ماجد حميد الغراوي: نعيق الغربان

ظُلْمَةُ اللَّيلِ وَهَمْسُ الأَشْجَانِ تَغْشَيَانِ القُلُوبَ المَسْكُونَةَ بِالآلَامِ، تَسْقِيَانِ آهَاتِهَا البَائِسَةَ بِدُمُوعٍ حَرَّى، أَصْوَاتُ الاِنْفِجَارَاتِ وَالرَّصَاصِ تَهْدِرُ سُكُونَ اللَّيلِ فَتُضِيءُ السَّمَاءُ بِشَرَرِ شَظَايَاهَا المُتَطَايِرِ، وَتُثِيرُ الرُّعْبَ فِي النُّفُوسِ، نَوحٌ يُنْذِرُ بِطَائِرِ المَوتِ يَحُومُ فَوقَ الرُّؤُوسِ تَتَرَنَّمُ بِهِ شِرَارُ الشَّيَاطِينِ الإِنْسِيَّةِ، وَتُهَلِّلُ لَهُ لِتَنْشرَ إِرْهَابَهَا بَيْنَ الأَروَاحِ البَرِيئَةِ، فَتُهِينَ المُقَدَّسَاتِ، وَتَدُوسَ الرَّحْمَةَ بِوَطْأَتِهَا الفَاجِرَةِ؛ يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ الزَّكِيَّةَ، وَيُعْلِنُونَ أَنْفُسَهُم آلِهَةً لِدَمَارٍ وَشَرٍّ مُسْتَطِيرٍ؛ فَيَسْكُنُ نَبْضُ الحَيَاةِ، وَتُهَانُ المُقَدَّسَاتُ حَتَّى تَغْدُوَ بَلْدَتُنَا طُقُوسًا مُعْتِمَةً لِلْأَشْبَاحِ وَأَكْوَامٍ مِنَ النِّفَايَاتِ وَالقَاذُورَاتِ وَتَجَمُّعَاتٍ لِقسَاةِ القُلُوبِ مِنْ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَأَمْسَتِ الذِّكْرَيَاتُ الجَمِيلَةُ فِيهَا غَرِيبَةً لَا مَكَانَ لَهَا بَيْنَ نَعِيقِ الغِرْبَانِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ هَامشَ الحَيَاةِ وَطَنًا يَلْعقُونَ فِيهِ جِرَاحَهُم، وَهُنَاكَ فِي ظُلْمَةِ الأَزِقَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ الفَقْرِ أَرْمَلَةٌ عَانَتْ مَا شَاءَ لَهَا أَنْ تُعَانِيَ، كَانَتْ تَرْتَدِي السَّوَادَ دَائِمًا، وَهُوَ لَونٌ تَتَوَارَى خَلْفَهُ أَوجَاعٌ تَعْبَقُ بِرَائِحَةِ المَوتِ، فَيَتَرَدَّدُ صَدَى عَزَائِهَا بَيْنَ بَقَايَا أَطْلَالِ نَفْسِهَا المُعَذَّبَةِ، لَمْ تَسْتَطِعْ مسْحَةُ الجَمَالِ المُتَبَقِّيَةُ عَلَى سُمْرَةِ وَجْهِهَا إِخْفَاءَهُ.
تَدْخُلُ غُرفَةً عُلِّقَ فِي أَعْلَى مَدْخَلِهَا لَوحَةٌ دُوِّنَ عَلَيهَا: (طَبِيبُ الأَمْرَاضِ النَّفسِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ)، وَبَنَاتُهَا الثَّلَاثُ يَتْبَعْنَ خُطُوَاتِهَا، وَكَأَنَّهُنَّ اسْتِنْسَاخٌ مُصَغَّرٌ عَنْهَا؛ يَرْتَدِينَ السَّوَادَ، وَتَبْدُو عَلَى وُجُوهِهِنَّ سَحَابَةُ حُزْنٍ غَرِيبٍ وَإِيحَاءَاتٌ لِقَهْرٍ دَفِينٍ فِي أَعمَاقِ نُفُوسِهِنَّ المُرتَابَةِ، فَيَدْعُوهُنَّ الطَّبِيبُ مِنْ خَلْفِ مَكتَبِ عِيَادَتِهِ للجُلُوسِ مُرَدِّدًا عِبَارَاتِ التَّرْحِيبِ، فَتَجْلِسُ الأُمُّ قُبَالتَهُ عَلَى كُرْسِيٍّ مُقَابِلٍ لِمَكتَبِهِ، بَينَمَا جَلَسَتِ البَنَاتُ الثَّلَاثُ عَلَى أَرِيكَةٍ جَانِبِيَّةٍ.
كَرَّرَ الطَّبِيبُ عِبَارَاتِ التَّرحِيبِ ثَانِيَةً مُحَاوِلًا أَنَّ يَفُكَّ طَلْسَمَ الشَّجَنِ وَالوُجُومِ الذِي بَدَا عَلَى مَرِيضَاتِهِ؛ وَهُوَ أُسْلُوبٌ اعْتَادَهُ مَعَ مَرْضَاهُ كَجُزْءٍ مُهِمٍّ وَضَرُورِيٍّ فِي عَمَلِهِ الذِي يُمْلِيهِ عَلَيهِ تَخَصُّصُهُ، فَلَاحَظَ عَكْسَ مَا كَانَ قَدِ اعْتَادَ عَلَيهِ؛ فَلَا اسْتِجَابَةَ لَاحَتْ مِنْهُنَّ سِوَى صَمْتٍ مُطْبِقٍ وَنَظَرَاتٍ غَرِيبَةٍ غَيرِ مُبَاليَةٍ بِشَيءٍ حَولَهَا؛ نَظَرَاتٍ تَائهَةٍ تَتَوَارَى خَلفَهَا هَوَاجِسُ حُزنٍ خَرْسَاءُ تَشْخَصُ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ مَجهُولَينِ، تَشْخَصُ بَعِيدًا بَعِيدًا بِلَا قَرَارٍ، فَتَترُكُ خَلْفَهَا مَتَاهَةً بَائسَةً لِفِرَاسَةِ طَبِيبٍ يَعِيشُ في بِلَادٍ مَنسيَّةٍ لَمْ تَأبَهْ لَهَا الحَيَاةُ، حَتَّى تَختَرِقَ المَكَانَ صَرخَةٌ مُفَاجِئَةٌ مِنَ اليَتِيمَةِ الصُّغرَى، فَيَختَرِقَ صَدَاهَا الأَلِيمُ جُدْرَانَ المَكَانِ وَالقُلُوبَ، فَيَسْعَى سَعيَهُ مَعَ الأَرملَةِ لِتَهدِئَةِ الطِّفلَةِ العَلِيلَةِ، فَيُقدِّمَ لَهَا المَاءَ، وَيبذُلَ جهْدَهُ لِخَلْقِ لحْظَةِ طُمَأْنِينَةٍ؛ حَتَّى تَعُودَ الطِّفلَةُ إِلَى سَكِينَتِهَا، وَيَنتَبِهُ إِلَى الأَرمَلَةِ وَكَأَنَّهُ يَدعُوهَا لِلبَوحِ بِكُلِّ شَيءٍ، فَتُطْرِقُ الأَرمَلَةُ بِوَجْهِهَا إِلَى الأَرضِ؛ وَكَأَنَّهَا تُنَاجِي نَفْسَهَا بِصَوتٍ مُنخَفِضٍ:
خَفَقَ قَلْبِي فِي تِلْكَ اللَّيلَةِ، فَلَمْ تَهْدَأْ نَفْسِي المُرتَبِكَةُ مِنْ خَوفٍ مَجهُولٍ؛ خَوفٍ لَا أَسْتَطِيعُ البَوحَ بِهِ لِمَنْ حَولِي، وَصُرَاخٍ أَبْكَمَ مَلَأَ صَدَاهُ خَيَالِي؛ صُرَاخٍ يُنْبِئُ بِفَجِيعَةِ الزَّمَنِ الآتِي مِنْ عُمْرِي المُبَعثَرَةِ أَوصَالُهُ بِمَرَارَةٍ فِي هَاويَةِ الفَجِيعَةِ.
تَمُرُّ لَحَظَاتٌ مُثقَلَةٌ بِالظَّلَامِ لِتُوصِلَنِي إِلَى سَاعَةِ الفَزَعِ المُرعِبِ، يُدَقُّ بَابُنَا لَيْلًا، تَتْبعُهُ بِلَا هَوَادَةٍ أَصوَاتُ الرَّصَاصِ المُتَطَايِرَةِ شَظَايَاهَا فِي المَكَانِ لِيَمْلَأ الأَروَاحَ فَزَعًا يُبدِّدُ أحْلَامَهُمَا البَرِيئَةَ، وَيُحِيلُهَا إِلَى صُرَاخٍ مُرعِبٍ، لحَظَات لَمْ أَتَصَوَّرْهَا! وَكَمْ تَمنَّيتُ وَدَعَوتُ رَبِّي أَنْ يَكُونَ مَا أَرَاهُ جُنُونًا قَدْ أَصَابَنِي، أَوْ كَابُوسًا سَيَنتَهِي! وَلَمْ أَتَصَوَّرْ يَومًا أَنْ تَقْصُرَ أَجنِحَتِي عَنْ حِمَايَةِ أُسْرَتِي؛ فَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي قَادِرَةٌ عَلَى تَحطِيمِ الأَهوَالِ مِنْ أَجلِ حِمَايَتِهِم مِنْ كُلِّ شَيءٍ …
ثُمَّ أَطْرَقَتِ الأَرملَةُ قَلِيلًا وَأَجهَشَتْ بِالبُكَاءِ؛ فَانَهَمَرَتْ دُمُوعٌ غَزِيرَةٌ مِنْ عَينَيهَا وَهِيَ تُوَاصِلُ حَدِيثَهَا:
عَيْنَايَ تَنظُرَانِ إِلَيهِم، وَقَلْبِي يَخْفقُ بِقُوَّةٍ، كَانُوا يَذْبَحُونَ زَوجِي وَأَبنَائِي، لَمْ يَأْبَهُوا لِصُرَاخِي وَتَوَسُّلِي إِلَيهِم، تَمَزَّقَ قَلْبِي فَزَعًا وَرُعبًا وَأَنَا أُشَاهِدُ زَوجِي وَأولَادِي يَسْبَحُونَ بِدِمَائِهِم؛ بَلَى، رَأَيتُ رعْشَةَ المَوتِ الأَخيرَةَ تَسْرِي فِي أَجْسَادِهِم المَذْبُوحَةِ، وَكَانَ صُرَاخُ بَنَاتِي لَيسَ لَهُ حُدُودٌ، صَرَخْنَ بِجُنُونٍ حَتَّى فَقَدْنَ وَعْيَهُنَّ تَمَامًا، وَعِنْدَهَا، أَحسَسْتُ أَنَّ قْدَمَيَّ عَاجِزَةٌ عَنْ حَمْلِ جَسَدِي المُنهَكِ؛ أَطْرَافِي مَشلُولَةٌ وَمُعَطَّلَةٌ لَا تَتَحَرَّكُ، وَانْعَقَدَ لِسَانِي،
أبووائل الغراوي
فَلَمْ أَستَطِعْ مُوَاصَلَةَ صُرَاخِي، وَغَشَيَتْنِي ظُلْمَةٌ حَسِبْتُهَا غِشَاوَةَ المَوتِ، جَعَلَتْنِي أَسْقُطُ عَلَى وَجْهِي أَرْضًا، فَتَحَسَّسْتُ حِينَهَا لُزُوجَةَ الدِّمَاءِ التِي مَلَأَتْ أَرضِيَّةَ المَنزِلِ، حِينَمَا أفَقْتُ مِنْ إِغْمَاءَتِي بَعْدَ يَومَينِ وَجَدتُ نَفسِي رَاقدَةً فِي المَشْفَى؛ تَرقُدُ بَنَاتِي عَلَى أَسِرَّةٍ حَولِي؛ إِحْدَاهُنَّ فَقَدَتِ النُّطْقَ، وَالأُخرَى لَا يُفَارِقُهَا الصُّرَاخُ؛ فَهِي تَصْرُخُ بِجُنُونٍ لَيْلًا وَنِهَارًا، وَالثَّالِثَةُ تَقْضِي اللَّيلَ بُكَاءً لَا تَعرِفُ للنَّومِ سَبِيلًا.
ثُمَّ رَفَعَتِ الأَرملَةُ عَينَيهَا إِلَى الطَّبِيبِ لتَعْرِفَ مِنْهُ السَّبِيلَ إِلَى الشِّفَاءِ، فَرَأَتْ تَسَاقُطَ الدُّمُوعِ مِنْ عَينَيهِ وَقَدِ اخْتَفَى صَوتُهُ بِنَبرَةِ بُكَاءٍ حَزِينَةٍ حَاوَلَ إِخفَاءَهَا دُونَ جَدْوَى.

ماجد حميد الغراوي

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: شطرنـج… 

أقـُـتلُ المـَلك في لعبة الشطرنجِ أقتلهُ…. فتصابَ الرقعةَ بالذهول أحـركُ الوزيرَ قليلاً أدعـَـكُ وجـْهَ الفـــّيلة …

أسرجك خلف السطور
بقلم: سميحه فايز ابو صالح

نثرك الغافي بيقضة حلم يستفيق حين تهفو أختلج موجة العتم وأوقد جمرات الحروف الصقيعة بموقد …

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *