شوقي يوسف بهنام: أذهب عني يا قدري اللعين !! رؤية نفسية لقصيدة ” حب قديم ” للشاعر عبد الوهاب البياتي

بعد كل السنين الطويلة والأيام المؤلمة .. طرق بابه القديم . هكذا يصور لنا البياتي ذكرياته مع ماضيه .. ذلك الماضي الأليم .. المتعب .. المثخن بالجراح . أيا ً كان هذا الحب . صديق عاد ليسترحم البياتي ويبث له همومه ؟ امرأة ندمت وعادت لأنها هجرت البياتي وخانته وهربت مع رجل آخر؟ .. رفيق له وشى به عند السلطات وجاء ليعتذر . المهم في كل هذه الحالات أن البياتي ليس مستعدا للقاء . لقد تعب من اللقاء والاستقبال وهكذا انزوى في بيته القديم . لا يهمنا المكان قدر ما يهمنا متاعب الزمان وغدره . لقد ذاق حرقة نار الزمن ، فهو بالتالي ليس مستعدا ان يعيد الخبرة من جديد ويعيش تفاصيلها مرة أخرى . الم يقال ” لا يلدغ المرء من جحر مرتين ” ها هو البياتي يترجم هذا القول المأثور في حياته القليلة المتبقية من عمره . وحتى لا نسبق الاحداث ونصادر الشاعر.. لنقرأ القصيدة معا ونرى كيف عاش البياتي الآم الماضي وحسراته ويتمنى الا يعود من جديد . يقول البياتي :-
وطرقـتَ بابي
بعد أن أغفى السكارى
وانتهى فصل سقيم
متوسلا
                               (الأعمال الكاملة ، مجلد 1 ، ص 387)
                                 **********************
ان البياتي هنا ،على الرغم من جرحه الذي سببه هذا الطارق لبابه ، فهو يبدو منتصرا . لقد جاءه هذا الآخر متوسلا . كل الاعراف والسياقات تجبرنا ، ومعنا ، البياتي ان لا نتمادى في ساديتنا إزاء الآخر عندما يأتي متوسلا . التوسل يعني الاعتراف بالذنب والتقصير والخطأ .والأعراف أيضا تقول ” من اعترف بذنبه فلا ذنب له ” . ولكن البياتي يعاني من أمرين معا ؛ الصراع بين احترام الذات من جهة وحاجة تلك الذات إلى علاقة سليمة مع الآخر .  الواقع ان هذه المعاناة ليست مقتصرة على البياتي فقط بل هي سلوك إنساني عام . فلا غرابة ان يعيشها البياتي كغيره من البشر . كيف جاء هذا الآخر إليه . هذا ما سوف نراه في بقية النص :-
سكران ، منسحقا ، كظيم
كالأرنب المذعور
كالطفل اليتيم
                                     (المرجع السابق ، نفس الصفحة)
                            ************************
إذن تلك هي حالة هذا الآخر وذلك هو مظهره  . انه نادم أيما ندم . آسف أيما أسف . جاء الى البياتي راجيا متوسلا عله يجد الصفح والغفران وعودة المياه الى مجاريها . ذلك هو الحل السليم لإنهاء معاناة الطرفين على حد سواء . حالة السكر التي جاءه بها دليل كبير على حزنه وألمه وقد وصفه البياتي بالمنسحق وهي دالة أخرى على الندم . يتضمن هذا السلوك مراجعة الذات . وإلا لم يأت متوسلا طالبا الصفح . في تتمة النص سوف نجد البياتي يتجاهل حضوره تماما . يقول النص :-
وقلت ، ماذا ، لست أذكر يا لئيم
غير انتظارك ، دونما جدوى
وراء الباب 
                                  (المرجع السابق ، نفس الصفحة)   
                              ***********************
في هذا المقطع ؛ نجد البياتي يتجاهل خطاب هذا الآخر . انه تجاهل عمدي ناجم عن كبرياء الأنا من جهة ، وعن العذاب الذي سببه هذا الآخر له من جهة أخرى . مهما كان الحب صادقا وعميقا وقويا ، فإن هذا لا يعني ان تكون الأنا ضحية لهذا الحب وكأنه هو قدرها الأوحد . للأنا كبرياء وهو ما يعرف بلغة علم النفس “عاطفة اعتبار الذات ” ، وهو مطلوب لإقامة علاقة سوية وناضجة مع هذا الآخر . في حالة البياتي ، تبرز هذه العاطفة في سلوك التجاهل الذي يمارسه مع هذا الآخر عندما جاء ليعلن الندم . حياة البياتي بدون هذا الآخر ، كما يصفها ؛ لنا حياة جوفاء .. صحراء قاحلة .. نهر جفت مياهه . انه نادم هو الآخر ، ولكنه ندم على ثقة لم تجد مكانها في حسابات هذا الآخر . لنرى كيف يصف لنا ، البياتي ، العالم من حوله ، اعني كيف ينظر الى ذاته من خلال هذا العالم الذي يعيش بين جدرانه وكأنه زنزانة لا حدود لها .  يقول البياتي مستطردا سرده معاتبا هذا الذي جاء خلف الباب منتظرا الابتسامة التي عهدها لديه :-
والليل البهيم
وثلوج هذا العالم الأسيان
غطت في عباءتها النجوم
والحارس الليلي
أغفى
تحت أكداس الهموم
                                      (نفس المرجع ، نفس الصفحة)
                            *******************
إذن ذلك هو العالم في نظر شاعرنا . و نظرته اليه  نظرة سوداوية و لاشك . البياتي يحتقر العالم برمته . ونتلمس أبعاد هذا الاحتقار من خلال عبارته :
وثلوج هذا العالم الأسيان
غطت في عباءتها النجوم
                             ********************
البياتي ، في هذا النص على اقل تقدير ، يتصور نفسه مسجونا داخل زنزانة ، إن لم يكن ذلك التصور قائم فعلا . فقط هي النجوم ذات البريق التي يراها شاعرنا من خلال تلك الزنزانة . كانت هي أمله الوحيد .. رجائه الذي يخفف من وطأة وحدته ووحشتها . ولكن ثلوج هذا العالم حالت دون استمرار بريقها ذاك . تلك هي عذابات البياتي أساسا ويأتي هذا اليتيم لكي يزيدها احتراقا ولهبا . الحارس الليلي علامة من علامات الرصد والمراقبة والملاحقة  وبالتالي رمز من رموز السلطة القامعة .. التي يعيش هاجسها ليس فقط شاعرنا البياتي بل كل الذين يعتقدون أنهم يحملون بين جوانحهم خطابا لتغير واقعهم  المرير والمعذب . نجده  اعني الحارس الليلي ، متجليا في شعر ” بلند الحيدري ” .. و ” سعدي يوسف ” وكل الذين ذاقوا مرارة تجربة المعتقل إن صح التعبير . هذه ملاحظة نسوقها ها هنا بعجالة ، نأمل ان تكون موضوعا لدراسة مستقلة لاحقة . ما ذنب هذا الحارس الليلي المسكين الذي غدا رمزا مشئوما ومذموما عند البياتي وغيره من شعراء الاعتقال . للحارس الليلي همومه أيضا وقد تكون ذات الهموم التي للشاعر المودع في الزنزانة ولكنه لا يستطيع البوح بها أو الإعلان عنها . انه ليس بالعدو إذن كما يعتقد أصحابنا الشعراء الحزانى . وهاهو البياتي يتفق معنا في هذا التصور عن الحارس الليلي . لقد غفى ولكن لما . يخبرنا البياتي الجواب بقوله :-
أغفى
تحت أكداس الهموم
                              ********************
إذن البياتي يشاطرنا الرأي إذن في يخص مسؤولية الحارس الليلي ودوره في عذابات هذا الشاعر أو ذاك . ينتقل البياتي فجأة إلى معذبه الحقيقي من هموم الحارس الليلي إلى وجه هذا الآخر الذي لن نصر على تحديد هويته . هذه المسألة نتركها للبياتي كهم من همومه . يقول البياتي :-
وقنوط وجهك في صحارى الموت
والعطش الأليم
وحذاؤك البالي
يجوب الليل ، ينتعل الغيوم
                                (نفس المرجع ، ص 387-388) 
                                 *****************
نتسائل إذا لم يك هذا الآخر امرأة هجرت البياتي وخانت حبه وغدرت به مثلما الغدر الزمان به . فمن يكون ولماذا يصفه باليتيم الذي يجوب الليل منتعلا الغيوم ؟؟. هل البياتي بهذه الفجاجة الشعورية والعاطفية حتى يطرد يتيما يطرق بابه ويجعله أسير الانتظار ؟؟ . طالما وصف لنا البياتي مملكته التي يحلم بها أو ان يكون امبراطورا وملكا عليها  بأنها مملكة اليتامى والمرفوضين والمهمشين والمنبوذين . وقد جعل شعار هذه المملكة عند مدخل بوابتها :-
يا فقراء العالم اتحدوا !!
                               *******************
لا نعتقد أن وصف اليتيم هو الوصف الذي ينطبق على يتامى البياتي وبهذه الدرجة من هذا القصد . إذن هذا اليتيم هو المحروم من حب البياتي ومشاعره . لم يعد له مكانا في حياة البياتي وحساباتها . لقد سحب البياتي ثقته منه . وبما إن البياتي هو مصدر الإشعاع في الوجود ، كما يعتقد هو . ألم يسرق النار من الآلهة ووهبها للبشر لكي يذوقوا ويتنعموا بأسرارها ، فمن الطبيعي أن يكون كل من خرج من حسابات البياتي وكل من تمرد على ما يعتقد ، أن يكون يتيما ومنبوذا ومهمشا ومحروما ، ليبقى هو ملك الفقراء الأوحد . كيف تمر الحياة مع البياتي ؟ أو كيف هو يمر معها ؟ هل يسير بجانبها .. يسير حيث تسير ؟ . هل يخالفها المسار ويسير عكس اتجاهها.. أم يسير في طريق ويتركها تسير في طريق آخر . لنرى كيف يرى البياتي مسار الحياة . يقول الشاعر :-
أعيادنا في الأرض
مرّت
والجحيم هو الجحيم
لن يبعث الموتى
ولن يتيقظ الداء القديم
فاذهب
ودع للناس ما للناس
يا طفلي اليتيم
                                      (نفس المرجع ، ص 388)  
                              *********************
نميل إلى الظن إلى ان البياتي يستوحي مقولة النبي سليمان الواردة في سفر الجامعة والتي تقول ” باطل الأباطيل . الكل باطل وقبض الريح .ولا جديد تحت الشمس ” .  وهي مقولة تفيد العبث واللاقصدية في الوجود ، وان الوجود هكذا كان منذ القديم وسيبقى هكذا إلى يفنى الوجود إذا استخدمنا تعبير جبران خليل جبران . والبياتي يستوحي أيضا مقولات فلاسفة الحضارة والتاريخ عندما يقولون ” التاريخ يعيد نفسه ” بمعنى  ان حركة التاريخ هي حركة دائرية مغلقة لا تنتهي الا بانتهاء دوارنها . وعندما يستخدم البياتي عبارة ” الجحيم هو الجحيم ” وهي عبارة قد تكون مستوحاة من عبارة الفيلسوف الفرنسي ” جان بول سارتر ” الآخرين هم الجحيم ” . فالعالم هو العالم ..أو الآخرين هم الآخرين . لم يتغير شيئ في هذا الوجود منذ ان كان وسيبقى هكذا إلى حيث يكون . المسألة المهمة التي يطرحها البياتي هنا هي ؛ ان الموتى لا يبعثون . وهذا هو الشطر المهم في خطاب البياتي الذي يريد الإعلان عنه هنا . وما يود البياتي ان ينطلق منه على ضوء هذه الفكرة أن الداء القديم لن يستيقظ . لقد نعت البياتي بحبه لهذا اليتيم بالداء القديم . البياتي لم يخلق لأن يكون في حوزة امرأة واحدة لا غير . البياتي ومن لف لفه لن ترضيه كل نساء الدنيا . كيف تستطيع هذه أو تلك من النساء  ان ترضيه وهو الذي سرق النار من الآلهة عند غفوتها . لا وألف لا . البياتي سارق النار ملك الفقراء . ينبغي ان تكون نساء الدنيا كلهن له محضيات وجواري لا غير . إذن ليس في نوايا البياتي أي رغبة بالعودة اليه ..إليها ..
اذهب
ودع للناس ما للناس
يا طفلي اليتيم
                               ********************
هنا أيضا يستوحي البياتي عبارة المسيح ” ادفعوا  الى قيصر ما لقيصر ، والى الله ما لله . هذه العبارة دعوة لوضع الأمور في نصابها  الصحيح وعدم الخلط بين مساراتها  . ولعل البياتي في استثماره لهذه العبارة يريد ان يضع حدا للاحاح هذا اليتيم الواقف وراء الباب بأن يدع البياتي وشأنه فالناس شؤون يسعون لتحقيقها هكذا للبياتي شؤون أخرى غير شؤون يسعى وراءها غير شؤون هذا اليتيم اللحوح اللجوج ..

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

فاروق مصطفى: (في حضرة عطرك) الكلمات هي الاخرى تتعطر وتضوع

كتاب ( في حضرة عطرك ) الصادر عن دار رؤى عام 2019 للشاعرة ذكريات عبدالله …

نبيل نوري يتأرجُ في بصرتهِ مِن خلالِ روايتهِ (سيدي قنصل بابل)
مقداد مسعود (ملف/1)

في مساء بصري جميل وفي قاعة الشهيد هندال: أقامت اللجنة الثقافية للحزب الشيوعي في البصرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *