حامد فاضل: الحرب مجدداً في أربع قصص

أربع قصص قصيرة جدا ً نشرها القاص حسين رشيد في العدد التاسع من مجلة فنارات التي تصدر عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة ، تحت هذه العناوين/  إجهاض / هدى /  الخليقة / عائد / .. وهي قصص اعتمدت الفكرة المؤثرة ، والنهاية الموباسانيية ، وانساب زورق ثيماتها في نهر لغة تلقائية ، بعيدة عن التصنع ،  والتعقيد .. خرجت علينا من محراب القص بأحداثها المواكبة لما نعيشه اليوم ، وما نفكر به ، ونترقب حدوثه ، فكانت موحدة بالموضع مختلفة  في التناول  .. وقد ارتأيت أن أضع قصتي ( هدى ، العائد ) في خانة الواقعية .. وقصة (  إجهاض ) في خانة الفانتازيا  ، أما قصة ( الخليقة ) فقد  صنفتها ضمن قصص الخيال العلمي مع ما تعانيه السردية العراقية من شحة في هذا الضرب من القصص .
                            1- هدى
 هدى قصة متسربلة بثوب الواقعية الحديثة تحكي لنا عن طالبة في المرحلة الإعدادية اعتادت قراءة مقال يومي لأحد الكتاب في صحيفتها المفضلة ، كما اعتادت على رؤية زبون واضب كعادته على شراء علبتي سكائر وقطعة شكولاته من كشك والدها الذي تعمل فيه صباحا ً ، وقد دار ذات صباح كلام عابر بين هدى ، وبين ذلك الزبون . ثم صار الحديث يتكرر حول المقال وكاتبه ، ولكنه حديث مبتسر يقطع دائما ً بإشارة شرطي المرور ، وقد عبرت هدى عن قلقها على كاتب المقال الجريء ، لما تشهده  من أحداث مرعبة ، أو تراه من صور يومية ممزوجة بالدم  .. ولكن الزبون طمأنها : ( سأحذره لا تقلقي ) غير أن هدى أصيبت بالذعر وهي تقرأ رد كاتبها المفضل على رسائل التهديد والوعيد التي كانت تصله باستمرار ، ويلاحظ الزبون الدائم  الخوف المرتسم على وجه هدى فيسألها :  هل قرأت مقال اليوم ؟ فلم تجبه بغير نعم . وعادت تتلفع بالصمت الذي أرهبه فراح يكرر السوآل : هدى ما بك ؟ وقبل أن تهمس شفتاها بحرف ، أشار شرطي المرور بفتح خط السير .. وفي صباح اليوم التالي لم يأت الزبون الذي تنتظره هدى المصدومة بخبر النعي المنشور في الجريدة والذي يشير الى اغتيال كاتبها المفضل .. ولقد نجح حسين رشيد في إبراز ما نعانيه ونعيشه ، نراه ونسمعه ، ونصطدم به كل يوم .. ذلك هو القتل المجاني المقيت الذي يشهده بلدنا ، والاغتيال الانتقائي المبرمج للعلماء ، والسياسيين الوطنيين ، والمثقفين المؤثرين الموسومين بنصاعة إبداعهم  ، لأن جل ما يغشاه أعداء العراق هو سلاح الثقافة العراقية ، فهم على غرار أسلافهم من النازيين والفاشست .. لقد كان كوبلز يقول : كلما سمعت بكلمة مثقف ، تحسست مسدسي .. وقد أدان  حسين رشيد هذه الظاهرة الدنيئة والطريقة الجبانه التي تستخدم فيها كاتمات الصوت لكتم صوت المثقف العراقي  الذي يعتز بعروبته وانتمائه الحقيقي لهذا الوطن الحبيب .. ولكني أعتقد أن القصة أعطت أثرها الكلي وانتهت عند هذه العبارة : ( صدمها خبر النعي المنشور في الجهة اليسرى العليا من الصحيفة والذي يشير الى اغتيال كاتبها المفضل ) .. يقول حسين القباني : توقف عندما تشعر أن القصة استوفت نهايتها ولا تجعل لها ذيلا قد يسئ اليها . ولذا فقدت جاءت الفقرات الأخرى مقحمة على خاتمة القصة ، ومفسرة للنهاية التي يمكن للقارئ اللبيب معرفتها دون تدخل القاص لتفسير الحدث .
                             2- عائد
 تعالج قصة ( عائد ) موضوعة شائعة في البلدان التي عانت أو ما تزال تعاني من ويلات الحروب ، وربما حدثت ولو بشكل مختلف لأكثر من عائلة عراقية ، فقدت أبناءها بسبب مسلسل الحروب التي خاضها العراق ، والتي خُتمت بتمزيقه وتشظيه وزيادة اللاجئين والمفقودين من أبنائه .. وقد استهل حسين قصته بإشارة الى الدم المراق : ( قرص الشمس النيساني يميل الى الحمرة ) ثم انتقل الى وصف حالة الحرب أو ما بعد الحرب . فالمدينة تصطخب بالأصوات / اطلاقات / سرفات / دبابات / طائرات / انفجارات / ولكنها برغم ذلك ما تزال تأمل بالخلاص ، فثمة قمر مكتمل ونجوم متلألئة في ليلها المطبق .. ويهىء القاص بطل قصته لاكتشاف الخبر المؤلم الذي ينتظره من خلال حركة الأبراج ، كما أنه لم يضف ( أل ) التعريف الى العنوان ( عائد ) لكي يوحي بحالة العودة المتكررة التي تتولد من حالات الحروب المتواصلة ، وما ينتج عنها من فقد وتهجير ، كما أنه لم يمنحه اسما بل تركه هكذا تحت عنوان ( عائد ) وهو عنوان عام لكل المهجرين والمفقودين والهاربين من الجحيم . ما دام التنور مسجوراً ، وما دامت الشعوب المقهورة هي الضحية الدائمة المبتلية / بالمستبدين / النرجسيين / المصابين / بداء العظمة الذين يسقون شجرة تأريخهم الأسود بدماء الأبرياء .. وفي إشارتين ذكيتين من القاص لإظهار تأريخ الحروب التي خاضها العراق على تضاريس المدينة ، فأنه يشير الى أن بطل قصته يقف على المفترق ذي الاتجاهات الأربعة .. أكانت وقفته تلك لقراءة ما كتبته البنادق بمداد الدماء في ألواح المدينة ؟ .. كما أن القاص أشار الى تنحي العائد عن  سيارة إسعاف كانت تمر في الشارع شبه المهجور ، وهذا تلميح ذكي لما يوحيه مشهد سيارة الإسعاف في بلد ما يزال يعيش حالة حرب .. ولإظهار الامتلاء الداخلي لبطل القصة ، يعمد حسين رشيد الى نفض جراب ذكريات بطل قصته منذ عشرين عاماً / المحلة / الزقاق / بيت الحبيبة / دكان العم سعيد / ثم أول سيجارة نفث دخانها سراً  .. كما نتعرف من خلال المشاهد الخلفية في القصة ، على خلفية العائد هذا الذي كان قد عبر الحدود الى بلد مجاور في الوقت الذي استلمت فيه  عائلته جثة محترقة مجهولة المعالم ، ظنا ً منها أنها جثة ابنها المفقود . فيما واصل هو تخفيه وتواريه عن الأنظار عبر بلدان العالم ، حتى عودته الى بلده المحطم ، اثر خروجه من حرب أتت على الضرع ، والزرع .. فالذروة إذن تبدأ من وصول العائد الى بيت أهله . ليجدهم متسربلين بثياب الحزن والأسى ، ويقابله الناس باستغراب بديهي ناتج عن طول فترة الغياب ، وكذلك كان حال أبيه الذي لم يتعرف على ابنه للوهلة الأولى .. ثم سرعان ما تتكلم العيون، وتخفق القلوب ليكون ألابن بين ذراعي أبيه الذي يخبره بوفاة أمه  اثر معرفتها بمصير إخوانه الأربعة وشقيقته الذين اختفوا على أيد السلطة بعد هروبه . إذ تبين أنهم اعدموا بعد انتهاء الحرب الثانية.. ولقد تمكن القاص حسين رشيد وبمقدرة عالية من إدانة الحرب، وما أظهرته المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد الحرب من خلال تناول الواقع الذي عاشه العراق ، وما يزال يعيشه على مستويين الأول ما قبل الانهيار أو الاحتلال والثاني هو ما نتج عنهما . ولما يزل البلد لم يصل الى فترة النقاهة 
                            3- إجهاض

تتناول قصة إجهاض ثيمة النقيضين الأزليين المتوازيين اللذين لا يلتقيان في مسيرهما الحثيث نحو الأبد ، الذي لا يعلمه إلا من بسط الأرض ، وجعل الإنسان هذا  المخلوق  / القوي / الضعيف / خليفة عليها .. وبرغم أن القصة خرجت علينا بحلة فانتازية مفترضة ، إلا أنها لم تبتعد عن سياق الواقعية المفروضة . فرسالة القاص التي أراد حسين رشيد توصيلها الى القارئ واضحة وجلية ، وعلى درجة كافية من النصاعة التي لا تشوبها شائبة من فلسفة الواقع ، وتأويله ، وتحميله بما يغاير معايشتنا له ، ومعرفتنا به عن كثب .. وأنا كقارئ أميل الى هذا النوع من القصص الذي يعمد الى اختيار مواضيع مغايره .. كيف تنكر الأم أبناءها ؟ وكيف تلفظ الأرض عمارها ؟ .. حين تحاصر الإنسان النوائب التي تتناسل بفعل ما تقترفه يداه ، فانه يلجأ الى عالم الغيب بحثا ً عن السلام ، والاطمئنان ، ويستعين بالغيبيات لردم  الفجوات التي تخلقها قساوة الواقع التي تفرض عليه ، أما التكيف والتعايش معها ، أو السعي الى تغيرها ، أو الوقوع في شراكها ، أو الهروب منها الى واقع يوتبي متخيل ، ولا يتأتى ذلك الهروب إلا باللجوء الى أسباب الغيب .. ومنذ الاستهلال يضعنا حسين رشيد أمام حالة النقائض هذه  ( منذ أيام عدة تغير الحال ، وظل ثابتا ً على شكل التغيير، فنصف الأرض مضاء بنور الشمس ، والنصف الآخر معتم بشكل تام . ) وقد أثار هذا التغيير استغراب جميع الكائنات التي أثث الخالق بها الكون ( الشمس بدورها مستغربة والقمر ذات الشىء ، وباقي الكواكب السيارة ، وغير السيارة ، حتى الأنجم والنيازك والمجرات الكل مستغرب ، وهو يستعلم مذهولا ًعن سبب وقوف الأرض هكذا بدون سابق إنذار ) ومن فرط  استغراب الناس وخوفهم من الأرض التي صارت تصنع من أنهارها حبلا ً ومن أشجارها وتدا ً، صاروا يبدلون أديانهم ، ويتبادلون الأدعية ، والابتهالات ، ويعدون الساعات ، والأيام في انتظار المخلص والمنقذ .. وحين بلغ الإحباط الإنساني ذروته ،  خاب أمل الأرض بأبنائها بعد أن بدأت حبال الأنهار تلتف على رقبة الأشجار لتشنقها ، حيث لم يعد الدعاء والتوسل مجديا ً بعد فوات الأوان ، فسرعان ما دوى صوت في فضاء الكون ( لقد مللت الأبناء غير الشرعيين في جوفي ) ومع دهشة الناس وانفعالهم بذلك الصوت الذي خلف صداه تشظي الوتد الذي صنعته الأرض من جذوع الأشجار يصاحبه مطر  صبغ الكون بلون الدماء ، ثم انشطرت الأرض مجهضة بكل الأبناء غير الشرعيين .. ولقد أحببت هذه القصة الجميلة السبك ، المرعبة الحدث ، ووجدتني أضم صوتي الى ذلك الصوت الذي تردد صداه في الفضاء اللامتناهي مطالبا ً الأرض بالتخلص من كل أبنائها غير الشرعيين ..

                            4- الخليقة
قصة طريفة لا تبتعد كثيرا ًعن قصة إجهاض في اعتمادها الحرب كحدث خطير، رغم عدم التطرق الى ذلك بشكل مباشر ، كما في القصص الثلاث السالفة .. في هذه القصة يعمد حسين رشيد الى الاستخدام الفانتازي لما تعنيه الحرب من خلال الافتراض على الواقع ، فيتناول موضوعة بقاء وديمومة الجنس البشري ، ومحوره حواء التي هبطت الى الأرض بسبب تفاحة ، وبتفاحة   أخرى ربما يعيدها  حسين رشيد الى فردوسها المفقود .. والقصة هذه كسابقاتها تدين الحروب ولو بشكل مغاير . فنحن نشعر بتلك الإدانة ، ونكاد نجسها في ثنايا الحدث رغم عدم تصريح القاص بذلك .. فمن المألوف أن الصدفة المفرحة ، أو المحزنة تكاد تمر في معظم أيام حياتنا  وقد تتسبب ، أو لا تتسبب في إثارة هواجسنا . فقد يستقبل البعض الصدف بالامبالاة ، وكذا هو حال الحدث العابر العرضي ، لكن تكرارهما يجلب القلق ويصبح مدعاة للخوف ( الأمر أصبح مثيرا ً للاهتمام والجدل ، فلليوم الثالث لم تسجل أية حالة ولادة في جميع الأنحاء ، مع تزايد معدل الوفيات بشكل ملحوظ ) وأمر طبيعي أن تثير مثل هذه الحالة إذا ما استمرت لفترة طويلة الاستغراب ، والتساؤل ، ثم الرعب  وبخاصة إذا رافقتها حالات إجهاض متكررة ،   تتزامن طرديا ً مع التناقص المستمر في البشر من المليارات الى الملايين ثم الألوف .. الدول والبلدان الكبيرة لم تعد موجودة ، وربما لجأت معظم الدول  بعد أن  اضمحلت وصغرت الى الاتحاد في دولة واحدة .. الأرض آخذة بالانكماش  ، والصحارى والبحار والمحيطات الرهيبة أيضا ً ، وفرق العلماء عاجزة عن إيجاد التفسير برغم استخدامها لمنظومات تكنولوجية وطبية متطورة ، وكذلك هو حال السحرة والعرافين  .. ثم حدثت الطامة الكبرى ، حين بدأت جثث الموتى بالاختفاء غب الموت ، واستمرت الأرض بالتناقص والانكماش حتى تحولت الى جزيرة صغيرة ، تجمعت عليها بقية الكائنات الحية المهددة بالانقراض .. رائحة الموت تنتشر في كل الإنحاء ولا ولادات جديدة تحدث رغم أن أدوية الخصب ، والمنشطات الجنسية كانت توزع مع وجبات الطعام ،  كما أصبح النكاح مشاعا ً ، حيث اتفق على أن تنكح الثلة الباقية من الرجال جميع ما تبقى من النساء اللواتي خضعن للمعاينة الدائمة ، والعناية المركزة ، لعل واحدة منهن تكون رائدة لبعث الحياة من جديد .. مات معظم العلماء ، ولما يكتشف السبب .. وأخيرا ً حدثت المفاجأة الكبرى ، عثر على إحدى النساء وقد بانت عليها علامات الحمل .. ولكم أن تتصوروا وقع هذا الخبر على الثلة الباقية من الناس ، بسرعة مذهلة تلقف الأطباء المرأة ، ولم يهتموا لموت الرجل ، المرأة حامل وهذا هو المهم  ، لكن خلافا ً حصل بين ممثلي الأديان بشأن المولود المنتظر فالأم كانت على غير دين الأب ــ إشارة ذكية ــ وقد تطور هذا الخلاف وكاد يؤدي الى حرب جديدة لولا تدخل الموت الذي أفناهم جميعا ً. ولم يتبق سوى المرأة وأحد الأطباء ــ حواء أخرى وآدم آخر ــ وحين حانت ساعة المخاض وضعت المرأة بيضتين ولحقت بقافلة الناس الذين سبقوها لم يدفن الطبيب المرأة لقد تكفلت الطيور والغزلان بدفنها تحت شجرة التفاح

شاهد أيضاً

الكُتل التجريديّة في ديوان الشاعرة التونسيّة “هندة السميراني” (أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات)
بقلم: كريم عبدالله – 22/11/2020 – العراق .

ما هي القصيدة السرديّة التعبيريّة , ماذا نعني بالسرد , وماذا نعني بالتعبيريّة , ولماذا …

مهند الخيكاني: بين الرواية والفيلم: تحولات الخفّة وهروب الكائن الثقيل

يصدق القول على مثل هذا الفيلم ، والمقصود هنا فيلم “كائن لا تحتمل خفته ” …

النسق المهجري والشعور بالغربة في رواية رياح القدر للكاتب مولود بن زادي
بقلم: الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

لاشك أنّ قارئ رواية (رياح القدر) للكاتب الجزائري البريطاني مولود بن زادي سيلامس من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *