زيد الحلي: السنين ان حكت؛ لعنة حسين مردان.. وحكاية صفاء الحيدري..!

أثنان من الأدباء العراقيين ، تنافسا على ( مشيخة الصعلكة ) في العراق ، وأستمرت المنافسة بينهما على ذلك الموقع  سنوات طوال ، رغم ان أحدهما ، راهن على أقدميته في ” الصعلكة ” التي تجاوزت الثلاثين عاماً ، غير ان الآخر لم يعترف بذلك ، فالصعلكة عنده فعل مستمر لا يؤمن بالتوقف مثلما لايؤمن بالمحطات ، و” الصعلوك ” حتى يحصل على أستاذيته عليه ان يقاوم مغريات الحياة ويظل متمسكاً بالصعلكة طريقاً وحيداً ، أوحداً !
الاول هو ( الشاعر حسين مردان ) الذي ودع الحياة فجر الأربعاء 4 تشرين الاول 1972 والثاني  ( الشاعر عبد الامير الحصيري )  الذي تبعه الى دنيا الخلود  بعد ست سنوات ، والأول مات نتيجة أحتشاء العضلة القلبية مع ارتجاف البطين ومكان وفاته مدينة الطب ببغداد والثاني بعجز القلب ومكان وفاته فندق الكوثر الشعبي في كرخ بغداد  كما جاء بشهادتي قيد الوفاة ، وصورة قيد وفاة الاول صادرة من مديرية الاحصاء بوزارة الصحة تحت الرقم ( 4/ 1/ 10873 ) والثاني تحت الرقم ( 5736 ) وأشترك الإثنان بعدم تحصيلهما الدراسي المناسب، فأثبتا ان الهام الشعر ، لا يستأذن أحداً والدراسة هي صقل لموهبة وليس جواز مرور لأبداع ..  رحم الله عمودا الصعلكة في الثقافة العراقية ..
والصعلوكان ، لم يعتمدا على( صعلكتهما ) الحياتية وسلوكهما اليومي وأشتراكهما في اتباع غيرالمألوف في شهرتهما ، بل كان شموخهما وتفردهما في ألأبداع مثار دهشة وأنبهار الجميع ، فأستحقا أحترام الأوساط الثقافية محلياً وعربياً وتُرجمت بعض أشعارهما الى لغات أجنبية ..

الشاعر حسين مردان

وكنتُ كتبت قبل نحو عام موضوعاً عن الشاعر الحصيري في صحيفة ” الزمان”  نشرته في طبعتيها الدولية والعراقية تحت عنوان ( الشاعر اللغز) في يوم  الخميس 8 تموز 2010 ، في العدد (  3640) لكني تأخرت في الكتابة عن الصديق الشاعر حسين مردان لظروف العمل اليومي في الصحافة التي تستهلك الحديد ، فكيف بالبشر!
 ولعل السبب الأكثر تأثيراً بعدم الكتابة هي ( لعنات) تصورتها تأتيني حين أنشر شيئاً عن حسين مردان ومرد ذلك الشعور جاء اثر نشري تساؤلاً بأسمي في عمود صحفي ليس ذي بال في صفحة ( أدب ، ثقفافة  ) في صحيفة العرب في عام 1966 ، وكان يشرف عليها الزميل هادي نعمان الهيتي ( الدكتوراه فيما بعد وعميد كلية الاعلام بجامعة بغداد لفترة طويلة ) ومنطوق ذلك التساؤل تعلق بأسباب غياب حسين مردان عن المشهد الثقافي العراقي في سنوات بدايات الستينيات حتى كاد ان يُنسى ، وما ان ظهر العمود حتى قامت الدنيا ولم تقعد ، وكأنني خضتُ في الممنوع  ولا أعرف سبباً لذلك الهياج الذي أعترى رئاسة التحرير .. حتى اللحظة! ، وقد أسدل الستارعن الأمر لكن بعد مدة ، وكنت حين ذاك لم أر حسين مردان بعد …  وغاب الموضوع برمته  عن ذاكرتي ، لكن حسين مردان لم ينسه .. كيف ؟
 في يوم الخميس 2/ 3 / 1972 كنتُ عند الأستاذ محمد سعيد الصحاف مدير عام دائرة الاذاعة والتلفزيون لإطلاعه على النشرة الاخبارية المسائية لأذاعة “صوت الجماهير” التي كنتُ  أعدها واشرفُ عليها ، وأذا بحسين مردان يدخل وكان يشغل موقعا ” تشريفياً ” أطلق عليه في حينه صفة  ( معاون مدير عام الأذاعة والتلفزيون لشؤون الثقافة )  وما أن رآني حتى كلّم الصحاف عن ذلك العمود الصحفي ” الصغير في مساحته والكبيرفي توقيته ” على حد وصف مردان  .. كما حدثهُ عن أصطحابي له في إحدى الأمسيات الى صيدلية لجلب دواء له ، ولا أظن ان الأستاذ الصحاف ، المعروف بذاكرته المتجددة  نسىّ حديث حسين مردان ، الذي أعقبه قهقهة عالية .. وسأذكر حكاية ( الصيدلية) في موضع آخر من هذا الأستذكار !
   
حين لاينفع الندم ..!

وفي المرة الثانية ، أصبتُ ايضاً بلعنة مردان  … وتفاصيلها إنني كنتُ في ضيافة سكرتير تحرير صحيفة الجمهورية ، في بداية تشرين الاول من عام 1984  ومثل كل زميلين يعملان في ( المطبخ الصحفي ) يتم أستغلال مثل تلك الزيارات في التخفيف من عبء القراءة والبت في صلاحية النشرعن الزميل المضيّف  وفي ضوء ذلك التقليد المهني دفع لي زميلي صفحات متواضعة لموضوع لا زلت أتذكر عنوانه  وهو ( صورة لحسين مردان رسمها بنفسه )  حملت اسم كاتبها ” عبد الرضا علي ” لمناسبة ذكرى وفاة الشاعر ، ودون تمحيص وتأنٍ في القراءة ، طلبتُ من الزميل إرسالها الى النشر ، حيث كان من المتعارف عليه عدم خضوع  موضوعات المناسبات الى  الصرامة المعتادة  في آلية النشر لاسيما في هكذا مناسبات … و يبدو ان الموضوع نُشر يوم 5 / 10 / 1984 في ذكرى وفاة حسين مردان . ولم أطلع على الموضوع .. لكن ما حدث كان غريباً بعض الشيء ، اذ أتصل بي موظف أستعلامات صحيفة ” الثورة ” حيث أعمل قائلاً  ان الشاعر ” صفاء الحيدري ” يريد مقابلتي ، وكان له ما أراد ، فانا أعرف الحيدري ، صديقاً ودوداً ، دمث الخلق ، وكثيرا ما فتح بيته في منطقة ” القصر الابيض ” ببغداد لأصدقائه وانا واحد منهم  ، حيث الكرم الارستقراطي .. كان الصديق الحيدري في زيارته  تلك بوضع هستيري لا يُحسد عليه ، فحاولت تهدئته ، خصوصاً  انني لم أعرف سبب فورانه وعصبيته ، لكني لم أفلح ، حيث قام بفرش صحيفة ” الجمهورية ” وأشر بأصبعه على موضوع عن حسين مردان ، قائلاً ان ماورد في الموضوع  محض أفتراء وأنه منقول دون أمانة من نتف منشورة في مجلة ( الف باء ) وانه كان في الصحيفة وأخبروه بان  فلان  ( يقصدني ) هو من فحص النص وهو من زكى نشره ، وأسقط في يدي ، فربتُ على كتف الحيدري وقبلتُ وجنتيه وأستسمحته ، فهدأ  قليلاً  قبل ان يوضح انه لم  يعمل  بمعية محام  كما اشارت المقالة ، وأنه سليل عائلة ميسورة الحال وأنه يرتبط بصداقة  قوية مع حسين مردان وهو من ساعده على  دفع  تكاليف طبع  ديوانه الاول مع زميل آخر هو يوسف الياس  .. وزاد في الحديث ، متسائلاً ومكرراً ما قاله  في عصبيته المحببة  : هل يُعقل ان رجلاً كان عمه وزيراً للعدلية ( داود الحيدري ) وخاله وزيراً للخارجية ( نصرت) في العهد الملكي وهي الفترة التي يتحدث فيها السيد عبد الرضا ، وأبن عائلة تمتلك عشرات البساتين والعرصات ، هو متوليها ويمتلك داراً بمساحة شاسعة في قلب بغداد ، يعمل لدى محام ( ماذا أعمل..رزاماً ؟ أقدم شاياً ؟ أمسح ارضية المكتب؟ )  وهل ان رجلاً مثلي ( يقول صفاء الحيدري )  يرتدي بدلات مستوردة من لندن لا يستطيع ان يجد مأوى لأنسان عزيز عليه مثل حسين مردان ..
وهنا ، ليسمح القارئ ، ان  أشير الى ” مجتزءات ” من مقالة صحفية منشورة ، قد تبدو مقحمة على الموضوع ، لكني وجدتها مهمة  حيث  تعطي انطباعاً للقارئ عن الصديق الغاضب ، وأنا لن اضيف الى وصف كاتب تلك المقالة  صديقي الكاتب  ” رباح آل جعفر ” شيئاً وهو يتحدث في صورته القلمية الرائعة عن صديقنا المشترك الحيدري ، وهي صورة تجسد الحالة الدائمة للشاعر الحيدري .. يقول الصديق رباح  في وصف الحيدري ( كان أرق من نسمة صبح باردة في فجر صيف قائظ  .. وفي الوقت نفسه ، كان كثير الهواجس ، كثير القلق ، يتملكه أحياناً  خوف  همجي  يفقد معه القدرة على الكلام ، ونحن نراه  يرتعش من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه)  و ( صفاء يحب أن يعرّفك دائما بنفسه ، فيقول لك : أنه ( صانع ) حسين مردان ، وأكثر من ذلك ، كان يقرضه المال وهو يعلم أنه لن يعيد إليه  شيئا مما يستدين ، وأنه ( معلم ) أخيه بلند  الحيدري ، الذي يكبره صفاء بخمس سنوات ، ويزيد تعريفا بنفسه : أنه أول شاعر ملاحم في العراق ، ومن روّاد الشعر الحديث ، وأنه بدأ نشر قصائده في مطلع الأربعينات ، وله ثمانية مؤلفات شعرية منشورة ) و (  أنه كثيرا ما كان يفتخر بأنه ( صنع )  شاعرين كبيرين ، الأول بلند الحيدري ، وهو أخوه الشقيق ، والثاني حسين مردان ، ثم يتكلف قليلا ، فيزيد أن بدر شاكر السياب سرق منه قصيدة ( زقاق ) وقلده في صورها وأجوائها ، وكتب من بعدها  (المومس العمياء ) !
هذا هوالحيدري الذي جاءني غاضباً والقى محاضرته ( العتابية ) وأنهاها بسؤال منطقي : أما كان حري بي دعوة صديقي حسين مردان للمنام عندي وانا ( العزّابي) بدل ان أستجدي المحامي المزعوم ..؟ ثم قال مودعاً ( ثق ان المعلومات في ذلك المقال مستقاة  دون تمحيص من أحاديث وهمية كانت يتباهي بذكرها حسين مردان تعزيزاً لموقفه من الصعلكة ) .. وعند باب مكتبي ردد الحيدري القول  ( كان مردان كريماً ، ابي النفس عالي الجناب ..)
وأكيد ان القارئ ، يرغب الان بمعرفة السطور التي أغضبت الحيدري .. لقد قال  السيد عبد الرضا ما نصه  في موضوعه المنشور في صحيفة الجمهورية يوم 5/ 10 / 1984 ( ان مشكلة النوم هي اساس التشرد في حياة مردان ، فبالرغم من تعوده على التشرد وبواسطة صديقه الشاعر صفاء الحيدري أستطاع ان ينتقل من الحدائق العامة الى شقة محام كان يعمل عنده صفاء .. قكان هذا المحامي يؤوي حسين مردان في الليل فيتركه ينام في شقته ) ــ إنتهت الفقرة ــ
وبعد هذه السنين أشعر بالندم على تسرعي في إجازة مقال السيد عبد الرضا علي الذي كاد ينهي صداقتي الطويلة مع الشامخ .. صفاء الحيدري !
 
مردان  ودواء الوهم ..

 انها لعنات حسين مردان التي طاردتني وجعلتني أتأخرفي سرد شهادتي حتى الان .. لكني طالما تحدثتُ ، فعلىّ اكمال الحديث ، وما سأرويه أضعه برسم الباحثين في حياة الاديب  مردان ،  للدلالة على بساطة حسين مردان التي لا تستقيم مع سلاطة لسانه ، فقد جاء مرة عند مغيب الشمس الى مبنى صحيفة ”  الحرية ” في احد ايام  كانون  الثاني من عام 1968 على ما أظن وكنت أحد محرريها ، وكان الجو شديد البرودة ، وكان لتوه معيناً في مجلة  ” الف باء ” وبقىّ في باحة الصحيفة ، قرب كشك التنضيد ومكائن الطبع ، لدقائق قبل ان ينادي بصوت عال على زميلي لطفي الخياط حيث كانت غرف التحرير في الطابق الثاني .. وكرر النداء مرارا ، غير ان الخياط لم ينته وكان منشغلاً في التحرير ، وعندما انتبه الى الصوت طلب اليّ النزول معه الى حيث حسين مردان ، وجدنا الشاعر جالساً على الطبقة الاولى من سلم الصحيفة المشيد من الآجر المتهالك …  أستغربتُ  من عدم معرفته بوصولنا اليه ، حيث سد  فتحة السلم بالكامل ، ولاحظتُ أنينه وونينه … كان متألماً من ساقيه ، وكان سبب زيارته هي التوسط لدى صيدلي مقرب جداً من الزميل الخياط  وهو صاحب صيدلية “رمزي” الشهيرة في وقتها والواقعة في ( عكد الجام ) وسط شارع الرشيد للحصول على دواء كان مفقوداً يخص مرض ( النقرس )  فوعده الخياط خيراً ، لكن حسين مردان لم يأبه لوعد الخياط ، وأصرّ ان نذهب معه في الحال الى الصيدلية .. كان في أشد حالات الألم ، فقررنا الذهاب معه الى الصيدلية وهي على مقربة من الصحيفة ، فمسكناه بيديه حتى قام ، ثم اخذنا نسير بهدوء بأتجاه ساحة الرصافي وسوق الصفارين فبناية البنك المركزي العراقي حتى وصلنا الصيدلية .. وقدم الصيدلي الرائع طارق  وهذ أسمه ، كرسيه ، ليجلس عليه حسين مردان فيما دلف مع الزميل لطفي الى الركن الخلفي للصيدلية وجاء بقنينة وسلمها الى الشاعر المريض .. فشكرحسين مردان الجميع بعد ان عبء في فمه ملعقة من الدواء وأستأذن الذهاب .. وسار على مهل حتى أبتلعه جوف ظلام شارع الرشيد .. وعدنا الى الصحيفة ، وبعد حوالي ساعة من الزمن ، أتصل حسين مردان معلناً فرحه بهذا الدواء ، شاكراً الزميل الخياط على موقفه الأنساني مؤكداً ان الصيدلي طارق يستحق قصيدة بحقه لأنه خفف ألماً لا يطاق .. وكانت مفاجاة كبيرة لي  حين اوضح الزميل الخياط ان الدواء الذي كان يبحث عنه حسين مردان غير متوفر، فأعطاه الصيدلي دواء مدررا ممزوجاً بالمهدئات ..
ومعروف ان النقرس او (داء الفيل) ، نوع من أنواع التهابات المفاصل، ويحدث بسبب ترسيب ( أملاح اليورات ) فى أنسجة المفاصل وما يحيط بها من غضاريف وعظام وعضلات. وهذا الترسيب يتسبب فى حدوث التفاعل الذى نسميه نحن ( التهاب ) وهو يسبب ألماً لا سيما لشخص بمواصفات حسين مردان البدنية ونمط غذائه المعروف والمتسم بالغرابة ، وقد شهدتُ تلك الغرابة عندما أقام مرة جلسة سمر في بيته ( كان بيتاً لم يكتمل بناؤه  غير انني لاحظته  فرحاً  به  جدا، اليس هو أول بيت يمتلكه؟ ) وفي نهاية تلك الجلسة  التي غنى فيها  ” عمران رشيد ”  زميلنا المحرر في صحيفة ” الثورة ” بصوته الجنوبي الشجي المعروف أغنيات من الشجن العراقي  ، قام بجلب الطعام وكان  بحق كريماً في دعوته تلك ، لكن الغرابة في الموضوع ،  طلبه الينا المباشرة بتناول الطعام ، لأنه سيأتي بعد قليل بطعامه الخاص .. وقد توقعت انه سيكون طعاما صحياً ، يناسب مرضه ، لكن هل تعرفون ماذا كان ذلك الطعام  ؟  كان مرق البامية مسكوباً على الرز اي ما نطلق عليه ( مرق على تمن ) وقد أكل بنهم وسط أستغرا بنا ، إذ ان ذلك الطعام لا يتلاءم مع ما حوته مائدة السهرة من مشروبات متنوعة ومزات معروفة !!
وعندما ، أعدتُ على مسامعه حكاية الصيدلية ، ضحك وعبْ قدحاً كاملاً من الخمر في جوفه ، ثم أنشد مقاطع من قصيدته الشهيرة ” براكين ” التي ضمها ديوانه ( قصائد عرية ):
            أنا من جف كأسه في يديه
                                        وهو مازال ضامئاً للخمور
            ياليالي لم أكن غيرخط
                                    أسود اللون في جبين الدهور
********
ناقد جارح .. يكره ناقديه !

هناك جوانب عدة ومهمة في مسيرة مردان ظلت بعيدة عن تناول المهتمين في متابعة عطاءات هذا الشاعر الذي أعطى نكهة للثقافة العراقية ونموها وصقل أطرها منذ نهايات الاربعينيات وحتى وفاته في عام  1973  .. هذه النكهة التي يتواصل ترديد صداها حتى اليوم ، جمعت في ثناياها  الجد بالهزل  والكآبة  والتمرد والتهتك والصوفية والوجودية  والتحدي والخوض في المحظور من قشور المجتمع ، وتلك الجوانب التي أعنيها هي ولوج حسين مردان عوالم  النقد وكتابة  القصة و المقالة الادبية الى جانب الشعر، وقد أشار الناقد المهم عبد الجبار عباس في كتاب له صدر بعد وفاة مردان بسبع سنوات عن دار الرشيد للنشر ببغداد عنوانه ( في النقد القصصي )  الى أهتمامات الشاعر حسين مردان بالقصة القصيرة ومزاولتها ، فذكرمجموعة من عناوين قصص نشر معظمها في صحيفتي الاهالي والأخبار، والثانية هي الصحيفة  التي عمل فيها مردان مصححاً ومحرراً فترة طويلة ، مثل ( دوران المراوح ، جديدة الشط ، نهر الوروار، حكاية من نقطة الصفر ، الشقي والنساء ، عودة البغي)  وغيرها وأكد الناقد عبد الجبار ( ان  أسلوب حسين مردان القصصي ، هو محاولة جادة لفهم الواقع ضمن سنوات الخمسينيات ، بلغ فيها الجهد الواضح في وضع خيط او عقدة كأساس لكتابة القصة وبالتالي استخدام الأسلوب  السلس الممتع لتبيان واقع وتصرفات شخوص هذه القصص)
 ثم يعود الناقد عبد الجبار عباس في كتاب آخر له صدر عن وزارة الاعلام عام 1981 بعنوان ( مرايا جديدة ) الى ” القاص” حسين مردان ليقول في ص 187 رأياً مهماً بحق مردان ( ان حسين مردان واحد من كتاب الحب والشوق في النثر العربي المعاصر، وهو الوريث الأكثر نضجاً وأقتدراً ورهافة لتقاليد النشر الفني العربي في تناوله موضوع الحب والشوق والغزل ) 
 وأذا ابتعدنا قليلاً عن ” القاص ” حسين مردان ، سنجد اننا نقف على ضفة أخرى في حياته وهي ممارسة النقد  الفصصي ، حيث بدأ في نقد القصص القصيرة على صفحات جريدة الاخبار ، فنقد  على سبيل المثال ،رواية ” صراخ في ليل طويل ” لجبرا ابراهيم جبرا  و ” الجدار الأصم : لعبد الملك نوري ، وهنا يزكيه الناقد عبد الجبارعباس بالقول  ( ان نقد حسين مردان كان متميزاً لأعتماده على الاقتحام المباشر لمواضيع القصة  الخ )

 لكني وجدتُ  حسين مردان ( ناقماً ) وليس ( ناقداً ) في مجال الشعر … كيف ؟
  لقد وقع في يدي كتاب متواضع الطبع والشكل صادر في عام 1955 عن المطبعة العربية ببغداد للشاعر حسين مردان  بعنوان ( مقالات في الادب ) ، ضم نقوداً ” عدائية ” ومقالات تفتقر الى الصدقية في محاكاة واقع الشعر وازدهاره في تلك الفترة التي ذاع فيها النشاط الثقافي في العراق ، حتى باتت مجلة شهيرة مثل ( الآداب ) تعيش على ما يبعثُ اليها ادباء العراق .. منها على سبيل المثال ما قاله  في ص 66  من الكتاب المذكور، بحق الشاعر عبد الوهاب البياتي حين وضع ديوان البياتي ” أباريق مهشمة ” تحت مطرقته ( ان اكثر قصائد ” عبد الوهاب ” مهشمة ، وأن السلك الخفي الذي يربط الصور ببعضها ..لا يبدو إلاّ متقطعاً)  وفي معرض ” نقده ” لديوان البياتي وضع حجرة من الشك في شاعرية البياتي بقوله  ان ( البياتي مقلد للشاعر التركي ” ناظم حكمت ، لا سيما في مجال التكرار وفي إستغلال الأمثال الشعبية )  ويصف شعر البياتي بـأنه ( كوم هائل من ” الكلمات ” تتدافع فيما بينها ) ورغم ان النقد الذي أشير اليه ، جاء بأتجاه ديوان محدد للبياتي ، إلاّ ان حسين مردان يعرج في نهاية مقاله الى شعراء آخرين ليفجر قنبلة تشكيكية ، حارقة ، خارقة بالقول ( ان البياتي وكاظم جواد والسياب ، يدفنون رؤوسهم في كتب الشعراء المشهورين ، يستمدون من أفكارهم وفنهم شيئاً ، يبنون عليه قصيدة جديدة ولذلك تلمح في قصائدهم أوصافاً غربية وصوراً لا تمت الى محيطنا بصلة )
ويبدو ان النهج النقدي الذي أشرت اليه  ، ظل يرافق مردان  حتى آخر ايامه ، وهو لم يستح من البوح به ، رغم ان دلالته تؤكد يشكل لا يقبل النقاش ، بأنه نهج لا يرتقي الى ابسط ملامح المسؤولية الثقافية  ، حيث قال في العدد 31 من مجلة ( الف باء ) يوم الاربعاء 29 / 1 / 1969 ( انا دكتاتور الحركة الأدبية ، وبأستطاعتي ان أهيل الجبل على اي شاعر ، كما بأستطاعتي أن أضعه فوق ناطحة للسحاب)
وهنا ، أذكر ملمحاً مؤذٍ  في سلوك حسين مردان ، وقد حاول في فكاهاته وسخريته اللاذعة وهزله وأمكاناته في أضفاء نوع من الألفة عند جلّاسه ، ان لا يظهر ذلك الملمح على محياه وقد  نجح ! ..  وهذا الملمح هو أكتناز ذاكرته بشعور من الضغينة ضد من يعتقد انه تعرض للإساءة على يديه ، خصوصاً من الذين كتبوا بالضد من شعره ، وكان من هؤلاء الكاتب محيي الدين أسماعيل ، حيث لاحظتُ عدم ترحيب مردان وأشمئزازه عند ذكر أسم الكاتب ” محيي الدين أسماعيل ” ويعرف زملائي مقدار مماحكاتي لمثل هذه الحالة ، ولا أذكر أنني ألتقيت يوماً بمردان ، إلاّ سألته بمعرض الأغاضه عن الكاتب أسماعيل !!
ودارت الأيام ثم الأشهر وتبعتها السنين ومضت على وفاة حسين مردان أكثر من عقدين من الزمن .. حتى  تسنى لي معرفة سبب مقت مردان للكاتب محيي الدين أسماعيل ، كان سبباً باهتاً ، لا يليق بشاعر وكاتب قصة ومقالة مثل حسين مردان  وهذا السبب هو بضعة أسطر كان أسماعيل كتبها  في عام 1955 بحق مردان ، وهذا دلالة على ان ثقافة النقد مفقودة في الثقافة العراقية ، فأنت تنتقد نتاجي وتضع أصبعك على الهنات بهدف التقويم والأصلاح ، فمعنى ذلك انك تتقصدني وتكرهني و.. و..
وقد بسط أمامي الكاتب محيي الدين اسماعيل اثناء زيارة  قمت بها اليه في بيته بحي الأعلام ببغداد صحبة الصديقين العزيزين د. احمد عبد المجيد وحميد المطبعي في بداية تسعينيات القرن الماضي ، نسخة من مجلة ( الآداب) صادرة في كانون الثاني عام 1955 وفيها دراسة بعنوان ( ملامح من الشعر العراقي الحديث ) تناول فيها شعراء عدة ومن ضمنهم حسين مردان ، وقد سمح لي الكاتب اسماعيل ان أدون ما قاله بحق مردان ، وهي رؤية نقدية عادية ، لكنها لم تكن كذلك في عرف الشاعر مردان فبقيت متجذرة في نفسيته ، وكلما كان يتذكرها ، صب جام غضبه على الكاتب الصديق محيي الدين أسماعيل .
ماذا قال أسماعيل ؟ قال في الصفحة   من العدد المذكورص57 مايلي ( ان هناك شاعراً آخر ، أختط لنفسه سبيلاً عُرف به ، هو حسين مردان ، صاحب ” قصائد عارية ” فقد كتب هذا الشاعر معظم قصائده في أغراض العهر والفجور ، محتذياً بذلك قصائد بودلير في ( أزهار الشر) التي أطلع عليها من الترجمات العربية ، كما أحتذى الجانب الأبليسي الشرير الذي نلمحه في (أفاعي الفردوس)  وقد برم المجتمع العراقي ، بهذا اللون من الشعر ، عند صدور ( قصائد عارية ) عام 1950 ، فأفاد الشاعر من وراء ذلك شهرة وذيوغ صيت لم تصمد أمام الزمن ، فتجربة هذا الشاعر ، لم تكن من التجارب الأنسانية التي تضطرب بها أغوار المجتمع العراقي اليوم..شعر حسين مردان ضرب من ” الداندزم” التي شاعت في أعقاب القرن التاسع عشر في اوربا ، ليُعرف عن طريقها الشباب الظرفاء !
هذا اللون من الشعر مات ، ولحق به قائلوه جثثاً نتقيحة ! )

وتنتهي سطور محيي الدين أسماعيل ، لكنها بفيت ساكنة داخل صدر حسين مردان 18 عاما وذهبت معه الى حيث دفن ..
هذا هو حسن مردان الذي قال يوماً عن نفسه :( أنا في ذاتي سر مغلق لا أرى في الناس من يفهمني .. مثلما جئتُ سوف أذهب : لغزاً يحتويه الغموض والكتمان ) .وقال ايضاً : (أنا دكتاتور الأدب وشبخ المشردين ) وهو الشاعر الذي ظل محتفظاً حتى اليوم بلقب صاحب أغرب إهداء ، حيث قدم لنفسه الاهداء التالي في ديوانه الاول ” قصائد عارية”  :  (لم احب شيئاً مثلما احببت نفسي، فالى المارد الجبار الملتف بثياب الضباب ، الى الشاعر الثائر والمفكر الحر، الى حسين مردان، ارفع هذه الصرخات التي انبعثت من عروقه في لحظات هائلة من حياته الرهيبة. حسين مردان بغداد 26/11/1949)

وينبغي التذكير ان لحسين مردان عدة مؤلفات ودواوين منها (قصائد عارية) سنة 1949 و(اللحن الاسود) سنة 1950 و(صور مرعبة)1951 و(الربيع والجوع) 1953 و(مقالات في النقد الادبي)  1955 و(اغصان الحديد) 1961 و(الازهار تورق داخل الصاعقة) 1972
رحم الله حسين مردان .. وفي الجعبة الكثير من الحكايا  !
zaidalhilly@ yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

تعليق واحد

  1. شكراااااااااااااااااا الاستاذ الحلي على هذا المقال الجميل خاصة بعد تتبعي لمسلسل سليمة مراد وحياة حسين مردان تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.