الرئيسية » نقد » ادب » د. مثنى كاظم صادق: إختراق الطين في مجموعة بريد الفتى السومري

د. مثنى كاظم صادق: إختراق الطين في مجموعة بريد الفتى السومري

البريد كما هو معروف : لفظ معرَّب ويعني الرسول الذي ينقل الأخبار والرسائل أي تبادل المراسلات والمذكرات بين طرفين أو عدة أطراف … ( بريد الفتى السومري)(1) مجموعة شعرية لقصائد نثر للشاعر العراقي عدنان الفضلي تتجه صوب اختراق الطين وخفقه ليتشاكل بريداً متبادلاً بينه وبين تكويناته الأولى سواء أكانت هذه التكوينات مكانية أم بشرية أم سياسية ، ولما كانت الصورة الحلمية للنص الشعري تمتص رحيقها من الواقع أياً كان فمن الطبيعي أن تتجلى بلاغة المعنى ضمن عملية جوهرة النص وتشحينه صوفياً بوصفه مادة حلولية كما في المفهوم الصوفي ففي قصيدة (الناصرية التي في العلا ) تجد التعرية للحروب المقيتة ضمن حيز وقوعها المكاني ( في الطريق إلى الناصرية ستجد آثار البساطيل على طول الطريق … هي ليست للجنرالات إنها آثار (المكاريد) السومريين الذين لايجد المخنثون ، حطباً لنيران حروبهم المتناسلة ) ص 8 فالنص لايدين الحروب فحسب وإنما يرفع راية مظلومية الضحايا من الفقراء الذين يساقون مكرهين إلى الموت فالنص يستدرك الماضي بعين باصرة حاضرة لكي يميط اللثام عن المواراة المتعمدة للمكاريد … إذ تفتح القصيدة أبوابها بجملة ( في الطريق إلى الناصرية ) كون هذا الطريق المؤدي إلى مدينة الناصرية كان طريقاً يعانق البساطيل ( أحذية الجنود العسكرية ) الذي هم وقود الحروب العبثية وبالنتيجة و ( في الطريق إلى الناصرية )أيضاً تجري عملية استبدالات للمتناقضات ( في الطريق إلى الناصرية يصادفك المخادعون والمخدوعون يرفعون رايات المظلومية ويهتفون للغرباء بالروح بالدم نفديك ياهو الجان) ص 9 في إشارة إلى هتاف الولاء لأي حاكم محققاً بذلك نوعاً من جلد الذات. قصائد المجموعة وارفة بالانزياحيات التي جعلت بيدر الشعرية يعلو في هذه المجموعة ( بكفي قبضت على غيمة وردية سحبتها إلى حقل اشتهائي … فأمطرنا معاً ، بعيني رمقتُ نجمة في أقاصي الجنوب ، فانعكس الجنوب بريقاً في مقلتي ) ص 11 هذه العفوية الصادقة الإحساس ذات مذاق فريد في بنية الإنوجاد الروحي في الجنوب لذات الشاعر المستغرقة في محايثة التكوين السومري واختراق الطينة الأولى التي فتحت باب الكتابة للكون ، إذ يتماهى الشاعر ويتصير مطراً مع الغيمة فتكون عينه مرآة عاكسة لبريق بعيد عنه هو الجنوب وينتقل الشاعر ضمن هذا الفردوس المفقود الذي يريد أن يستعيده إلى تجسيد ألم الفقدان … فقدان ولده غزوان ( رحمه الله ). ويتجلى الوعي الشعري في إشارات الشاعر على تثبيت الإدانة من خلال الرؤيا التي تظلل ومضاته الشعرية ( حتى يحقنوا ماء الرصيف / سفكوا دماء السابلة !! ) ص 48 فالوعي المعرفي عند الشاعر جعله يشخص هدر الدماء والتضحية بالمارة من أجل رصيف لا غير … وضمن معتركاته الحياتية يختط الشاعر حياة يتمناها لنفسه مختلفة عن سواه كنتيجة حتمية لاغترابه عن الواقع وصراعه مع الأضداد موظفاً المفارقة في ذلك بوصفها مؤثرة في المتلقي ( رقنتُ قيد قلبي حتى لايكمل مراحل دراستها ) ص 48 ( الذاهبون إلى الفضاء … لن يتمكنوا من تصوير النجوم … فهم … لظلام الأرض ينتمون ) ص 52. بريد الفتى السومري مجموعة رسائل ( قصائد ) أرسلها فتىً من سومر إلى الإنسانية عبر صندوق عراقي طيني.
(1) بريد الفتى السومري / عدنان الفضلي ، مجموعة شعرية / إصادرات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ط1 / 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *