الرئيسية » إصدارات جديدة » يطعنون الهواء برماح من خشب
قصائد تناغي الوجود عندما تصنع اللغة التاريخ
ياسر جاسم قاسم

يطعنون الهواء برماح من خشب
قصائد تناغي الوجود عندما تصنع اللغة التاريخ
ياسر جاسم قاسم

يتملك الشاعر كريم جخيور السؤال دوما ، لان السؤال باب الشك المؤدي الى اليقين ، السؤال هو القدرة التي تكشف الحقائق بقوة اليقين ، وهو المسلك الذي يجترحه الشاعر كريم للوصول الى مبتغاه كفعل كينونة قائم بذاته .
ماذا لو كنا بلا غراب ؟
يعلمنا كيف ندفن قتلانا
يملأ قلوبنا بالنعيب
هل كنا سنجرؤ على القتل
ثم نبقى ننظر الى القتلى
وهم يتوجعون .. يتوجعون
كلما نظروا الى الوراء.
هو يستحضر الاسطورة الدينية التي وردت في التوراة ثم نقلت الى القران ، فعلا ماذا لو كان قابيل لم يقتل هابيل حسب قصة اول قتل في تاريخ البشرية ، ماذا لو كان الغراب لم يأت ليدفن الغراب الذي قتله لتبدأ قصة قتل الاخر وتبدأ سلسلة الالام والعذابات .
ماذا /القصية بمدى الاسطورة ، ماذا المشبعة بالكراهية ، كراهية الاخر والغاءه ، ماذا التي ينحني لاجلها الفرد مستقبلا مصيره على يد الجماعة ، الاخر الذي قتلناه لانه مختلف عنا مضهبيا ، مناطقيا ، فكريا ، مجتمعيا، ماذا / التي تقودها اكثرية لاغية لاقلية مجني عليها، ماذا / التمييزية /الاشكالوية ، ماذا/ العرقية ذات السيطرة الاجتماعية المقيتة المؤدية لافعال سيئة ومنها فعل القتل ، هذه الافعال تسوغها الجماعات SDT Social Dominance Oricntation لاعتقال ونفي الفرد المختلف وتمثل هذه السيطرة الاجتماعية الاساس الذي تقوم عليه سيطرة جماعة الاغلبية ، والسلوك التمييزي وهو وثيق الارتباط بالعرقية وغيرها من امراض العصر .
ماذا / التي يقصدها الشاعر التي ادت الى فعل الكراهية الذي قاد الى العبودية /الاستبداد /تدمير الثقافات المحلية ، تبجيل نوع من البشر على حساب نوع اخر، الفيلسوف الالماني (كانت) كان يعتقد ان بعض البشر اسمى من بشر اخر وبعض الاعراق اكثر تحضرا من اعراق اخرى .
نشر النمطيات المهينة التي تخص الاديان /القوميات/ الاعراق/ والتي تؤدي الى فعل الكراهية ، ماذا لو كانت قيمة الحرية هي الاسمى امام كل تلك الصفات ، فليس المفروض هو قولبة الثقافات باتجاه واحد وانما احترام الثقافات للامم الاخرى المختلفة ، طالما ان كل ثقاافة/دين /طقس ، من تلك الثقافات تساهم بطريقتها الخاصة في تعزيز الارتقاء العالمي للانسانية ومن غير الممكن وسم اية ثقافة بالدون .
ان الشاعر هنا يبرهن على ان الصناع الحقيقيين للتاريخ هم :الشعراء ،الانبياء، الذين يضعون ماذا ويذهبون ليفلسفوا واقعهم الذي سيتحول الى تاريخ.
اما عن توظيف (الاسطورة) فقد كان واضح المعالم في اثارة الواقع المرير .
• يقفز المكان في مسرح الشاعر ليشكل معمار القصيدة /المفقود في بوصلة الكثير من الشعراء
فالمسجد في الحيانية كان وحيدا
وبعيدا جدا
بيد ان المحبة كثيرة كانت
فلم يكن يشعر بالوحشة
المسجد بقبابه وباحاته ، وحيد /بعيد عن مسالك الناس، لا يرتاده الا لمما ولا يقرؤوا منه الا جذاذات ، فالمحبة ما كانت تنبع منه ، بل انها ترتقي من خلاله فهو ما كان شاعرا بالوحشة ابدا.
بل كل شيء لم يشعر بالوحشة بسبب الحب، المساجد تشتكي الى الله اذا ظلت وحيدة حسب الاسطورة الدينية ، الا ان الشاعر يفند هذه الاسطورة لانه يصور المسجد ، فلكلورا جميلا حاضرا الى جنب الكنيسة في مناطقنا وفي ذاكرتنا ، جميعا، ما كان يشتكي الوحشة لان الحب موجودا ، ولان الانسانية ما احتاجته لزرع الحب ، كان بعيدا جدا ،ولكن المحبة كانت قريبة جدا ، المسجد هو الفلكلور كما اسس له الشاعر ،ايقونة جميلة يصورها رجال الدين اليوم موحشة اذ فرغت من المصلين الا ان الشاعر يعطي رؤيته السائمة منهم مبرهنا على الكيان الجامع للمحبة . الاعياد المؤجلة الى سقف اخر من سقوف الحياة ، هكذا ارادها الشاعر وصورها حقيقة ..
نحتفي بعيد الشجرة .. ونقطع الاشجار
نقول عيد الام:
ونطعن قلوبهن بالمنافي والهجر
ونكتب عن عيد الاب ونحن نتثاءب من شدة اليتم
نحتفي بعيد العمال
ونحن ننظر اليهم ببرود
وهم يملؤون الساحات … بلا عمل
نترك الحب وحيدا ونحتفي بالدببة ملونة وبليدة
وهكذا هي اعيادنا مصطعنة اختفى منها الحب وهجرها.
اننا لم نك يوما مطمئنين الى اعيادنا ، اعيادنا اكذوبة ، نتحدث عن الحب ولا حقيقة له في حياتنا سوى عناصر كالدبدوب وغيره من مباهج لا تبعث على البهجة ، البهجة بالعيد والتي يريدها الشاعر هي الانسانية بأبهى صورها وصدقها.
وكما بدأنا هذا البحث ، الشاعر يوغل في الاسئلة التي يتأرجح بينها الشك واليقين ، الاذى والالم ، الانسانية المفتقدة في مجتمع بات لا يولدها.
كي لا يسقط الانسان لا تسأله اين ساقك؟
وحتى لايبرد ليلها وينطفئ الحلم
لا تسال المرأة التي تشهق بالانتظار
هل عاد زوجك من الحرب؟
وهكذا لا تسأل الطائر الذي في القفص عن رفيف الاجنحة
سؤال الحرية ..
سجين وبعيد عنها ، حرية الدين/ العقيدة/فمن يفقد الحرية لا تسأله عن حريته المفتقدة ، اما اذا استطاع ارجاعها فاسئله عله ينهض بها. اسأله بمعنى ، اين هذه الحرية ؟ واين من يبشر بها؟
• قصيدة الوحدة الوطنية المستلبة ….
لا وطنية حقيقية ، فالاستلاب هو ما حصل الا ان الشاعر يصر على ايجادها في مفترق قصيده ، فالعراق: وديان، جبال ، شلالات ، شط العرب ، اهوار، تمثال السياب ، كاظم الحجاج، شيركو به كس.
• الوفاء
له مكانته في قلب الشاعر فهاهو يعيد رثاء زوجته التي غادرت وتركت في قلبه الالم وهو يسرد لها تفاصيل حياته وحياة ابناءها ويصل بقمة وفائه عندما يخاطبها:
لم أغير وسادتي بعد
ليس وفاء، ولكن
لم اجد من تبذل لي الليل
بلا اسئلة
لا تقلقلي
لا تقلقلي
فما زلت ازرعك بين السطور
واحفظ حبك
عن ظهر قلب
وهو بذلك يطمئن ذكراها ، اني لن اغير وسادتي ، لن استبدلها بأخرى ، فهو ما زال يزرعها بين السطور ويحفظ حبها عن ظهر قلب ، وهو لم يجد عنها بديلا ، بالتالي فان وفاءه لها حاضرا ابدا.
الحرية تكركر من عدم تطبيقها وتضييعها في المجتمع ، فالظلام يخيم وليس منه مفر داخل المجتمع ، فلأن من هو مسؤول عن تطبيق الحرية عاش طويلا في الظلام ، ففاقد الشيء لا يعطيه ولا يمنحه.
انه يؤمن بالحقيقة دون رتوش، دونت تجميل، دون كذب على الذات، وعلى الاخر ، فالصباح لا يحتاج الى تجميل ولا الشمس ولا القلب المبتسم الحقيقي ، هكذا هي صورة العارف/ المتصوف وهو يرقص منتشيا في حضرة الاله ، الطفولة ايضا لا تحتاج تجميل، الحب لا يحتاجه ، هكذا نجد ان المعاني هذه لا تحتاج الى تجميل ، فالحب للاخر من يكن لا يحتاج تجميل بل هو واضح حقيقي،هكذا هي الحياة بمحطاتها هي كما يصورها ناظر المحطة /الشاعر
المودعون ،التلويحات الضاحكة
قبلات الاطفال ، الصدق
المسافرون / نحن /البشر
ناظر المحطة : اجمع ما تبقى على مقاعد الموودعين
من نحيب وشوق
وما تساقط من رسائل لم تصل
ومن عطر ظل نديا
لأكتبه قصيدة
ربما لم يقرأها المسافرون
ناظر المحطة : وظيفته الرئيسة الا انه ناظر محطة الحياة ، وهذه هي مهمة الشاعر الحقيقية عندما يتنقل بين محطات الحياة ويرصد ما يراه امامه /مسافر اخر
عارية /ذاوية
نحيب/ شوق
رسائل لم تصل
مسافرون
هكذا هي الحياة ، المسافرون يعبرون عبر المحطة ويرون ما يحدث امامهم من مهمات الحياة وصيرورتها واضحة المعالم ، ان الشاعر كريم جخيور يثير اسئلة الذات في قصيدة الذات الشاعرة .
كما اننا نرى وجوديته في قصيدة “ثنائية الوجود” اذ ان الوجود : بحر، غرقى، شاطئ، قمر، الليل، النهار، الحضور، الغياب، الحلم ، العقل، الحياة ، الحب، عناصر الوجود تتلخص في قصيدته هذه ، ولا حلم دون عقل.
فالمجانين لا يحلمون
العقل اساس الوجود المبتنى في هذا المجال
اسطورة الجنة
وفي قصيدة تنظم الى الاسطورة في مدياتها ، ممازجا بين اسطورة الجنة وبين ما يحدث على ارض الواقع ،(وهنا بالتحديد يصنع الشاعر تاريخه عبر اللغة) فعلى راي فتغنشتاين ان (اللغة هي التي تصنع التاريخ) متى ؟ عندما يعبر عنها بشجاعة المعنى ، والا ان كانت اللغة تناغم اللاوعي الجمعي فهي لن تصنع تاريخا ، بل ستجهض تاريخا ، وهكذا هم الشعراء عندما يتماهون مع المجتمع بتفكيراته العقدية والعقائدية ، ولكن كريم هنا صنع تاريخا تنويريا عندما عبر بشجاعة عن الاسطورة التي امن بها اللاوعي الجمعي وبالتالي حقق مقولة (فتغنشتاين)انفة الذكر
لم يخبرنا احد
انه رأى حورية في اليقظة
والذين هناك
اقصد في منتجعات الجنة \وقصورها لم يتصلوا بنا
فلا حقيقة وجود في منتجعات الجنة ، ولا احد رجع من هناك، ولم يبعثوا رسائل اطمئنان بوجود جنة ونار وحوريات ، فالامل بقي مرتهنا بالحورية التي تشاطرنا الوجود على الكوكب الارضي.
الا اني في هذا المقطع اشكل على الشاعر انه وضح كلمة(هناك) واعقبها ب (اقصد في منتجعات الجنة وقصورها) ، ولو كان قد اكتفى بكلمة هناك لاصبحت العبارة ابلغ واعظم لانها واضحة الدلالات والمفاهيم فهو يقصد الماورائيات التي يؤمن بها المجتمع عامته ، الا انه ادخل التفسير فاضحى المقطع بعظمته اكثر وضوحا ، وادخل القصيدة بالمباشرة ، ولكن قد يكون الشاعر هنا قد اراد ان يتقرب اكثر الى المجتمع ليعطي درسا تنويريا حالما
ويبقى الوجود يشغله ،فعندما ذهب الى الضريح لم يكن منشغلا بتاتا به، ولا بالذهب المكدس عليه، ولا بشبابيكه وادعيته وابوابه الكبيرة، ولابجموع اللاوعي التي تطوف حوله، بل كان ، منشغلا بالحمام/ الوجود، الذي يطير في باحته والحياة التي تتمثل في ماوراء ما نرى من اموات تختفي خلف شبابيكه. ان كريم جخيور في هذه المجموعة رسم للوجود ملامحه في وجه المرأة ، في الجنة المفقودة في الحورية الارضية ، في ناظر المحطة ، في العقل اساس الوجود، في تبديد الاسطورة ، في اليقظة بديل الحلم، في الجمال الانساني، واضح المعالم والدلالات ، في الحمام الذي يجاور مراقد الصالحين في تراتبيات الحياة وصيرورتها ، في جماليات الانسان ، في جماليات الحب بأبهى ومعانيه في الصباح، العمال ، ابناء المناطق الشعبية ، انه شاعر الوجود بامتياز .
لقد استطاع الشاعر ان يبرهن على عظمة الوجود والمعاني المرتبطة به ضمن افق الحياة ومسيرتها .

*عن صحيفة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *