طلال حسن: صفحات مطوية من الحركة المسرحية في الموصل (6)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

الجمهور والمسرح في الموصل

لنتصور عرضاً مسرحياً بلا جمهور ، أو جمهوراً متعطشاً للمسرح ، ولا يجد عرضاً مسرحياً واحداً ، كلاهما لا شكّ كابوس .
ولو استعرضت العروض المسرحية ، المحلية أو العربية أو العالمية ، التي شاهدتها طوال فترة مواكبتي للحركة المسرحية في الموصل ، منذ أواسط الستينيات حتى الوقت الحاضر ، لأمكنني القول إن إقبال الجمهور على مشاهدتها ، كان على الأغلب متواضعاً جداً .
ولعل حضور العروض المسرحية ، يتفاوت من نمط مسرحيّ إلى آخر ، وأيضاً من فترة إلى أخرى ، فالمسرحيات الكوميدية الشعبية المحلية ، تتمتع بجمهور أكبر من المسرحيات الجادة أو التجريبية ، فجمهور السبعينيات يختلف ربما نوعاً عن جمهور أواخر الثمانينيات والتسعينيات ، حيث سادت المسرحيات التجارية الرخيصة ، التي تركز على التهريج والرقص المبتذل ، وجمهوره رغم كثرته عدداً ، إلا أنه مترد ٍ نوعاً ومستوى .
وعلى سبيل المثال ، ففي الستينيات مثلاً ، كاد العرض يبدأ في إحدى المسرحيات ، والحضور قليل جداً ، والقاعة شبه فارغة ، فما كان من أحد الممثلين ، إلا أن ذهب إلى مقهى قريب ، ودعا رواده إلى حضور العرض المسرحي مجاناً ، ومع ذلك لم يستجب لهذه الدعوة إلا عدد قليل من رواد المقهى .
ومن المؤسف أن يجهد فنان من نوع شفاء العمري نفسه ، مع حوالي ثلاثين ممثلاً ، ولأشهر عديدة ، في إخراج مسرحية كبيرة من نوع ” رأس المملوك جابر ” للكاتب السوري البارز سعد الله ونوس ، ثم يفاجأ بعدد محدود جداً من الحضور ، رغم أن المسرحية قدمتها فرقة مهمة هي ” فرقة مسرح الجامعة ” ، وقدمت على قاعة داخل جامعة الموصل ، التي تضم آلاف الطلبة ، ويفترض أن طلبة الجامعة هم الجمهور الأول لمثل هذه المسرحية الكبيرة والراقية .
وعلى العكس من هذا ، ما رأيته في أربيل ، أثناء مهرجان المسرح الكردي عام ” 1987 ” ، الذي حضرته من الموصل ، وكان معي قادماً من بغداد الناقد المعروف حسب الله يحيى ، فقد كانت قاعات العرض تغص بالجمهور على سعتها ، وفي اليوم الأخير من المهرجان ، عرضت مسرحية ” راشامون ” ، وهي من المسرحيات العالمية الرائعة ، وقد أخذنا المسؤولون بصعوبة إلى مقاعدنا في الصف الأول ، فقد كانت القاعة بمقاعدها وممراتها وحتى الفسحة أمام خشبة المسرح تغص بالمتفرجين المتحمسين ، وصعد أحد المسؤولين إلى خشبة المسرح ، وخاطب الجمهور الذي يسد الممرات ، ويقف بعض منه أمام خشبة المسرح : إخواني ، رجاء ، لدينا ضيوف ، غادروا القاعة ، ونعدكم أن نقدم لك عرضاً خاصاً يوم غد .
لكن أحداً من الجمهور لم يغادر مكانه ، وبدا الانفعال على المسؤول ، وصاح بالجمهور غاضباً : إذا لم تغادروا القاعة سنستدعي الشرطة .
والتفت إلى صديقي الكردي ، الذي يجلس إلى جانبي ، وقلت له مازحاً : نحن في الموصل نحتاج إلى استدعاء الشرطة ، لإدخال الجمهور إلى القاعة لمشاهدة العرض المسرحي ، وليس لإخراجهم منها .
وعلى ذكر الجمهور ، فهناك أساليب مدروسة وعملية للإتيان بأعداد غفيرة منه ، وربما لتعويده أيضاً على جماليات الحضور في القاعة ، التي تعرض فيها مسرحية مناسبة له ، فحين عرضت مسرحيتي ” ريم ” وهي مسرحية للأطفال والفتيان ، والتي قدمتها عام ” 1982 ” فرقة النجاح في بغداد ، بالتعاون مع وزارتي التربية والشباب ، وكانوا يأتون بالتلاميذ والطلبة وفق جدول مدروس ، وقد بلغ عدد مشاهديها بسبب هذه الطريقة ” 70 ” ألف مشاهد .
وجمهور المسرح على تنوعه هادىء عامة ، يحترم العرض المسرحي ، ولم يحدث إلا نادراً ، أن قام الجمهور ، أو أفراد منه ، بإحداث شغب في القاعة ، أثناء العرض المسرحي .
ولعل القاعات ، التي استخدمتْ للعروض المسرحية ، قبل أن يطالها الخراب التام بعد سقوط الموصل عام ” 2014 ” ، لم تصمم أساساً لمثل هذه العروض ، وأذكر أنني حضرت عرضاً لمسرحية قدمت لأطفال المدارس الابتدائية ، في قاعة الربيع ، وهي أكبر وأفضل قاعة في الموصل ، وكانت أثناء العرض تغص بالأطفال ، ورغم أنني جلست في الصف الأمامي ، قريباً من خشبة المسرح ، إلا أنني لم أسمع أي شيء من حوار المسرحية ، فهل سمع التلاميذ الحوار ، وهل فهموه ؟
وأخيراً يمكنني أن أقول ، إن الحركة المسرحية في الموصل ، والتي ظلت طوال فترة متابعتي لها ، منذ أواسط الستينيات حتى الآن ، موسمية ، متقطعة ، ومتعثرة ، لم تستطع أن تربي جمهوراً مسرحياً ، يمكن أن يواكب الحركة المسرحية ، ويتابع عروضها المختلفة ، ويتطور بتطورها المستمر .

كتّاب المسرح
في الموصل

أكثر من مرة ، قال الفنان الموصلي الراحل ، الدكتور جلال جميل ، الذي كان تدريسياً في كلية الفنون في الموصل ، إن مدينة الموصل ، هي أكثر مدينة في العالم ، يوجد فيها كتاب للمسرح .
ولعلي لست مع هذا القول تماماً ، لكني أعرف أن الموصل ، ومنذ تأسيس المسرح في العراق ، تزخر بأعلام من أبرز كتاب المسرح ، من مختلف الأجيال ، ويكفي أن الموصل ، هي مهد المسرح العراقي ، وأن أول كاتب مسرحي فيه ، كان ” نعوم فتح الله سحار ” ، وهو مؤلف مسيحي من الموصل .
ومن أبرز أعلام المسرح في الموصل :

1 ـ نعوم فتح الله سحار
علم من أعلام الموصل ، وهو واحد من أبرز رواد المسرحية في العراق ، ألف مسرحية ” لطيف وخوشابا ” ، وقد مُثلت في الموصل عام ” 1890 ” ، وطبعت في عام ” 1893 ” بمطبعة الآباء الدومنيكان ، وعثر فيما بعد على خمس من مسرحياته المفقودة ، طبعت في دار الشؤون الثقافية في بغداد ، وهي ، إياكَ معاشرة الأشرار ، لطيف وخوشابا ، الفتيان الأسيران ، الرأس الأسود ، الدراهم الحمراء .

2 ـ يحيى ق
ولد الأستاذ يحيى ق في مدينة الموصل عام 1894 ، وتوفي في سجن الحلة عن عمر يناهز الثانية والسبعين عام 1966 ، وهو معلم مدرسة ابتدائية ، كان مديراً لمدرسة القحطانية الابتدائية لفترة من الزمن ، وهو رائد من رواد المسرح التاريخي في الموصل ، وهو أيضاً رائد بارز لمكافحة الأمية في الموصل ، أصدر كتاب ” محو الأمية لدى كبار السن ” عام 1947 ، أعيد طبعه فيما بعد في دار الفارابي في لبنان ، وهو مناضل ، وطني صلب ، مات في السجن في الثانية والسبعين من عمره ، كتب العديد من المسرحيات التاريخية ، وقدمها بتلاميذه الصغار ، وأهم مسرحياته هي : ” فتح مصر عام 1924 ، فتح القادسية عام 1934 ، فتح الشام عام 1936 ” .

3 ـ سامي طه الحافظ
وهو صحفي مثقف ، عمل محرراً في صحيفة ” فتى العراق ” ، وقد كتب مسرحية باللهجة العامية ، عنوانها ” الماعندو فلس ” ، وقد قدمتها فرقة من نادي الفنون في الموصل أواسط الستينيات .

4 ـ عبد الإله حسن
شاعر ، وكاتب مسرحي ، عمل في تلفزيون بغداد ، وكتب للتلفزيون مسلسلاً ناجحاً ، هو ” ملا عثمان الموصلي ” ، كتب العديد من المسرحيات ، منها مسرحية ” فلسطين ” ، التي أخرجها الفنان القدير عز الدين ذنون عام ” 1964 ” .

5 ـ عبد الجبار جميل
عمل كمستخدم في أشغال المنطقة الشمالية ، عاشق للمسرح ، كتب العديد من المسرحيات الشعبية ، التي كان لها محبوها ومريدوها في ستينيات الموصل ، ومسرحياته كلها مكتوبة باللهجة الشعبية البغدادية ، ومنها أنا والناس وحميتي ، وقد أخرجها الفنان علي المهتدي ، وتؤمر بيك التي أخرجه الفنان عبد الإله حسن ، وعطس المرحوم وأخرجه الفنان عبد الوهاب أرملة دزنا بالغلط ، وعبوش أفندي ، والأخيرة مثلها الممثل الكوميدي راسم السباح .

6 ـ سالم الخباز
شاعر من مواليد ” 1939 ” ، عمل معلماً ، كتب الشعر العمودي ، وكذلك الشعر الحر ، صدر ديوانه الأول ” جراح المدينة ” عام 1963 ، وبعدها صدرت له عدة دواوين منها ، الفصول ، حداء المواكب ، سبع أغنيات لتموز ، كتب عدة مسرحيات مثلت كلها ، من بينها زمن السقوط ، ثمة أمر ما ، النمرود ، ومعظمها كانت من إخراج الفنان الرائد عز الدين ذنون ، أما أولى مسرحياته وأهمها ، فهي مسرحية المسيح ، التي أخرجها بشكل جميل الفنان شفاء العمري .

7 ـ محمود فتحي
مدرس للغة العربية ، مثقف ثقافة عالية ، من مواليد ” 1946 ” عاشق للمسرح ، وقد أصر على كتابة المسرحيات ، رغم نجاحه الملحوظ في كتابة المسلسلات الإذاعية ، وقد أخرجها للإذاعة الفنان المعروف الراحل يوسف سواس ، تلك المسلسلات كان يمكن أن تقوده إلى كتابة المسلسلات التلفزيونية ، ومن مسرحياته المعروفة مسرحية ” البركان ” أخرجها له الفنان شفاء العمري ، ومسرحية ” المصنع ” ، وقد أخرجها الفنان محمد نوري طبو عام ” 1969 ” .

8 ـ راكان العلاف
أحبّ السينما ، وكان من المدمنين على ارتيادها ، ساهم في عام ” 1964 ” في تأسيس شركة سينمائية مع الفنان الراحل سامي الجادر ، وأنتجوا فيلماً بعنوان ” طريق الشر ” ، دخل معهد الفنون قسم المسرح في بغداد عام ” 1964 ” ، وأثناء دراسته شارك بالعديد من الأعمال المسرحية والتلفزيونية ، منها مسلسل ” الجسر ” والسعفة الصغيرة ، انضم بعد التخرج إلى فرقة ” المسرح العسكري ” ، حاول أن يكمل دراسته في السوربون في فرنسا ، لكن ظروفه حالت دون ذلك ، أخرج العديد من المسرحيات منها ، مشرب شاي ، القرية المسحورة ، سفر الأمواج ، شعب الذرى ، السيف ، وبالإضافة إلى ذلك كتب العديد من المسرحيات منها مسرحية عن مأساة العبارة في الموصل عام ” 2019 ” ، كما كتب أكثر من كتاب عن معاصرته ومعايشته للحركة المسرحية في الموصل .

9 ـ مثري العاني
مثقف ، مناضل ، متعدد المواهب ، شارك في تمثيل مسرحية ” المفتش العام ” لكوكول في عام ” 1958 ” ، ومنذ تلك الفترة وهو منغمس في الحركة المسرحية ، متابعاً وناقداً وكاتباً ، له كتاب مهم جداً ، عن الكاتب المربي المناضل يحيى ق ، يضم دراسة مطولة قيمة عن الكاتب ، مع عدد من مسرحياته الهامة ، التي تكاد تكون مفقودة ، صدر الكتاب عن دار الشؤون الثقافية في بغداد ، ويعتبر الأستاذ مثري العاني من أبرز المهتمين بالتراث الشعبي في الموصل ، وله أكثر من كتاب في هذا المجال منها ” ألعاب التسلية عند الأطفال ، له عدة مسرحيات للكبار ، كما كتب أكثر من مسرحية للأطفال ، أصدرها في كتاب منها : الذئب ، الصخرة ، الرجال يأكلون أنفسهم .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نجيب طلال : أي نقاش مناسب لليوم الوطني للمسرح ؟.

  على التوالي؛ ينعـدم الاحتفال باليوم الوطني للمسرح ( 14مايو) بحكم إسدال الستار على القاعات …

| إبراهيم أمين مؤمن : انتفاضة الحصار .. من رواية قنابل الثقوب السوداء .

مؤتمر الاتحاديّة لم يمضِ على مظاهرات المسيحيين سوى ثمان وأربعين ساعة حتى عُقد المؤتمر، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *