ميسلون هادي: باترون جرادة أو مليون طريقة لوصف جرادة

كان الهواء نقياً إلي درجة كبيرة جعلت حتي الجراثيم تخرج للتنزه في الهواء الطلق، وبدون أن تدري أصابتني وأصابت الجميع بالرشح.. إنه الربيع.. وفي أوقات الربيع يطيب للبشر أيضاً الخروج إلي الهواء الطلق كما تفعل الجراثيم.. ولكن لا ورد في الحديقة، ولا بعبع في الرأس.. فلا مفر إذن من زيارة المشتل في طريقي إلي السوق.. وبعد ذلك أذهب لشراء اللهانة والبرتقال ولربما لفات الفلافل أيضاً.. وتلك هي أفضل فكرة ليوم ربيعي، لولا أني، عند الاقتراب من السيارة البيضاء التي لم أقدها من سنوات، وجدت علي مقبض بابها الخلفي جرادة.
الساعة هي التاسعة بالضبط.. وتوقعت أن تطير الجرادة بعد صيحتي الجبارة: جاءت الوطنية.. افتحوا الباب لكي أشعل السخان.. .. ولكن هذا لم يحدث سواء خلال تلك الصيحة الجبارة أو بعد تشغيل السيارة والانطلاق بها إلي الوراء.. … دان دان دان.. … لا أريد الرجوع.. .. دان دان دان.. لن أتحرك.. .. دان دان دان.. ولن أرجع.. ولكني في النهاية رجعت بعد أن توقفت عربة الأغراض العتيقة من أجلي.. في حوضها الخلفي رجل ينادي:
– كنتور عتيق للبيع.. قنفة عتيقة للبيع.. صوبة عتيقة للبيع..
وبعد قليل انضم إليه رجل آخر مر بالمصادفة، وتبرع لإرشادي إلي الخلف دون داع فاتضح إن فمه أعوج وإنه لا يسمع.. قال:
– إرجعي إلي الوراء.. أنت في المسار الصحيح.
تعثر عكازه بعارضة الرصيف ولهذا لم يستطع أن يرفع يده في الرد علي تحيتي . أبو المجاري الكذاب لم يأت بعد، والسمكري الحباب يريد باقي أجرته.. وهو الآن يقف أمام باب البيت وينتظر.. فقلت في الموبايل للجميع سأعود بعد نصف ساعة.. ومرت نصف ساعة تبعتها نصف ساعة أخري وأنا قرب نقطة السيطرة.. وصار الوقت نهاراً بعد أن كان ضحي، وأكلت من حب الشمسي قمر.. وشربت من ماء القنينة.. وعندما رأيت القرنفل بعد شهرين من البحث في المشاتل، نزلت وتفاهمت مع صاحب المشتل علي شرائه في طريق العودة إلي البيت.. وقرب النفق رأيت طاووساً.. ومرة أخري توقفت لأحجز شتلة نرجس بعد أن أغراني الطاووس علي النزول.. . دان دان دان.. أرجعي.. أرجعي.. أرجعي.. وتبرع رجل آخر لإحراجي أمام المارة.. … دان دان دان.. تروب.. أديري المقود.. تروب.. كفي.. .
– إرجعي إلي الوراء..أنت في المسار الصحيح.
اتضح أنه لا يسمع ولا يري أيضاً.. وإنه بلا أذن ولا شعر ولا قدم.. ويبدو كأنه قد عمل لوقت طويل صبياً لسائق نفرات قبل أن تنفجر به السيارة.
تقدمتُ باتجاه الطريق المؤدي إلي فرن الصمون.. ورفعت زجاج النافذة لاتقاء الغبار، وسمعت صوت صفارة الشرطي منغمة الصفير، ثم رأيتها قرب التقاطع معلقة في شريط علي رقبته والمسدس مائل في حزامه.. أبو التبليط كان يواصل عمله في التقاطع نفسه أثناء الرجوع. وكاد الريال مدريد أن يعدل النتيجة قبل أربع دقائق من نهاية المباراة ليخرج منتصراً.. .ولكن التسديدة ارتطمت بالقائم، ولم يكن الفريق بالمستوي المطلوب.. ولا أحد كان يتوقع هذه النتيجة…لا أحد.. لا أحد.
الحادلة العملاقة لا زالت تفرش القار علي الشارع وتدفع حباته السوداء الزائدة علي حافتي الطريق.. وبين أكوام القار اللامع كانت تدوس الأرض ببطء شديد، فيصبح الدرب مستوياً كالعجين المختمر… بعد فرشه بالشيبك… لولا الحادلة لما غيرت طريقي ورأيت الإتيليه الذي ظل مغلقاً بعد الحرب لعدة سنوات، والآن يبيع لوحات الخيول وأخري عليها تمائم وحدوات وآيات قرآنية. وصلت إلي محل آخر يعرض أثاثه علي الرصيف يوم الجمعة، وباقي الأيام يختفي هو وأثاثه عن الأنظار.. ولكني مستعجلة ولا أستطيع النزول أيضاً.. أين محلات العسل ومعجنات القمر؟.. وأين محلات سيد الأسعار وملك الاسعار وجنة الأسعار؟.. أصبحت كلها ورائي.. وأمامي عبد أبو البارك يجلس علي كرسي متحرك ويرفع يده لكي أرجع إلي الوراء.
بالنسبة للجرادة العملاقة لا تزال ثابتة علي مقبض السيارة الخلفي.. شيء مرعب وغريب.. تبدو لي من المرآة شبيهة بأول طائرة ناقلة للمارينز حطت علي منصة مائية في الخليج العربي.. وبوش أيضاً يستعمل واحدة مثلها عند الانتقال من البيت الأبيض إلي مقر الأمم المتحدة في أقل من ساعة.. وفي أقل من دقيقة نسيتها بعد أن تجاوزت محلات الرباط لبيع الكيك والعرايس.. وتوقفت مرة أخري عند سيطرة مرتجلة تنتصف الطريق بين سيد الأسعار وسيد الحليب.. ولا يوجد أفضل من شدة ورد صناعية فوق صبة واطئة يقف قربها جندي يدخن وخلفه بيتُ شِعرٍ من قصيدة (الجيش سور للوطن)… المنظر يوحي بالأمان.. خصوصاً وإنه يتكرر مرتين في الدقيقة الواحدة وعشرين مرة في اليوم الواحد.. يعني ستمئة مرة في الشهر القمري الذي يحمل فيه الجندي جهاز الكشف عن المتفجرات وقربه نصف رجل.. كان الجندي سعيداً بموقعه الرفيع الذي يطلب فيها الهويات، وعندما يري الهوية يضحك ويلتوي فمه كأنه لا يجيد القراءة.. اقترب نصف الرجل من النافذة، فأغلقتُها قبل أن يعرض علي عاهته التي علمتْه الشحاذة.. لم أستطع النظر إلي يده المقطوعة.. وعندما شلّه ردنه إلي أعلي، رأيتها مبتورة من المرفق.. . التفتَ عني إلي سيارة أخري، يطل من نافذتها طفل منغولي في ملكوت بعد ملكوت… وكان ناظم الغزالي يغني بعد الفاصل..أحبك وأحب كلمن يحبك.. وأحب الورد جوري عبنّه بلون خدك…
الساعة هي الحادية عشرة وقت الضحي.. كان الجو بدأ يسخن ويتحول إلي جحيم… وبالرغم من حاجتي إلي الخضروات لم أنزل لشراء اللهانة أو البرتقال، ونسيت شتلة النرجس التي اتفقت حولها مع صاحب المشتل.. وحتي الموز، الذي قررت شراءه قبل أن أخرج من البيت، ألغيته بعد أن شاغت روحي من الحر… وبعد طسة أعلي من عشر طسات سابقة.. قال المذيع إن الثوار يقاومون في البريقة ويعيدون مصراتة… عادت مصراتة بيد الثوار وأسقطوا المروحية وأخذوا العتاد المضاد للصواريخ ولكنّ درعا تثور وعدن تفور.. تفور؟.. طبعاً تفور.. والجرادة العملاقة تقف بثبات علي مقبض السيارة الخلفي.. أين فلافل سعيد أبو إيد الوسخة.. عطس ووضع أنفه علي كم قميصه.. ماذا يفعل؟.. النقود في يده ولا يوجد منديل.. لماذا لا تلبس قفازات مطاطية يا سعيد؟.. والله هسه راح يجيبها الولد من الصيدلية.. عنبة لو صاص.. عنبة وبس.. ببسي لو عصير.. ببسي وعصير… من زمان ماكو…
دان دان دان.. هذا مكان السلطان.. وتبرع صبي سمين كان متربعاً علي الرصيف لإرشادي إلي الوراء.. خطوة أخري إلي الخلف باتجاه الميني المول المحاط بالبول.. ورجعت للبيت يتبعني السمكري الحباب لتصليح الحنفية في الحمام.. كان لا زال ينتظر في الظل البارد أمام الباب بدون ملابسه العسكرية التي رماها إلي الزبالة.. . ودان دان دان.. افتحوا الباب.. جاءت ماما..
– افتحوا الباب.
– لن نفتح.
– أنا ماما..
– لا.. لا.. . لست ماما..
– تالي وياكم.. أنا ماما ولست الذئب.. افتحوا الباب..
– إذا كنتِ ماما، مدي رجلك من تحت الباب لنتأكد..
– وبعدين؟.. ولكم أنا ماما.. تعالوا ساعدوني…
انفتحت الباب.. هاكم كلوا قبل أن يدخل السمكري.. أين هو؟.. في الباب يدقق في الميزانية.. صار له ساعة يقف هناك حاملاً شهادة ماجستير في التاريخ.. .ومفكاً لفك الصامولات والمحابس من الأنابيب.. عدت لأغلق الباب فوجدت الجرادة العملاقة لا تزال علي مقبض باب السيارة الخلفي.. . ماهذا الرعب.. تبدو قبيحة الشكل، وهذه واحدة من مليون طريقة لوصفها.. في جوفها مئة بيضة.. وهذه طريقة أخري.. .عملاقة ويحيطها درع أخضر.. طريقة أخري.. وتستطيع قطع البحر الأحمر بدون توقف..طريقة أخري.. . وتصدر أصواتاً عالية بسبب حك الأرجل والأجنحة مع الجسم.. .أجسادها آلات طعام وحياتها عبارة عن سلسلة من الوجبات المدمرة..تملك أصابع في فمها بدلاً من الأسنان واللسان.. ياللرعب.. الربيع بديع وهي تدري أحسن منا.. ..حقاً؟.. سرب واحد منها يأكل ما يكفي مدينة بغداد لشهر كامل..رباه…ترتدي معطفاً أ صفر اللون عند البلوغ وتأكل رأس الذكر بعد الزواج.. أويلاه.. ..وبضربة من ساقها الخلفي تبدأ الهجوم في أسراب مهولة تشبه الغيوم.. اللعنة.. وفي رسومات الكارتون يجعلونها قائد أوركسترا…ياللعار .
.. مكتوب تحت صورتها أيضاً في كتاب علم الاحياء المقارن فضائح أخري.. أنها تأكل الأخضر واليابس.. وأن صغارها أخطر من الكبار… وفي الجزيرة العربية يقدمونها طعاماً للضيوف الأعزاء.كما أنها تكتسح كل نبات يقابلها وتلتهم ما يعادل ثلاثة أضعاف جسمها من الورق.. .. تروب…تسقط واحدة من الورقات إلي الثيل.. تروب.. وأخري إلي الساقية.. تروب.. وأنهي السمكري عمله وأعطيتُه الأجرة، تروب فعاد إلي مكانه في الظل البارد قبل أن يغادر.. ودان دان دان.. أخذ الثوار من المروحية المدمرة عتاد الصواريخ واسترجعوا مصراتة.. وبدون أن تغادر الجرادة العملاقة مكانها علي مقبض السيارة الخلفي ، قصف الناتو ضواحي طرابلس وعادت مصراته بيد كتائب القذافي…
ظلت الجرادة تقف بثبات عجيب علي مقبض السيارة الخلفي ليوم كامل.. ولكن أين هي في نهاية اليوم؟.. لم أجدها.. اختفت وأصبحت مقطّعة الأوصال.. تحمل أرجلها قبيلة من النمل باتجاه بيت من الرمل تشبه فتحاته فوهات البراكين.. وهذه طريقة أخيرة لوصفها. في أفضل نهاية ليوم ربيعي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.