؤاد التكرلي ” ، ثم بدأت بالإعداد والتحضير لكتابة مسودات الجزء الثاني ، فكان لزاماً علي ّ أن أتابع وأحفظ و ( أؤرشف ) كل ما يصدره المبدع من روايات وقصص وأغلب ما ينشره من مقالات ولقاءات صحفية . في نفس الوقت كنت اوشك ان انهي الجزء الأول من مشروعي عن الراحل الكبير ” مهدي عيسى الصقر ” والذي نشر فيما بعد بعنوان” مخيرون بالشعور ، مسيرون باللاشعور ” عن دار الشؤون الثقافية ببغداد المحروسة . وكنت ولنفس السبب أجمع كل ما ينشره ” الصقر” وأغلب ما يكتب عنه . في لقاء صحفي اجري مع المبدع ” التكرلي “، لفتت انتباهي إشارة منه الى قصة مهمة أعجبته كثيرا ً للراحل ” الصقر ” اسمها ” زوجة محارب ” .
ولأن هذا النص يقع ضمن مشروعي الضخم عن أدب الحرب والذي اسميته ” أدب الحرب الكبير يكتب بعد الحرب ” وصدر الجزء الأول منه بعنوان ” قطار الشظايا الندية ” فقد ارسلت رسالة الى الاستاذ ” الصقر ” بيد العزيز الشاعر الراحل ” حسين الحسيني” الذي كان حلقة الوصل بيني وبين ” الصقر ” ينقل وبكل تواضع ــ طلباتي من الصقر ويأتيني بكل ما أحتاجه منه فكان له فضل كبير في الإعداد لكتابي عن الراحل . بعد تأخير بسيط سلمني ” الحسيني ” رسالة من الاستاذ ” الصقر ” ثبت تاريخها في أعلى الصفحة ” السبت ، 24 شباط ، 2001 ” يعتذر فيها الراحل عن التأخير بسبب انشغاله في متابعة طبع مجموعته القصصية الجديد ” شواطىء الشوق ” ، مع إرساله نسخة من قصة ” زوجة محارب ” والتي يشير إلى انها لم تنشر حتى الآن ولم يفكر بعد في ادخالها في اية مجموعة .
قصة هذه القصة كما يرويها كاتبها :
في كتابه ” وجع الكتابة ــ مذكرات ويوميات ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد ــ 2001 ” يروي المبدع الراحل ” مهدي عيسى الصقر” الكيفية التي التقط فيها موضوع قصته” زوجة محارب ” والآليات الواعية واللاواعية التي فعلت فعلها في تحويل هذا الموضوع الى نص ابداعي :
” 9 كانون الأول ( ديسمبر ) : 1999
انتهيت من كتابة اقصوصة اسميتها ( زوجة محارب ) شغلتني تسعة ايام ، اذ كتبت عدة مسودات لها ، حتى اقتنعت بانها اكتملت بشكل لابأس به . حفزتني الى كتابة هذه الاقصوصة رؤيتي لإمرأة تخبز في تنور ، على قارعة الطريق ، في فسحة من الارض ، امام هيكل لقصر كبير ما يزال العمال بشتغلون في اتمامه ، اشتريت منها خبزا ً لأعرف حكايتها . قالت ان أباها يعمل حارسا ً للبناية وانهم يعيشون في احدى الحجرات ” هناك ” واشارت الى حجرة ما يزال بابها ونوافذها ، محض فتحات يغطيها خليط غريب ، من الخرق والاسمال واكياس الاسمنت ( الفارغة ) ، وان امامهم بعض الوقت ، حتى يكتمل البناء ويأتي اصحابه ، ليقيموا فيه ، وهي تعمل لتنفق على علاج زوجها الذي عاد من الأسر، لدى الاعداء ، يحمل معه جرحا ً في ساقه . ولم تكن حاله سيئة كثيرا ً ، الا ان قرحة نشأت بعد ذلك ، في مكان الجرح ، واخذت تنخر في الساق والاطباء ينصحون الان ببترها. شاهدت معها طفلا ً صغيرا ً جميلا ً بشعر اشقر يلمع في الشمس ، يلعب بالحصى على مسافة قريبة ، عرفت انه ابنها ، طلبت مني المرأة ان اساعدها في حمل طست العجين ، من داخل الحجرة ، تبعتها ، وعندئذ شاهدت زوجها المصاب ، راقدا ً تحت الاغطية في احدى الزوايا، يعاني اوجاعه ، في صمت ، عيناه تلتمعان ، في العتمة ، وفي نظرته الينا ــ انا وزوجته ــ احساس بالحرج والهوان ، اذ يرى امرأته تستعين برجل غريب ” ( ص 66 ــ 67 ) .
ويلخص الراحل المبدع فلسفته في استثمار ما هو واقعي وتحويله الى عمل خلاق ونظرته الى انفعال الكاتب وانفعال المتلقي ونظرته الى جانب من غاية الفن واهدافه الاجتماعية فيقول : ” اذا اردنا شيئا ً من البقاء لما نكتب ( لبعض الوقت ، طبعا ً اذ لاشيء يدوم في النهاية ) فعلينا ــ في تقديري ــ ان نكتب عن شيء يترك صدى في نفوس الآخرين . وليس شرطا ً ان يكون الموضوع الذي نتناوله كبيرا ً ، يكفي هاجس بسيط يحرك مشاعر القارىء ، ويترك في نفسه اثرا ً يدفعه الى قليل من التأمل ” ( ص 67 ) . وفي يوميات تشرين اول ( اكتوبر) 1990 يعود ــ وبعد ان اكمل كتابة هذه القصة ” زوجة محارب ” ــ الى ذكر تفصيلات اكثر اهمية وتتصل بآليات عملية الخلق الابداعي بصورة اكثر حميمية وسخونة فيقول :
” خرجت في مسيرتي اليومية . السماء خالية من الغيوم ، والهواء معتدل . مررت بالمرأة ، التي كتبت عنها قصتي القصيرة ” زوجة محارب ” . وجدتها ما تزال تقف ، بجوار تنورها ، تخبز، وعلى مسافة ليست بعيدة جلس زوجها ، الذي عاد من الأسر لدى الاعداء ، يحمل جرحا ً في ساقه ، المرة الأولى التي اشاهده فيها ، خارج الحجرة المعتمة ، حيث كان يتمدد ، في الزاوية ، يعاني آلامه ويأمل في شفاء قريب ، في النهاية . غير ان الجرح راح ينخر في العظم ، فاضطر الرجل في النهاية ، الى الرضوخ ، لمنشار الجراح ، وها هو الآن يجلس علر حصيرة فرشتها له زوجته ، على الارض ، يغطي ما تبقى من ساقه المبتورة ، بذيل دشداشته ، يتأمل زوجته تخبز ، ويداعب طفله الصغير ، الجالس بجانبه ، وبجواره ، على الحصيرة ، تستلقي عكازته المعدنية ، تلمع في ضوء الشمس .. هؤلاء ، إذن ، هم شخوص اقصوصتي ، جاءوا من المجهول ( فانا لا اعرف عن ماضيهم شيئا ً ) ودخلوا حياتي ( او لعلي انا الذي اقتحمت عليهم دنياهم ) وتركوا بصماتهم في ذاكرتي ، ثم خرجوا ، عند الجملة الأخيرة من اقصوصتي ، ليتابعوا حياتهم ، بعد ذلك ، بمعزل عني ، وبعد ان غيرت كلماتي من ملامحهم ، وبعد ان لوَن كل طرف حياة الطرف الآخر ، واضاف اليها ظلالا ً، ما كانت موجودة من قبل ، تأملت البناء ، الذي يعمل فيه والد المرأة حارسا ً ، رأيته يوشك ان يكتمل . لقد تحدد مسار حياة هذه العائلة ، خارج سياق القصة ، دون تدخل مني ، اذ سيأتي اصحاب البيت يقيمون فيه ، ولن يكون لوجود الحارس ضرورة ، وسف يهدم التنور ، الذي بنته ابنة الحارس ، لتعيل زوجها المعوق وابنها الصغير ، وستحمل العائلة امتعتها القليلة ، ويتوكأ الزوج ، على عكازته المعدنية ، ويرحلون جميعا ً ، نحو مصائرهم المجهولة ، ولن يتبقى منهم غير كلمات قليلة على الورق ربما تكون اكثر ثباتا ً من واقعهم المهزوز . ” ثم يختم هذه اليوميات المتعلقة بالقصة بالعودة الى الحديث عن المسافة ( الانفعالية ) المحسوبة بين المثير / الموضوع / الواقع وبين المستجيب / المبدع خصوصا ً عندما يكون الكاتب مكتويا ً بنيران المحنة التي تحاصر مجتمعه ويتقلب على السنتها شخوص قصصه فيقول :
” لكي تستطيع ان تكتب ، وسط المعاناة اليومية ، التي تمس حياتك ، وحياة الآخرين من حولك ، تحت جور الحصار واعراضه الجانبية ، يتوجب عليك ان تفلسف الامورمن اجل ان تحمي نفسك من الصدمات العاطفية ، خصوصا ً اذا كنت تكتب عن اشياء ربما تكون بعيدة عما يكابده الآخرون ، هذه الايام ” ( ص 88 ــ 90 ) .
تأملات تحليلية : من ارض الواقع الى سماء المخيلة :
كيف نقل ” مهدي عيسى الصقر ” الحدث من ارض الواقع الصلبة الى ( ارض ) النص الرجراجة مستدعيا ً من مخزون ذاكرته ومشكلا ً اياه في سماء مخيلته ؟ يبدو الحدث بسيطا ً وبعيدا ً عن التعقيد في شكله الموضوعي ( الخام ) ، كما ان النظرة المباشرة والسريعة تشير الى انه بقي ايضا ً بسيطا ً بعد ان حوله المبدع الى اقصوصة . لكن النظرة التحليلية العميقة الى استكشاف اغوار النص تظهر غير ذلك في قصة يعد صاحبها من رواد المدرسة الواقعية في الكتابة القصصية في العراق منذ ان نشر مجموعته الاولى ” مجرمون طيبون ” في العام 1954 والتي كتب مقدمة لها الشاعر ” بدر شاكر السياب ” . يرى ” الصقر” ان شخوص الفصة : الإمرأة وزوجها المعاق وطفلها قد جاءوا من المجهول لانه لا يعرف عن ماضيهم شيئا ً ودخلوا حياته ، ثم يضع صيغة احتمالية تقول ” او لعلي انا الذي اقتحمت عليهم دنياهم ، في حين ان الصيغتين ينبغي ان توضعا في هيئة معادلة متوازنة يحكم كلا ً من طرفيها شروط خاصة . فعمليا ً وجدنا ان ” الصقر ” وعبر رياضة المشي التي يمارسها كجزء من طقوسه الابداعية ــ هو الذي التقط الحدث اولا ً ثم اقحم نفسه في عالم هذه العائلة الصغير ثانيا ً ليعود و ” يتلاعب ” بحيوات الشخوص وفق مشيئته الابداعية ثالثا ً . وهو حين يضيف الصيغة الاحتمالية ( اة لعلي انا …) فانه يحاول التخفف من الشعور بالذنب ، لأن أي فعل ابداعي ينطوي ــ في ذاته ــ على بعد ” جرمي “ونوايا “جنائية “اذا جاز التعبير لأن فيه خرقا ً بحدود لحيوات اخرى وإقلاق لمسارات الآخرين السلوكية ومحاولة ماكرة لفضح خصوصياتهم من ناحية والتملص من الدوافع الشخصية المسمومة للمبدع من خلال اسقاطها عليهم من ناحية اخرى . شخوص المبدع ما هي إلا ” اكباش فداء اسقاطية ” في الغالب. وضمن افرازات هذا المخطط الاسقاطي يأتي الشكل ( المتناقض ) للعبارة التالية ” … ثم خرجوا …بعد ان غيرت كلماتي من ملامحهم ، وبعد ان لوّن كل طرف حياة الطرف الآخر ، واضاف اليها ظلالا ً، ما كانت موجودة من قبل ” . ان المبدع هو الذي يخرق حدود و ” حرمات ” حيوات الآخرين ــ الفعليين او المتصورين ــ ويغير ملامحهم بنواياه وكلماته ويمنحها ظلالا ً جديدة مسقطة من مخزونه اللاشعوري ومكبوتاته بشكل خاص . ويبدأ هذا ” التعدي ” من لحظة ( الانتباه ) الى الحدث الواقعي والذي تتم اعادته من خلال ( الالتفات ) لجزئية بسيطة او لتفصيل دقيق يمثل عود الثقاب الذي يشعل حزمة الحطب المختزنة والمرجأة طويلا ً ، وفي ذلك لا تلعب الشروط الموضوعية سوى دور ثانوي وتحكم الشروط الذاتية جل آليات الانتباه والالتفات . فكم من المبدعين شاهدوا امرأة تخبزامام هيكل لقصر كبيرلم يكمل بناؤه بعد ولم يلتقطوا ( اهمية ) هذا المشهد ؟ قد يكون ” مهدي عيسى الصقر ” هو ” الكاتب ” العراقي الوحيد الذي أقام قصة على اساس مشهد ( بسيط ) ( التقطه ) مصادفة وهو مشهد امرأة تخبز امام هيكل قصر لم يكمل فقرر اقتحام حياتها كما قال في يومياته : ” حفزتني الى كتابة هذه الاقصوصة رؤيتي لامرأة تخبز في تنور .. فاشتريت منها خبزا ً لاعرف حكايتها ” . وعزم الكاتب على التعرف على الحكاية يرتبط بـ ( اهمية ) الذي حرك سبابته وأغوى الكاتب واستدرجه .. وهي اهمية لا يمكن فهمها مطلقا ً دون ادراك المعنى الرمزي الذي يحمله المشهد بالنسبة للاشعور الكاتب . ويتجلى الدورالحاسم لهذا المعنى الرمزي من خلال مظاهر عديدة من بين اهمها ( الانتقائية ) التي يتعامل بها الكاتب مع مكونات موضوعه . فقد توفر للصقر ( موضوع ) اكتملت احداثه على مرحلتين :
المرحلة الاولى وهي التي ذكرها في يوميات يوم 9 / كانون الاول /1989حيث شاهد امرأة تخبز في نتور على قارعة الطريق امام قصر في طور التشييد . علم من الزوجة ان أباها ًيعمل حارسا ً للبناية وهي تعمل لتنفق على زوجها الذي عاد من الأسر بجرح في ساقه تطور الى قرحة فساءت حالته ويقترح الاطباء ــ الآن ــ بتر ساقه . شاهد طفلها يلعب بالحصى ، طلبت منه مساعدتها في حمل طست العجين من الحجرة فشاهد زوجها المصاب .
المرحلة الثانية هي التي ذكرها في يومياته لشهر تشرين الاول / 1990 ــ أي بعد سنة تقريبا ً من اللقاء الاول ــ حيث شاهد ــ من جديد ــ المرأة تخبز في التنور وزوجها ــ اذي بترت ساقه الآن ــ يجلس على حصيرة يتأمل زوجته ويداعب طفله ، بجانبه تستلقي عكازته المعدنية وهي تلمع في ضوء الشمس .
فما الذي انتقاه الصفر من هاتين المرحلتين ؟ ما الذي ابقاه من مكوماتهما وما الذي اهمله ؟ وما الذي تلاعب به وكيف تم هذا التلاعب ؟ وما هي ( المصلحة ) او ( المصالح ) النفسية اللاشعورية التي تقف وراء ذلك ؟
لقد انتقى الصقر ــ وهو امر له مدلولات فنية ونفسية كبرى ــ المرحلة الاولى فقط وأتم قصته ــ او اقصوصته حسب وصفه ــ خلال تسعة ايام بعد ان شاهد المرأة للمرة الاولى . لقد اكتفى بما اطلع عليه من تفصيلات عن حياة شخوصه في تلك المرحلة واهمل كل تفصيلات المرحلة الثانية بصورة كاملة ، اهملها ليس لأنها غير مهمة بالنسبة لمصائر شخوص قصته ولكن موقفه ( الفلسفي ) هو الذي فرض ذلك الموقف كما سنرى بعد قليل . وعندما نقرأ القصة ” زوجة محارب ” بدقة وأناة سنجد ان القاص قد جعل المرحلة الثانية متضمنة ومتداخلة ضمن حوارات القصة ومستشرفة وهذا هو عمل الفنان الأكثر اهمية بصورة ايحاءات غير مباشرة نثرها في مواقع مختلفة من مسار سرد وقائع المرحلة الاولى . لقد اطمأن القاص الى ان ما التقطه في المشهد الأول امرأة تخبز على قارعة الطريق ــ من المرحلة الأولى هو المفتاح السحري والبسيط الملقى على قارعة الطريق ــ كما يتحدث الجاحظ عن المعاني ــ هو الذي سيستطيع استخدامه لفتح بعض خزائن لاشعوره التي تتململ شياطينها المغوية منذ زمن ، يستخدمه دون ان يلفت انتباه احد ــ سوى المحلل الناقد طبعا ــ وسيصرف مكبوتاته تحت اغطية الفن الأخاذة وسوف يحصل ــ فوق ذلك ــ على اشباع ذاته من خلال توكيدها في لحظة الابداع الفائق ومن خلال مباركة المتلقين المسحورين بالعاب فنه المغيبة .
في القصة تحول الصقر الى ( الرجل ) حيث تروى الأحداث بصيغة الشخص الثالث حيث يقول في الاستهلال :
” وقف الرحل يتأمل في شيىء من الاستغراب المشهد الذي تكشف امامه .
بدا له المشهد دخيلا ً على معالم ذلك الحي المترف ، الذي اختار ان يمارس رياضة المشي فيه ذلك اليوم في فسحة من الارض ، على مقربة من دار جديدة ، لا زال العمل يجري في بنائها ، رأى تنورا ً من الطين وامرأة بثياب بنية قاتمة تلملم حطبا ً ”
والشيء الاول الذي فعله القاص في الاستهلال هو اثارة درجة من الشعور بالدهشة في نفس القارىء بسبب المفارقة الناتجة عن وجود امرأة ذات مظهر ( ريفي ) تتهيأ لسجر تنور قرب قصر منيف وهو امر لم تعتده السياقات الاجتماعية العراقية ، أي انه حول الدهشة التي تملكته فعليا ً كما ذكر في يومياته الى الرجل ، ليرسخها في ذهن المتلقي ، ومثلما اقحم ناسه في عالم المرأة الصغير ، أقحم ( رجله ) في حياتها أيضا َ :
” هل تبيعين خبزا ً ؟ ” رفعت رأسها ونظرت اليه :
ــ نعم لكنني لم اسجر التنور بعد .
ــ سأنتظر .
فرش الرجل منديله ، فوق مجموعة من الاحجار ، وجلس يرقب الطفل يلعب وحده بين مواد البناء ” .
ثم تأتي واحدة من العاب اللاشعور الخلاقة في صورة فنية تعزز حبكة القصة لكنها تكشف جانبا ً مهما ً من دوافع القاص من ناحية ومن آليات العملية الابداعية من ناحية اخرى . تطلب المرأة من الرجل أن يساعدها في جلب طست العجين من داخل الغرفة . ” فوجىء بوجود رجل آخر معهما داخل الحجرة .. كان الرجل يتمدد ساكنا ً بين طيات الفراش .. عيناه تتابعان حركاتهما ، هو والمرأة باهتمام ، وفي شيىء من عدم الارتياح ، وتلمعان في محجريهما ، مثل عيني حيوان حبيس .. ” وعندما يخرجان بالطست يعود الرجل ليجلس في مكانه فوق الاحجار ويسأل الإمرأة : ” ابوك يبدو مكدرا ً.
فتجيبه :
ــ ليس هذا ابي . هذا زوجي ” .
القاص في المرحلة الاولى من يومياته ــ يشير إلى ان الإمرأة اخبرته بأن زوجها ــ الأسير العائد ــ قد اصبح معاقا ً وانه حين تبعها إلى الحجرة لمساعدتها في جلب طست العجين شاهد زوجها المصاب راقدا ً تحت الأغطية يعاني أوجاعه ، في صمت وعيناه تلتمعان في العتمة فلماذا تلاعب بهذه المعلومة وجعل الرجل في القصة يعتقد بان الرجل الممدد في الحجرة هو ابوها ؟ لقد خلق القاص لعبة ابداعية تعزز انشداد القارىء لكنها كانت مصيدة تكشف ما خفي من دوافعها . وهذه الدوافع المستترة لا يمكن الامساك بها دون العودة ألى المغزى الرمزي الذي التقطه من رؤية المشهد الأوال : امرأة تخبز في تنور على قارعة الطريق . لقد أثار هذا المشهد دهشته وحماسته في وقت واحد ” فقرر ان يعرف حكايتها ” أي يطلع على طبيعة الظروف التعيسة التي اوصلتها إلى هذا الحال المزري . وعلى الرغم من كل مظاهر نضجنا وتقدمنا في العمر ، تبقى الدفعات الاوديبية الطفلية لائبة في اعماقنا وقد تثيرها مشاهد ( يومية ) بسيطة مثل مشهد الامرأة التي تخبز على قارعة الطريق وسط العمال الغرباء الذين يقومون بتشييد القصر المنيف ، وفي مقدمة تلك الدوافع ما يرتبط بـ ( عقدة الانقاذ ) المستلة من التاريخ النفسي الطفلي حيث ترسخ في روح الطفل قناعة مفادها ان الأم ( موضوع الحب الأول والأخير ” هو هدف بحاجة إلى جهده الإنقاذي دائما ً كما ان عملية الخبز وتأثيرها وما تثيره من تداعيات نفسية اسطورية والمعالجة الامومية البارعة التي تتضمنها تعزز تحقيق تلك الدفعات في نفس الابن ــ القاص ــ الرجل . وليس عبثا ً ان نجد مماثلة عامة لدى اغلب الشعوب بين حبة القمح والاله الابن في موته وانبعاثه وحاجته الدائبة والملتهبة للإنقاذ والتي تنقلب وتسقط على الام ( والاهداف الانثوية البديلة لها ) كهدف يستدعي كل محاولات الإنقاذ في حين ان التاريخ الاسطوري بأكمله يشير إلى ان المخلص الأول هي الام العشتارية التي فاقتها بمراحل الام العراقية الأسطورة ، ومن نماذجها هذه الإمرأة التي يشير القاص إلى انها تعيش في حجرة متربة بابها ــ باب خصوصيتها الأسرية والجنسية ــ من الخرق والاسمال وأكياس الاسمنت الفارغة ، وتعمل مكدودة لتنفق على علاج زوجها ( منقذها المفترض ) وطفلها الوحيد ، في ظل حاضر محطم يائس وانتظار لمستقبل اكثر قتامة وافدح خسارة ، هذا الولاء الامومي الساخن هو الذي اثار انفعال القاص في الواقع والرجل في القصة بمشهد الامرأة الأول ، وهو ( من ناحية ثانية ) العامل الرئيس الذي جعل القاص يكتفي بالمرحلة الأولى من الحدث ويهمل عملية بتر ساق الزوج المعاق ( رغم طابعها المأساوي ) والتي أشار إليها في المرحلة الثانية ( فهذه القصة هي قصة المرأة المعذبة / الأم والحاجة لإنقاذها ) . وهذه الدوافع هي التي جعلت القاص يضع الرجل في القصة في موقع قناعة خادعة في ان الرجل الممدد هو ابوها . من الواقع إلى القصة اشتعلت الدوافع الدفينة الضاغطة فأزاح الزوج المعاق والمحبط عن طريق جهده الإنقاذي . وهذا واحد من أهم دوافع العملية الإبداعية .
مداخلة مهمة :
لأن المؤلف ( بالنسبة لمنهجنا التحليلي )لا يموت ، وانه يتمظهر من خلال سلوكيات ابطاله ويقف ( مباشرة ) خلف افعاله ، يمكننا ان نلتقط دلائل موحية ( وقد نكون غير مباشرة ) من تاريخ المؤلف الشخصي وأدلة من منجزه الإبداعي تعزز الاستنتاجات السابقة . في كتابه ” وجع الكتابة ” يتحدث ( مهدي عيسى الصقر ) عن حادث موت أمه وهو يقول : “عندما دهم أمي المرض ، كنت أبدو وأنا اسمعها تتوجع ، في ساعة احنضارها جلست عند رأسها نظرت إلى وجهي ، بعينين ذاهلتين ، وتساءلت : ( ليش ؟ )
تريد أن تعرف لماذا يتوجب عليها ان تموت ، هذا السؤال الفلسفي ( العقيم والأزلي ) مع ذلك ( ندّ عنها هي المرأة البسيطة ) في لحظة جزع … لحظة رعب . لم أقو على مواصلة النظر في عينيها . شعرت بما يشعره الانسان ، في مواجهة مصيره المحتوم ، ومصائر الآخرين … العجز التام من فعل شيء . تشاغلت بالتحديق إلى الجدار الأصم وراء السرير . عندما ارتفع النشيج من حولي عرفت انها أطبقت أجفانها ، غير ان عيني لم تدمعا وجدت في رحيلها خلاصا ً لها من عذاب لا مبرر له . مددت يدي أحاول أن اعدل رأسها الذي سقط عن الوسادة ، فصدمني إحساس غريب .. إحساس يأني ألمس ( شيئا ً ) .. لا انسانا ً … لا ألمس أمي .. فجأة بدت غريبة عني .. عنا جميعا ً . انقطع في أقل من جزء من ثانية ، كل ما كان بينها وبين دنيا الناس ، وانتسبت إلى عالم الأشياء وذهب هدرا ً ما كانت تكتمه من حاضر ، ماضي ، وذكريات ، وتجارب ، وأحلام ، وعلاقات صداقة ، وارتعاشات حب ، وتوقعات ، وخطط في المستقبل .. كل شيء . كان ذلك أول لقاء لي مع الموت …
ولكن يالها من نهاية … ” ( ص 14 ــ 15 )
ويبدو ان هذا الخذلان المرير هو اول فشل تمنى به الرغبات الإنقاذية المكبوتة لدى الصقر الصغير . ومن يقرأ الجملتين الأخيرتين : ( كان ذلك أول لقاء لي مع الموت ) و ( ولكن يالها من نهاية ) فسيجد الارتباك واختلال الرابطة العضوية والسردية بينهما ، وقد يكون صحيحا ً ان نقول يالها من بداية ارتباطا ً بكون فاجعة وفاة أمه تمثل أول لقاء له مع الموت / المثكل ، أو تصاغ الجملة الثانية بطريقة تبين ان المقصود بـ ( ولكن يالها من نهاية ) هي نهاية الأم ، لكن هذه الربكة مصدرها ان (الصقر ) قد اهتز كيانه الصغير ــ آنذاك ــ حيث خلع من ( أناه ) الشخصي جزء كبير من خلال فناء الأم الحبيبة التي استدخلها كجزء اساسي من أناه . ومن يتابع حياة الصقر من خلال أحاديثه والوقائع الأساسية من حياته كما سردها في كتابه ( وجع الكتابة ) من ناحية ومن خلال تحليل أعماله الروائية والقصصية من ناحية اخرى سيجد ان هناك عاملين أساسيين ــ من بين عوامل أخرى أسهما في نمو وصيرورة المضامين الرئيسة في نتاجه وفي سلوكه وهما : سطوة قلق الموت من جانب وعقدة الإنقاذ من جانب آخر . لقد اشتعل قلق الموت في روحه منذ اللحظة التي فجع بها بوفاة أمه وعجزه المرير عن الإجابة على تساؤلها المشروع واليائس وهي تحتضر : ( ليش ؟ ). وتساؤل الأم البسيط والمباشر هذا هو سؤال الإنسان الممتحن الأزلي ، السؤال الأكبر المحير الذي لا جواب له ، السؤال الذي يشكل كل المسافة بين الله والإنسان ، بين السماء والأرض .
أبو الهول يسأل بين ( اوديب عند باب ( طيبة )السؤال الساذج ــ الحزورة : من الذي يمشي على أربع في الصباح وعلى اثنين … إلى آخره ، بينما يطرح في جلجامش السؤال المزلزل : لماذا اموت ؟ فتأتي الملحمة التي كتبها الشاعر المجهول كعلاج إبداعي لشعور الإنسان بالقابلية على الإنجراح وكسبيل لتأمين الإحساس بالخلود جزئيا ً . وهي نفس المحاولة الالتفافية التي يقوم بها الصقر من خلال فعله الإبداعي الذي يقوم في أغلبه على موضوعة الموت والخراب وكخيار شخصي آسر لتخفيف الشعور بقلق الموت الموجع وفي عملية الكتابة ( الموجعة ) يقوم المبدع بـ ( خلق ) شخوص والتلاعب بمصائرهم ، يحيهم ويميتهم ويخلق لهم واقعا ً على الورق هو اكثر ثباتا ً من واقعهم الفعلي المهدد كما فعل مع هذه العائلة الصغيرة التي تتزعمها وتقودها ( زوجة المحارب ) التي شاهدها تخبز على قارعة الطريق . ولأن هذا المبدع يعيش على ارض الرافدين ، ارض اللونين المفضلين لآلهتها وهما الأحمر والأسود فان قلق الموت الممضي لأن يموت حتى الموت .
هناك عوامل مضافة في أرض الرافدين تشعل حدة هذا القلق اكثر من أي مكان على وجه المعمورة . فزوج هذه الامرأة الذي أهمل القاص دوره كما عرضه في ( المرحلة الثانية ) وقدمه متضمنا ً في سرد وقائع المرحلة الأولى من خلال تركيز السرد حول الشخصية المحورية وهي الزوجة / الأم ، لم يهمله لضرورات فنية فحسب بل لضرورات موقف ( فلسفي ) مفاده ان مسيرة الخراب مثابرة وجنب الخطى بلاهوادة على هذه الأرض الثكلى . فمقترح بتر ساق الزوج المحارب السابق ستتم شئنا أم أبينا وهجرة العائلة / وقد يكون ضياعها / بعد ان يكتمل بناء القصر ، بحثا ً عن قصر جديد تحرسه لغيرها ممن يضدونها طبقيا ً ويمتصون عرقها ودمها سوف يتحصل حقا ً رغم كل نوايا المبدع الخيرة . والمصيبة ان هذا المحارب الذي عاد من الأسر ــ من الخارج ــ بعرج خفيف في ساقه كما تقول الامرأة في القصة قد اكتمل خرابه الشامل في وطنه ــ في الداخل ـــ وقد عاد إلى وطنه الذي دافع عنه ليجد انه ــ هذه المدة ــ فعليا ً هو نفسه بلا وطن ، وهاهو يعيش مع عائلته حياة اقرب إلى حياة البدو الرحل مع فارق مهم هو ان البدوي يرتحل إلى مكان آخر بارادته واختياره ومعه ( بيته ) بحثا ً عن رزقه في حين يهاجر هو وعائلته قسرا ً بارادة واختيار قوة خارجية مستغلا ً والفارق المدمر نفسيا ً هو ان للبدوي ( خصوصية ) في بيته البسيط الذي لا يستطيع أحد خرقها في حين ان هذا المحارب وعائلته بلا خصوصية ولا قداسة لحرمة المكان الشخصي وحدوده . لا كرامة لمحارب في وطنه ، وبدلا ً من أن يكون هذاالمحارب ــ كما يعلن صفته ـ قائدا ً لعائلته وحافظا ً لكرامته تنقلب لعبة الأدوار في حياته فتتصدى الزوجة ــ المرأة ــ لتلعب دوره بالإضافة إلى دورها . الفن ليس مواعظ ونصائح وبلاغات . انه رسالة غير مباشرة تقوم على الرمز والتورية . المباشرة تقتل الفن . الفن لا يحاكي الواقع ، الفن الحقيقي الباهر هو الذي يبدأ من الواقع ليعود الواقع إلى محاكاته . النماذج الواقعية المرجعية تلهث وراء زهرة عباد الشمس لفان كوخ وكعكة مارسيل بروست وبطيخة يوسف الصائغ . هذا ما يدركه ( مهدي عيسى الصقر ) بدقة وقوة وهذا ما فعله في قصته هذه ” زوجة محارب ” . فلو نقل لنا الحدث الواقعي نفسه غير معني بصورة اساسية بالصورة الكلية للحدث ، انه معني أساسيا ً بدقائق الحدث وتفصيلاته وكيف يحول هذه الدقائق والتفصيلات إلى رموز غنية بالمعنى من ناحية وكيف ( يؤسسها ) و( يشخصها ) وينفخ فيها الروح من ناحية ثانية مكملة بحيث ( يحيا ) الإنسان والأشياء في مناخ عضوي حميم تتعاضد كل عناصره على ان تعكس انفعالات الشخوص ومن خلفهم ومعهم المبدع نفسه . وهذا ما قام به الصقر بنجاح هائل . لقد خلق ( معاونات ) انفعالية تجسد الموقف النفسي للمرأة / زوجة المحارب وتصور / ببلاغة عالية / رسائل الاحتدام والإحباط والصراع التي حممها بدراية وحنكة . على يدي القاص البارعتين يتكلم الحجر . لقد جعل الجامد الأصم يتحدث ويشارك وينفعل بما يجري . ففي البداية ومع بدء حوار الرجل مع الامرأة ومحاولته التعرف على احوالها تتصاعد الأسئلة من عموميتها : ” هل تبيعين خبزا ؟ ” ، ” ذاك الصغير هناك أهو ابنك ؟ …. ” وأين تقيمون ؟ كانت الامرأة تجمع الحطب من الكرب والأعواد اليابسة وتدخلها في جوف التنور .. وكأنه يعد التنور والموقف العام في القصة للانفجار المقبل .. حريق المصير والأسئلة الأكثر خصوصية والاجابات الأكثر ألما ً وفجيعة . تقول الامرأة بعد أن جمعت الحطب اللازم :
” أبي يعمل حارسا ً لهذا البناء ، ونحن نسكن معه ”
” رآها تحمل علبة صفيح صغيرة ، وتسكب قليلا ً من سائل شفاف في باطن التنور .
لم تكن امرأة كبيرة في السن ، لعلها لم تبلغ الثلاثين بعد ، وإن بدت هزيلة وشاحبة.
” وإذا اكتمل البناء ، وجاء صاحب الدار ليقيم فيها ؟ ”
” أشعلت الامرأة عود ثقاب ، ورمت به، بين الجطب المبلول، ثم نأت بنفسها ، فحدث ما يشبه انفجارا ً صغيرا ،ً في جوف التنوروتصاعد اللهب محاطا ً بسحابة كثيفة من الدخان ”
” إذا اكتمل البناء وجاء صاحب الدار، عندئذ نبحث لنا عن مالك آخر ، يريد أن يبني له دارا ً أو عمارة جديدة “.
أخذ اللهب يتطامن في باطن التنور بقيت ألسنة صغيرة ممزقة وتتراقص عند حوافي الفوهة المتفحمة ، في حين ازدادت كثافة الدخان المتصاعد .
” في البداية نبني لنا كوخا ً ، وعندما يكتمل الهيكل ” ….
خمدت سحابة الدخان بعد قليل ، فنظرت الامرأة إلى الرجل ، في شيء من التردد :
“” هل بوسعك أن تساعدني ؟ …”
هكذا ينفعل الجمر/ التنور ويرافق ويعكس انفعالات الامرأة الممتحنة الجريحة المهانة .
وفي حركة ثانية تبدأ أسئلة الرجل ــ من جديد ــ وتتطاير من إطار محايد في ظاهره إلى ان تلمس بؤرة موجعة ، وبحركة موازنة تجمع الامرأة الأغصان اليابسة وقطع الخشب الصغيرة وتدخلها في جوف التنور لنقدة الحريق انفعالي ( صغير) مقبل .
” ابوك يبدو مكدودا ً ؟ ”
” ليس هذا أبي .هذا زوجي ”
قالت ذلك ومشت صوب كومة الحطب ، ثم عادت ببعض الأغصان … وادخلتها في التنور ) …
” أهو مريض ؟ ”
تصاعد الدخان كثيفا ً ، مرة أخرى من باطن التنور . فجاءت الامرأة بمحراث حركت به النار فبدأت ألسنة من اللهب تلوح متصاعدة من الفوهة المتوهجة وسط سحابة دخان لم تلبث ان اخذت تخفت وتتبدد ) …
وحتى حركات الطفل الصغير الجميل ” ابن الامرأة ” وصفها القاص بصورة تخدم الموقف النفسي العام في القصة من جهة والموقف النفسي للإمرأة وانفعالاتها من جهة اخرى .
ففي الاستهلال وحين يكون الموقف وصفيا ً محايدا ً يلمح الرجل الطفل يدرج حافيا ً في الشمس فهذه حركة تمهيدية تقدم نظرة عامة . وبعد ان تتصاعد حركة ” الحريق ” الثانية ثم تهدأ تسأل الامرأة الرجل عن عدد الأرغفة التي يريدها يمنحها القاص فرصة هدوء ويروح الرجل ” يتأمل الصغير ، يلعب بحبات الحصى .. طفل صغير جميل بعمر سنة او اكثر قليلا ً ، شعره الخفيف مثل زغب اشقر ، يضيء في الشمس ”
شيء من برودة الانفعال واستقرار الاستجابة في ظل المحنة تجلب الإمرأة طاسة الماء وتبدأ بعمل كرات العجين وتقول للرجل ان زوجها أمضى في الأسر ست سنوات أي ان الخراب قد أصبح واقعا ً راسخا ً ” لمح الطفل رغيفا ً محترقا ً ، مهملا ً فوق الأحجار فمضى إليه كسر له قطعة صغيرة من الرغيف ودسها في فمه ” وحين تبدأ المرأة بعرض معاناة زوجها المعاق للرجل وكيف ان القرحة أكلت لحمه ووصلت إلى العظم وان الأطباء يقولون لابد من بتر الساق … صرخ الطفل متوجعا ً إذ سقط الحجر على قدمه ، فجزعت الامرأة تركت عملها وهرعت إليه ” ..ساق أخرى تشكل مصدر التهديد لهذه الأسرة المحاصرة وكأن القاص يجري مقابلة بين ساق الزوج المحارب المهددة بالبتر المؤكد وبين قدم ابنه الصغير والممتحن المشترك في كل هذا الخراب هو الإمرأة / الزوجة/ الأم .
نصل الآن الذروة القصصية ، ذروة هادئة تخصص الصقر في تصميمها واخراجها في إبداعه القصصي ، هادئة من حيث إيقاعها الداخلي ومفرداتها اللغوية ولكنها محتدمة وعاصفة في مراميها النفسية البعيدة التي تدين الحرب وفي تحديد الخط الأحمر الذي يفصل أهم أسباب إطالة أمد الحرب التي شهدتها البشريةعبر تاريخها الشيطاني المرير . فالرجل يطرح أمام الإمرأة المحطمة تصورا ً للاستهلاك المنطقي البارد مخدوعا ً بالاستجابة متبلدة الحس لهذه الإمرأة التي كانت تتكلم عن محنة زوجها ــ بهدوء وسيرة محايدة ، بلا غضب وبلا ضغينة مثلما يتكلم إنسان عن كارثة من وضع الطبيعة … تتكلم عن محنتها وهي تكور العجين بحركات سريعة متقنة بمعزل عما يشغل ذهنها في تلك الساعة في القصة في لحظة ذروتها النهائية . يخدع الرجل باستجابة المرأة هي لكن القاص المبدع ( الصقر )لا يخدع وهنا يقدم ( فلسفته ) التي تمسخ كل التحليلات الرسمية التي تتزيء بأزياء المسلمات المتفق عليها وفق نمطية اجتماعية زائفة رغم ضروراتها الوطنية والحياتية . العلم لا علاقة له بالانفعال وحتى الشهادة في علم النفس هي شكل من اشكال الانتحار .
” تمتم الرجل في شرود :
ابنك الصغير هذا سوف يكبر ، بعد سنين ويغدو بطلا ً وهو أيضا ً يدافع عن وطنه مثل أبيه تماما ً ” انقلبت ملامح الإمرأة في الحال . نظرت إليه بإمعان لحظة طويلة كأنها تحاول أن تعرف أي نوع من الناس هو . كانت عيناها قاسيتين يلتمع فيهما بريق غضب مريع ، لم يندهش الرجل . شعر بشيء من الارتياح إذ اكتشف ان هدوءها الذي حيّره في البداية كان في الحقيقة هدوءا ً ظاهريا ً حاول أن يبتسم لها معتذرا ً عن كلماته الفظة إلا أنها أشاحت بوجهها عنه . ”
وعند الختام تعود أصابع الفنان الساحر لتحرك الحجر وتنفخ من روحها في أوصال ما هو جامد لتحركه وتحييه ، وعلى طريقة الصقر المتفردة يرى الرجل الإمرأة تبسط كفيها فوق فوهة التنور تتحسس بهما حرارة التنور المشتعل في القاع . لم تعجبها الحرارة . وجدتها غير كافية فذهبت لتأتي بالمزيد من الحطب تؤجج به النيران المحتدمة في جوف التنور . ”
مجلة ” ثقافتنا ”
العدد الثاني ــ 2006 ــ بغداد

قصة قصيرة
زوجة محارب
مهدي عيسى الصقر
وقف الرجل يتأمل ، في شيء من الاستغراب ، المشهد الذي تكشف أمامه .
بدا له المشهد دخيلا ً ، على معالم ذلك الحي المترف ، الذي اختار أن يمارس ، رياضة المشي فيه ، ذلك اليوم . في فسحة من الأرض ، على مقربة من دار جديدة ، لا زال العمل يجري في بنائها ، رأى تنورا ً من الطين ، مبنيا ً على عجل وامرأة بثياب بنية فاتحة تلملم حطبا ً متناثرا ً ، وتضعه فوق كومة من السعف وكرب النخل ، والأغصان اليابسة على مقربة من التنور ، وطفلا ً يدرج حافيا ً في الشمس بين الرمل والحصى والحجارة ومواد البناء الأحرى ، المكدسة هنا وهناك . مشى الرجل صوب الامرأة وسألها :
هل تبيعين خبزا ً ؟
رفعت رأسها ونظرت إليه . نعم . لكنني لم اسجر التنور بعد .
سأنتظر .
فرش الرجل منديله فوق مجموعة من الأحجار وجلس يرقب الطفل يلعب وحده بين البناء .
ذاك الصغير هناك … أهو ابنك ؟
رنت الامرأة إلى الطفل وقالت نغم ، انه ابنها . بعد ذلك حملت سعفة يابسة ، من كومة الحطب ، ثتت ساقها وكسرت السعفة على قماش الثوب فوق ركبتها ثم قطعتها وألقت بها في جوف التنور البارد .
وأين تقيمون ؟
هنا .
حملت الامرأة كربا ً، وأعوادا ً يابسة وادخلتها في جوف التنور . تلفت الرجل ينظر حوله في حيرة .
هنا أين ؟
أشارت الامرأة باصبعها ألى البناء، تأمل الرجل بناية الدار الجديدة التي لم تكتمل . أمامه كان ينتصب شامخا ً فوق الأرض ، هيكل كبير من طابقين من الاسمنت المسلح ، نوافذه العريضة ما تزال عارية من الزجاج وأبوابه فتحات سود مشرعة بوجه الريح . الا ان نوافذ احدى الحجرات ، حيث أشار اصبع الامرأة كانت مغطاة بألواح من الصفيح ومستطيلات من ورق الكارتون ، وأكياس اسمنت فارغة ومزق من القماش المهلهل .
” أبي يعمل حارسا ً لهذا البناء ونحن نسكن معه” رآها تحمل علبة صفيح صغيرة ، وتسكب قليلا ً من سائل شقاف في باطن التنور . لم تكن امرأة كبيرة في السن . لم تبلغ الثلاثين بعد ، وإن بدت هزيلة وشاحبة .
” وإذا اكتمل البناء ، وجاء صاحب الدار ليقيم فيها؟
أشعلت الامرأة عود ثقاب ، ورمت به بين الحطب المبلول ، ثم نأت بنفسها ، فحدث ما يشبه انفجارا ً صغيرا ً في جوف التنور ، وتصاعد اللهب ، محاطا ً بسحابة كثيفة من الدخان .
” إذا اكتمل البناء ، وجاء صاحب الدار ، عندئذ نبحث لنا عن مالك آخر، يريد أن يبني له دارا ،ً او عمارة جديدة . ”
أخذ الحطب يتطامن في باطن التنور . بقيت ألسنة صغيرة ، ممزقة ، تتراقص عند حواف الفوهة المنفتحة ، في حين ازدادت كثافة الدخان المتصاعد .
” في البداية نبني لنا كوخا ، وعندما يكتمل الهيكل ” …
خمدت سحابة الدخان بعد قليل ، فنظرت الامرأة إلى الرجل في شيء من التردد .
” هل بوسعك أن تساعدني ؟
نهض الرجل ومشى وراءها . سمع لغط الينائين يعملون ، في جوانب أخرى من تلك الدار الواسعة. كانت الحجرة التي أدخلته الامرأة إليها معتمة ، أرضها ما تزال متربة ، وفي أرجائها تتناثر الأشياء كيفما اتفق : قدور وصحون وثياب وأفرشة مطوية ، وما شابه من لوازم لاغنى عنها لإدامة الحياة ، للعائلة الصغيرة . وفوجىء بوجود رجل آخر معها داخل الحجرة .
أوشك في البداية أن لا ينتبه لوجوده ، لولا حسيس أنفاسه وبريق عينيه اللتين ومضتا في العتمة. كان الرجل يتمدد ساكنا ً ببن طيات فراش موضوع لصق الجدار ، في زاوية الحجرة ، عيناه تتابعان حركاتهما ، هو والامرأة باهتمام ، وفي شيىء من عدم الارتياح ، وتلمعان في محجريهما ، مثل عيني حيوان حبيس . تمتم الرجل محرجا ً وهو يتحاشى النظر إلى العينين اللامعتين في العتمة :
” صباح الخير. ”
“صباح الخير عمي .”
جاءه الصوت واهنا ً ، مدحورا ً . أراد أن يقول شيئا ً آخر للرجل الراقد ، الا ان الامرأة وضعت حدا ً لذلك الموقف المرتبك . قالت بصوت خال من العواطف ، وهي تشير إلى اناء كبير ، مغطى بقطعة قماش بيضاء :
” هذا هو طست العجين . ”
وأخذت تمسك بطرف الطست ، فانحنى هو أيضا ً وأمسك بالطرف الآخر ، حملاه معا ً وخرجا به من الحجرة ، تاركين الرجل ملقى في زاويته المعتمة .
كان الطست ثقيلا ً ، وضعاه على الأرض وعاد الطفل يلعب بالحصى على مسافة قريبة ، فاطمأنت .
” ليس هذا أبي . هذا زوجي . ”
قالت ذلك ومشت صوب كومة الحطب ، ثم عادت ببعض الأغصان اليابسة وقطع الخشب الصغيرة وأدخلتها في التنور .
توهمه كهلا ً وهو يراه متدثرا ً بالأغطية هناك ، في ركنه القاتم .
” أهو مريض ؟”
تصاعد الدخان كثيفا ً مرة أخرى من باطن التنور ، فجاءت الامرأة بمحراث ، حركت به النار ، فبدأت ألسنة اللهب تلوح متصاعدة من الفوهة المتوهجة، وسط سحابة دخان لم تلبث ان أخذت تخف وتتبدد .
” نعم هو مريض منذ مدة . كم رغيفا ً من الخبز تريد ؟ ”
ذكر لها العدد، فتركته وذهبت صوب البناء وراح هو يتأمل الصغير يلعب بحبات الحصى ، ينفلها من مكان إلى آخر. طفل صغير جميل بعمر سنة ، أو أكثر قليلا ً ، شعره الخفيف ، مثل زغب اشقر يضيء في الشمس .
عادت الامرأة بعد لحظات تحمل في إحدى يديها طاسة مليئة بالماء ، وبالأخرى صينية مستديرة واسعة ، فرشت بطبقة من الطحين ، وضعت الطاسة بجوار طست العجين .
” وهل هو مريض منذ مدة … قصدي زوجك ؟”
” نعم منذ مدة “. ابتعد الصغير عن كومة الحصى ، وجاء يمشي متعثرا ً ، واضافت هي بشرود :
” بقي هناك ست سنوات ! ”
لمح الطفل رغيفا ً محترقا ً مهملا ً فوق الأحجار فمضى إليه . كسر له قطعة صغيرة من الرغيف ، ودسها في فمه ، وراح يأكل وينظر إلى وجه أمه ، رنت إليه الأم ساهمة ً ، ثم قرفصت على الأرض ، وكشفت عن الطست . كان العجين المتخمر منتفخا ً بعض الشيء ، يعلوقليلا ً ، عن مستوى حواف الطست . مدت الامرأة يدها في طاسة الماء ، ثم أخذت تقتطع بأصابعها مقادير صغيرة من العجين تكورها بين راحتيها، وتضعها فوق فرشة الطحين ، الواحدة بجوار الأخرى .” قبل سنتين ، تقريبا ،ً أعادوه إلينا ، بادلوه الأسرى من الجرحى ” .
شبع الطفل من الأكل فعاف بقايا الرغيف المحترق . تأمله الرجل ، وهو يدرج مبتعدا ً . رآه يقف عند كومة من الأحجار ، وينحني ليحمل حجرا ً من على الأرض .
” كان به عرج خفيف ، عندما أعادوه إلينا فحمدنا الله ” .
ظلت الامرأة تواصل عملها في تكوير العجين ، ووضعه في الصينية ، وهي تتكلم بهدوء ونبرة محايدة ، بلا غضب ، وبلا ضغينة ، مثلما يتكلم انسان عن كارثة ، من صنع الطبيعة .
” ولكن قبل أشهر ظهرت قرحة في مكان الجرح القديم . بعد ذلك أخذت تتسع ، وتأكل في اللحم الحي ، حتى وصلت إلى العظم ، وما عاد يستطيع النوم ” .
توقفت الامرأة عن الكلام ، ورنت إلى يديها اللتين كانتا تواصلان عملها في حركات سريعة متقنة ، بمعزل عما يشغل ذهنها في تلك الساعة ثم رفعت راسها ، ونظرت إليه .
” والآن …. يقولون لي لابد من بتر ! ”
صرخ الطفل متوجعا ً ، إذ سقط الحجر على قدمه ، فجزعت الامرأة … تركت عملها وهرعت إليه . حملته بين ذراعيها هدهدته حتى هدأ . وضعته بعد ذلك على الأرض فراح يتأرجح في مشيته ، والدموع تخضل وجهه المستدير الصغير .
” قلت كم رغيفا ً تريد ؟ ”
ذكر لها العدد مرة أخرى .
غسلت الامرأة يدها في طاسة الماء ثم نهضت وذهبت صوب التنور . تمتم الرجل في شرود .
” ابنك الصغير هذا سوف يكبر بعد سنين ، ويغدو بطلا ً ، هو أيضا ً ، يدافع عن وطنه ، مثل أبيه تماما ً ! ”
انقلبت ملامح الامرأة في الحال . نظرت إليه بإمعان لحظة طويلة ، كأنها تحاول أن تعرف أي نوع من الناس هو . كانت عيناها قاسيتين يلتمع فيهما بريق غضب مريع . لم يندهش الرجل . شعر بشيء من الارتياح ، إذ اكتشف ان هدوءها ، الذي حيّره ، في البداية ، كان في البداية هدوءا ً ظاهريا ً . حاول أن يبتسم لها معتذرا ً عن كلماته الفظة ، الا انها أشاحت بوجهها عنه . رآها تبسط كفيها ، فوق فوهة التنور ، تتحسس بها حرارة الجمر المشتعل في القاع . لم تعجبها الحرارة ، وجدتها غير كافية . فذهبت لتأتي بمزيد من الحطب ، تؤجج به النيران المحتدمة في جوف التنور .

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: مازلتُ أبحثُ عن تفاصيل وجهك…!!!
الى/ روح الصديق الراحل الحاضر الغائب الفنان التشكيلي الكبير لوثر إيشو (ملف/18)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو.. شقيقه بولص ادم يقول: اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر
حاوره: سامر الياس سعيد (ملف/17)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

 الطوب احسن لو مكواري دور الاهازيج باشعال الحماس بين الجماهير
مريم لطفي (ملف/3)

تعرف الاهزوجة على انها نوعا من الاناشيد الشعبية الغنائية، وهزج المغني  اي ترنم في غناءه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *