هشام القيسي: يوحي ويشبع سعة المكان: عبداللطيف بندر اوغلو من الحلم المبهج الى قسوة الموضوع

( 1)

      انه يرسم ويقول 0 يوحي ويشبع سعة المكان 0 يستفيق من حلمه المبهج
       ليلامس قسوة الموضوع ، ويصور تأثيره ، حتى أصبح معادلا واضحا للنفس
      والرؤيا 0  جذوره ودموعه الوطن وحقيقة الأنسان ، وهما محور  تجربته الشعرية  ونافذته الأساس ، تجسدت فيهما معاني الصدق اصدق تجسيد ، وهذا دليل واضح على حكمته وموعظته الأخلاقية 0  نال رفعة الموقف، بعدما امتلك جرأة نافذة على التحديق في الواقع ومواجهته0   لاشىء يخفف من آلآمه سوى الأحساس بأن النيران يجب أن تخمد في  الموضوع / الواقع 0   انه مثل واقعية في التعامل ، وأدى دورا انسانيا وفنيا عموديا في  التجربة  الشعرية التركمانية 0
 لقد أعطى في المشهد الشعري كل الأبعاد الجمالية والأخلاقية ، مثلما أضاء لأجندة الأنسان وذاكرة الوطن عبر علاقات عضوية متميزة في كل مشهد من مشاهده 0
جاء وضوحا ، مثلما كان مرضوض الصدى حينما كان يطوف ، وكان دائما الصوت الرافض للزيف 0 حاصر الصمت الجاحد لينغرس زهرة في السماء العراقية 0 عبداللطيف بندر اوغلو ، هكذا يكشف في تجربته الأنسانية الواعية العلائق الواقعية والفنية الأصيلة بهم نفسي وفني وفكري 0 ويستل آلآمه وآماله منها في ثباتها وتلازمها ، بل ويستل منها جراحاته أيضا 0 هاجسه حريته ، وكرامة شعبه 0 وكلاهما قصيدة طويلة في مسار الثورة0 لذالك نجد هذا النشيد يعزف على صناجة التحول والصبر والمرارة ليجىء الصباح ، وليؤكد ماتفعله فيه مواويل ورياح العالم مع الفجر الوليد 0
انه زهرة كبرت فوق خضرة الصحو ، وفي كل نهار بين موج ووقت أصيل

                                           ( 2 )  

شعره فجره فيض هيامه الأنساني في صور النفس ، وتجارب الوجود باحاطة واعية
مدركة انطلقت بتفاعل ومراقبة 0 فكانت تجربته استجابة منطقية في رسالة الشعر التي تمتلك كل المساحات الرحبة للتفاعل مع الهواجس واعماق الشعور :

(مثل طير مهيض الجناح
يدق قلبي
ويضطرب
من أجلك
ومن أجل أطفالك المحرومين
من الخبز
يدق قلبي
ويضطرب
كغزال جريح شارد
من يد صياد
يخفق قلبي ) ( 1)

ان ارتباطه بالأرض والوطن جعلته يشارك في المسارات بشكل أكثر دلالة وأشد عمقا ، عبر تجربة ومعاناة قاسية ونبض عميق يوسع من دائرة                 التفاعل ليكشف عن جوهر الحس الأنساني فكريا ونفسيا ، وبما يمتن من            عناصر الثبات في نسيج المدى الخلاق للانسان :

(أيها الريح
دعيني ابلغ وطني
وأحدق في عيون الأطفال الخضر
بأرتواء
وأنصب ((سماوري ))
تحت أشجار الزيتون
وأكتب أغاني شعبية )   ( 2 )
في حواراته ، كذات شاعرة، وهموم ومشاغل ، عبر مسار واع يعكس عن
منابع هي صنو الحقيقة ، يكون الأفق الملتزم بقضايا الأنسان والرؤية
الأيجابية لديه هو نتاج الكشف عن العلاقة المتطورة التي تدعم وترتمي
          نحوها المشاعر الأنسانية الممهورة في الضمير :
( وأخذ قلبه المستحيل
جمرة محترقة بكفيه ،
نبض قلبه
رويدا رويدا
من أجلهم
من أجل الذين يموتون جوعا
أدار وجهه نحو الشمس 00 )  ( 3 )
            ان التفاعل والتواصل الشعري مع الهموم يأخذ شكل صور فنية ملتهبة
           الأحاسيس ، واضحة الأبعاد ، بارزة الأثر ، ترتبط في الآساس بيقين
          أنوار الفكر ، وآفاقه الجميلة 0 لذلك تتحرك في نفس الشاعر صيرورة
         التفكير باتجاه فك تداخل الرؤيا وحل الطلاسم المغلقة :
(أقدر أن  أكون هواء ساخنا
في أيام الشتاء
لأجتاز أبوابهم
وأكون شريانا نابضا
في قلوبهم
لكني لاأقدر أن أتظاهر كالكذاب
وأضحك بلا سبب
وأعيش وأموت بلا حب ) ( 4 )
         كذالك فأن التعبير الوسيع مع المفردات الأنسانية وحبه العميق لها ، قد صبه
        في اسلوب شعري خصب عبر مشاهد وعنتصر وعلاقات رفيعة تلمس
        المواقف الأخلاقية العالية والفلسفة الجمالية النابعة من الأحلام الكبيرة
        والتأملات :
( نحن اناس الشرق انسلخنا  وولدنا
من الشرق
من قلب الشرق
الدماء المتدفقة والملتهبة
في شرايننا
نطرد من برارينا
الطيور الكاسرة
كالبحر تثور رمالنا
الفاقدة لونها 0
اناس الشرق نحن
الطريق الموصل الى الشمس
يمر عبر برارينا
وعبر عيوننا المحمرة
في الرمال  )  (5 )
        هو يكتشف من خلال رؤية أوضح المعاناة العميقة ، وعيونه مفتوحة
        على توالي الأحداث وتلاحقها ، والتي لاتحتمل السكوت 0 لذلك تتجه
        رؤياه الشعرية الى الكشف عن الموقف الواضح من أطراف الصراع
        وعناصره 0 وبذلك كانت آفاق الرؤيا الأنسانية وتوجيهها في معالجة
        المعضلات عاملا أساسيا في اخصاب مساراته الشعرية :
في أزقة تل الزعتر
حلمة ثدي مقطعة
تبحث عن طفلها
وقبالتها تنفجر قنبلة
كرأس طفل جريح 0
×  ×  ×
في أزقة بيروت
عيون الصغار
تتفتح كالزهور
وماء الزهرة
يسيل كنهر الدم
أمام الموت
وأمام الشمس المحاطة
بالدم  0 )  ( 6 )
      وفي هذا الأطار أيضا نجد ان المفردات التي تناولها الشاعر تقدم الصورة     الدقيقة لتطور تجربته الشعرية وارتباطها العضوي بالجوانب الفكرية   والفنية 0 وعلى هذا الأساس ، فأن تعميق الطرح الأنساني والجمالي يتناسب   انفتاحا مع التجارب الأنسانية الشاملة في اطار تواصل ورؤية واضحة ملتزمة   وهو بذلك كان أعمق وضوحا يدخل في مسارات التوجه المبصر لقضايا الأنسان   وتلويحات المكان :

(مسكت أيدي الفقراء
وهم يملأون قلبي
وتجوالنا في أكثر أقطار العالم
واذ فتحنا أقفال الأبواب الدامية
طالعتنا طيور الموت 000
×  ×  ×
لم ننس الصرخات التي علمتنا الحب
ومن قوة الفقراء
أضأنا مصباحا
في داخل هذا الظلام
دون الأكتراث لطيور الموت 0 ) ( 7 )

                                        ( 3 )
        هذا غيض من فيض عروق البحر ، بها أوحى وأشبع سعة المكان صورة
        انسانية مستقرة في مديات النهوض ، تمثل تفاعلا أصيلا الى أبعد الحدود 0
        وهذا ما يجعل شعر شاعرنا حكمة جامعة ، ونظرة ملتزمة مشرقة أبدا الى
         الحياة ، مؤشراتها الأصالة والابداع ، مثلما تدر ك تحولات الزمن وسقوط الأتباع 0
         وهي في كل هذا وذاك أحاسيس عميقة لاقناع 0 

        ————————————————————————
         ( 1 ) رفيف الأهداب / عروق البحر ص 9
       ( 2 ) وجها لوجه مع الرياح /  كذا ص 14
       ( 3 ) الفقراء / ص 20
       ( 4 ) أنا والزمن / كذا ص 47- 48
       (5) اناس الشرق / كذا ص 54
       ( 6 ) نهر الدم في لبنان / كذا ص 101- 102
       ( 7 )  فقراء العالم   / كذا ص 106

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.