فؤاد قنديل: نساء وألغام (9)

قطرات الندي معلقة فى الفضاء تنتظر الخارجين فى البكور كي تعمد يومهم بقبلاتها الطاهرة.. لم أكن متأهباً لقبلات الندي، فقد كان بعض الأسى لا يزال فى كأسي.. سيارتي على الطريق الطويلة تقطع المسافة من الجنوب إلى الشمال، صاعدة على الحذاء الإيطالي ذي الرقبة، من نابولي إلى فينسيا.. الطريق الناعمة تشعرك أن القيادة متعة، وتزداد المتعة بتلويحات المشاهد الفاتنة التى تحيينا عبر القرى والمدن.
قالت لي كلوديا فى الصباح بعد أن قدمت لي كوبا من النسكافيه الساخن:
ـ لا أود أن أتركك تمضي دون أن تعرف أن جلوريا ليست أمي وإنما حماتي أم برونو، وهى أغلى عندي من أمي، أمي لم أرها منذ ثلاث سنوات وتعيش مع زوجها فى ميلانو.
ـ أنت يا كلوديا تستحقين أعلى مستويات السعادة، والله يخبئ لك الكثير من الأيام الجميلة.
غامت فى عينيها أثار دموع سرعان ما كبحتها وقالت:
ـ أتمني لك مثل ما تتمني لي.
ـ سوف أزور نابولي خصيصاً من أجلك، بل سأزور إيطاليا كلها من أجلك. أنت مخلوقة نادرة.
حدقت فى وجهى لحظة ، ثم قالت : بركيه سى كوزى تريسستى  ( لماذا أنت حزين ؟)
أحنيت رأسى . إلى هذه الدرجة كشف وجهى عما بداخلى . ابتسمت وواريت مابى بمسح شعرى . أسعدنى أن أرى تشاو . دهشت لأنها غادرت الفراش مع صوفيا  . تمسحت بى . يا لرقتك يا تشاو ! تركت الدفء وجئت لتودعينى . حملتها وقبلتها وقلت لها :
ـ خل بالك من كلوديا . حطيها فى عينيك
       نحن فى بلادنا نجهل مشاعر الحيوان إلا قليلا . أذكر جيدا أن تشاو لم تخرج من الغرفة إلا مع جلوريا. هل يمكن أن أنتزع روحى من هذا المكان وأنا مغمور بكل هذه المشاعر ؟ !
 تجرعت آخر رشفة من الكافيه، بينما كانت عينا كلوديا  لازالتا محمرتين وتسبحان فى دمع عزيز. أنا مجرد نزيل ولم أتجاوز هذه الحدود ، فكيف نما هذا الإحساس العاطفى تجاهى ؟
دنت منى وعانقتني طويلا .. استشعرت ثراء الحضن ودفئه.. سمعت نبض قلبها يدق على باب قلبي دقات حنون، كأنها تربت على روحي.. لا أحس بالأرض ولا بالمنتظر فى الخارج ولا بالباخرة ، إلى أن كانت المكافأة التى لم أنتظرها وكم تمنيتها. قبلتني فى خدىّ ثم انتقلت إلى شفتي.. وكانت فرصتي عظيمة ويتيمة أن أنهل من النبع الخرافي للذة.
     للمرأة إحساس رفيع لم يهبه الله للرجل، وحسنا فعل.. إذا كان الله قد سلم للرجل مقود القيادة، فقد سلم للمرأة مفاتيح السعادة، مفاتيح الروح التى تفضي إلى الحب والجمال والخصوبة والعمران.. أي بهاء يكمن فيك يا كلوديا! وأي أنوثة وأي رجولة وأي جمال وأي عقل وأي نبل وفروسية !!
 لماذا أقدمت على هذه الخطوة التى يمكن أن تقلب لي كل شئ، وأنا سجين ومحاصر بالكثير ؟  يجب أن أفكر بالعقل وبالجنون.. بالمنطق والسحر وباسم الحب أفكر وبأمر الجسد والروح وبأمر الحب أفكر يا كلوديا.. ماذا تعني الباخرة أو السيارة أو أي شئ ؟.. أنا الآن على حافة السعادة الأبدية.. فليذهب ألبانو للجحيم ومعه جيوفانى وكل رجالات المافيا القراصنة فى كل بلاد العالم، فمعي كلوديا. معي القلب النابض ومفتاح الحياة الحقيقية.. ما أتعسني !.. روبرتو يصرخ بزمارته، وجسمي يتحلل، وقدماي تهبطان الدرجات ووجهي خلفي يجر قلبي نحو كلوديا.. بعضي يمزق بعضي.. ما أتعسني.. لكنى سأعود.. حتما سأعود.
ماالذ ى استحضر الان الولادة بنت المستكفى وقد حملت وجه كلوديا التى وقفت  ووضعت يدها على خصرها  وابتسمت فى دلال ناعم ومثير ؟  وقالت :
         أنــــا والله أصـلح للمعــالى     وأمشــى مشــيتى وأتيه تيــها
         وأمكـن عاشــقى من صحن خدى     وأعطى قبلتــى مــن يشتهـيها

بقيت شاردا نحو نصف ساعة وربما أكثر.. روبرتو يقود سيارتي وإلى جانبه صوفيا، وأنا فى الخلف إلى جانبي تينا.. أعتذر لهم عن صمتي بحجة أني لم أصح بعد. قاومت كلوديا المتعلقة برأسي وعيوني، الملتصقة بزجاج السيارة، حاولت أن أهرب منها وأطمئنها بأني سأعود.. حتما سأعود، إلى أن فرت من عيني دمعات، وعندما مرت أصابعي على خدي امتلكت إمكانية التنفس العميق.. غادرت كلوديا مؤقتا موقعها فى السيارة وفى قلبي.. لكنها فى آخر لقطة ترش العالم باسبراي معطر برائحة الفل.. تينا كانت ترقبني منذ لحظات ربما طالت بينما كانت يدها ممدودة نحوي بكوب كبير من الشاي.. أخذته وأدفأني فابتسمت لتينا.. قالت:
ـ أكى بنسيه ( فيما تفكر )
قلت بعد لحظة:  إجيتو  (مصر )  .. سعيد لأني فى الطريق إلى مصر.
قالت كما سبق أن قالت: ستأخذني معك إلى مصر.. وعدتني.
قلت: نعم، وعدتك، واتفقت مع بابا أن تحضروا جميعاً.. سيسعد الأهل بكم جداً، وتسعد مصر أيضاً.
قال روبرتو بمرح: أخيرا استيقظت، أنا أمنع نفسي من قول آخر نكته حتى تسمعها معنا.
قلت: ليس الآن.. انتظر قليلاً.. بيننا الوقت .
لماذا فعلت ما فعلت يا كلوديا ؟ كيف فتحت مغارة قلبي بهذه البساطة وهذه القوة؟
كيف فى دقيقة استوليت على الحكم وتربعت على العرش؟
من حقك يا حبيبتي أن تحكمي لأن بيدك كلمة السر التى تفتح الأبواب العملاقة للحب الأسطوري.. يا الله.. إن الفضاء ليس فيه ما يكفى من الهواء كي أروي عطش رئتي وخلاياي. 
       لم يتركني روبرتو وحيدا، جرجرني من قوقعتى بحديثه المتدفق وثرثرته اللطيفة، فكرت أن أسأله عن على. أمامنا وقت كاف كي يحدثنى عنه بالتفصيل، لكني أشفقت عليه من حديث قد يبدو مثيرا له أو مستفزا، وهو من النوع الذى يتعامل مع الناس بما هم عليه ..ليس مشغولا ـ مثلي ـ أحيانا بأن يعدل فى سلوك البشر ليتسق معه، أو ليتسق مع الصواب من وجهة نظره.
انطلق السائق العجوز المدكوك نصف الأصلع يحكى عن ذكرياته المضمخة بحلاوة السخرية، فأضحك إذا فهمت، وإذا لم أضحك حاول أن يوضح لي المقصود، وبين حزمة من النكات والتعليقات الفكهة.. يقول لتينا:
ـ تحدثي إليه يا تينا.. اسقيه العصير يا تينا.. احكي له يا تينا عندما فقدناك فى روما وأنت صغيرة.. .. افتحي يا تينا ألبوم الصور وفرجيه.
 حكت تينا  وفتحت ألبوم الصور، فهو مغرم بالتصوير، يصطحب أسرته الصغيرة ومعه الكاميرا ولا يكف عن التصوير، قال إن معه لرحلة فينسيا هذه ثلاثة أفلام وربما يحتاج إلى رابع.
رأيت صوره وهو فى مصر كما قال، وكانت الصور له وهو يهبط بالمظلة إبان الحرب الثانية فى مرسي مطروح، وصورته وهو مع مجموعة من الجنود يتحدثون مع قائدهم، وصورة لقائدهم مع روميل وروبرتو يقف خلف قائده، وتبدو جلياً رأسه المستديرة وكانت عامرة بالشعر خاصة فى الجزء الخلفي.. دنت منى تينا وقبلتني فى خدي.. فهمت إنها تحاول أن تستعيد قبلات الخليج عند الدغل.. لم أكن مؤهلا.. قبلتني من جديد.. أحطتها بذراعي فألقت رأسها على كتفي.. بعد لحظات تخلصت من ذراعي وقبلتني وبحثت عن شفتى.. فى رأسي برقت فكرة، قلت لروبرتو:
ـ يكفي ما قطعته، سأحل محلك.
ـ لا.. أنت لا تحمل رخصة قيادة إيطالية.
ـ الطريق كما تري خال والسكة جميلة. 
ـ لا تشغل بالك، أنا أحب القيادة ولا أضيق بها.
داعبته: انزل من سيارتي يا سنيور.. هيا انزل.
قال: ما دمت مصرا.. انتظر لما بعد الاستراحة القادمة بعد عشرة كيلو مترات.
تناولنا بعض الساندوتشات فى مقهى كبير وملأ روبرتو الخزان بالوقود، وترموس الشاي وترموس القهوة .. توليت القيادة وجاورتني تينا، وحل  والداها محلنا على الكنبة الخلفية.
 طمأنتني المسافة التى قطعناها على السيارة، سحبها قوي وعفشتها تبدو جيدة، متماسكة، ليس هناك أي صوت أو هزات، كنت أود الاطمئنان على ذلك بنفسي، فإحساس السائق مختلف، كما كانت لي مآرب أخري.
    تينا سعيدة لأنها إلى جواري، لكنها أسعد لأنها فى المقدمة تري كل شئ، وهذا يشغلها عني، ولعل شعورا خامرها بأنها سيارتنا ونحن معا ننتقل بها. لمحت روبرتو فى المرآة وقد استسلم للنعاس ولمحت صوفياً نائمة على كتفه.
      حاولت تينا أن تغني فطلبت منها الصمت بإشارة من إصبعي على فمي، وأكملت مشيرا إلى الخلف.. تحولت إليهما وسرعان ما ابتسمت وهزت ساقيها فرحاً ومالت على فقبلتني وتقافزت فوق الكرسي، وتسلل إلىّ شعور بأنها ليست فقط طفلة ولكن عقلها ينقصه القليل، ليس لدرجة “الهبل” أو التخلف، لكنها ربما كانت بريئة أكثر من اللازم.. أو كما يقول علماء النفس، عمرها العقلي أقل قليلاً من عمرها الزمني. على أية حال، فهي مصدر سعادة لمن حولها، وإذا كانت كذلك فهي أفضل بمراحل من آخرين يمتلأون خبثاُ وحقداً..
تينا ملاك بحق.. مكافأة لها وتقديرا للملاك فيها، دعوتها للاقتراب، وقبلتها، فطمعت فى المزيد.. أبعدتها عني برقة وأشرت إلى الطريق.

* * * * *
الصباح الجديد يطل من كوة شمس حنون، ونحن ندخل فينسيا بنعومة ورقة مثل شاب رومانسي عاشق يتخذ طريقه إلى حلاله ليلة زفافه حريصاً على ألا يكون حاداً أو مستفزا مهما كانت جامحة رياح أشواقه.
ليس ثم أرض بين البيوت إلا قليلاً فى الأغلب.. توجد شوارع وأزقة عبارة عن قنوات مائية، والميادين بحيرات، لذلك فالحركة والنقل بالزوارق الجميلة المتباهية بحلاوة التصميم والزخارف، المزينة بالورود، الزوارق الراقصة فوق المياه اللعوب، تنسج منظومة البهجة المخملية  بالموسيقي والبنات وأزيائهن الملونة .
ينزل الناس المغمورون  بعشق الحياة من الزوارق إلى بيوتهم أو إلى الفنادق مباشرة. المياه تلامس العتبات ولا تكف عن الاهتزاز بحكم الموجات الآتية من الشمال.
فينسيا المدينة النادرة التى تنام فوق أكثر من مائة وخمسين جزيرة، تحيطها المياه حتى الحافة.. تصل بين اليابسة جسور خشبية تجوس من تحتها الزوارق الكبيرة، ويعبر فوقها المشاة.. الجسر يصعد تدريجياً ويهبط تدريجياً على شكل قوس أو ربع دائرة، أما الأزقة فلا جسور عليها، ولا تمرق فيها الزوارق الكبيرة.
أوقف روبرتو السيارة بالقرب من الميناء، وانطلقنا على الأقدام نتجول فى المدينة، ركبنا الجندول الذى دار بنا ولف وصعدنا إلى الجسر الكبير والتقط لنا روبرتو الصور وأوقفنا أمام قصر الدوق وصورنا أنا وتينا، وواصلنا التجوال وأكلنا السمك المرجان فى أحد المطاعم ثم انتقلنا إلى ميدان سان مارك حيث الكنيسة الرائعة والبشر القادمون من كل أنحاء العالم، والحمام الودود.
 عاد روبرتو يلتقط الصور والحمام على أكتافنا ورؤوسنا وفوق أيدينا التى مددناها له ليحط فلبي.. قال روبرتو لتينا التى احمرت من أشعة الشمس الوادعة:
ـ  احضني فؤاد وقبليه .
 مضي يلتقط عشرات الصور بينما كانت زوجته تقفز فرحاً، الدهشة تغمرني. الأسئلة تنصب فوق رأسي.. تتفجر بداخلي عن سر هذه الحالة وطبيعة هذه الأسرة المتدفقة إنسانيا، الخالية من أي عقد أو شوائب ..هل لازالت هناك مثل هذه النماذج التى تقاوم سوس الحياة؟  أشخاص ودعاء ومسالمون.. لابد أن هذا هو الجمال الذى يحافظ على الدنيا كي يطلع صباحها كل يوم مشرقاً ونديا.
عائلة روبرتو مثل الحب والجنس والغناء والزراعة والعمل والموسيقي والسباحة والملاحة والرقص والأطفال، وكل الحيوانات الأليفة والبرية من الأرانب إلى الغزلان، ومن القطط إلى الزراف، ومن السناجب إلى السلاحف، ومن القرود إلى الأفيال ومن النسور إلى الغربان وجماعة أبو قردان، والفاكهة والياسمين والفل والسوسن والعسل وأمنيات الحقول والمطر.
عائلة روبرتو مثل التعليم وحب المعرفة والرسم والتصوير والشعر والنحت والصيد والنباتات الأليفة والبرية، مثل النور والصحراء والخلاء والسماء والأنهار والأمهات وبيوت الطين ورمال الشواطئ والعدل، مثل فينسيا والعصافير وعيون العجائز وأحلام البنات ونظرات الجمال إلى الأفق وصلوات العارفين، وفرحة الأطفال بالأطفال. يا الله، يا أيها العالم الأثير خذني إليك ولا تكلني إلى هذا الواقع البائس.
     خذيني إليك أيتها المدينة الملهمة والغارقة فى الجنون الممتع، أيتها الأنثى البريئة العاشقة لحد التصوف، كم أخشي عليكي من فرط عشق الشمال لك وفيضانه الغامر الذى يمكن أن يغرقك يوماً، ويبتلع كنزا هائلا من الجمال والتحف وروعة الفن !  خذيني إليك حتى إذا غرقت يوماً كما حدث لك قبل سنوات وبالتحديد عام 1968، وعلا الماء على اليابسة نحو المتر، فأكون معك من الغارقين، إنه بالتأكيد أفضل من العيش مع بعض التجار اللصوص والحكام الفاسدين والساسة، إنه بالتأكيد أفضل من العيش مع المنافقين وبائعي الأوطان والمرتشين والقوادين والقراصنة الذين لا يكفون عن الانقضاض على ما ليس لهم. الغرق معك بالتأكيد أفضل من العيش مع من يتصورون أن بالإمكان يوما تحقيق السلام مع كيان صهيوني وحشي وهو المثال النموذجي للقبح.
    كل بناء فى فينسيا أخلصت فى رفعه مواهب فنية رائعة، حتى الجسور والقصور والفيلات والممرات وأبواب البيوت والزوارق والترابيزات فى المطاعم والأسقف والصواني والمفارش والحدائق وتكوينات الزخارف على الجدران وأشكال الإضاءة والنافورات الصغيرة وأصص الزهر وأخشاب النوافذ والتماثيل الصغيرة واللوحات.. كم أنا سعيد إلى حد الأسى! وكم أنا مبتهج إلى حد الحيرة! وكم أنا معبأ بالحب إلى درجة الحزن! إنني للأسف على حافة الفراق الذى لابد سيذبحني كعصفور كان يغنى.
     موعد إبحار سفينتي الساعة الرابعة عصراً، وموعد مغادرة قطارهم إلى نابولي الثالثة.. فى الثالثة إلا الربع صعدوا إلى القطار، طلبت تينا منى أن أجلس معهم الدقائق المتبقية فوافقت. تبادلنا الحديث عن أهمية التواصل.. كتبنا العناوين والتليفونات. أكدنا على التراسل وتزويدي بالصور .. تحدث روبرتو عن سعادته بتعرفه إلى وتبعته زوجته، كان لابد أن أسأله عن علاقة على بالمافيا، قال:
ـ لا أعرف، لكني أظن أن هناك علاقة أو تعامل.
تذكرت منظر ماركو الذى اصطحبني لشراء السيارة الاستروين وكيف كان خائفاً من على، وعندما أمره أن يأخذ ما حدده أذعن واختفي.    
اكتشفنا أن القطار بدأ يتحرك، أمسكت بي تينا .عانقتني وقبلتني، ثم أخذت وهى متعلقة برقبتي تضحك بينما أحاول الإفلات ،  إلى أن أفلحت وأسرعت إلى الباب الذى كان موصدا، جاء المساعد فأبعدني عنه. صرخت فيه:
ـ لابد أن أنزل.
فقال بمنتهي البرود: مستحيل.
حال بيني وبين الباب. حاولت فتح نافذة. أسرع إلى وقال فى شبه حدة:
ـ هذا لا يصح يا سنيور.
تينا تصفق وتقفز فى مكانها كطفلة فى يوم العيد وأنا فى غاية الغضب والثورة.. صرخت من جديد فى الرجل الذى تجنبني، تركني أصرخ وأسب ثم تحرك روبرتو، وربت على كتفي وشعرت ببعض الغيظ من بروده.. قال فى هدوء سخيف:
ـ لا تغضب .. هناك وقت. انزل فى المحطة المقبلة. بادوفا.. بيننا وبينها ثلث ساعة. وثلث ساعة للعودة. سوف تلحق. اطمئن.
قلت وأنا لا زلت فى بركان سخطي:
ـ على فرض أن كلامك صحيح، فهل هناك قطار ينتظرني فى بادوفا، وفور وصولي سيتحرك؟
واصل كلماته الهادئة والمملة:
ـ تأكد أنك سوف تلحق. كفاك غضباً.. القطارات هنا تضبط عليها الساعة.  
زاد غضبي من كلامه. ولم أقل له أنه لم يحسب المسافة بين محطة فينسيا والميناء.
دعاني للجلوس معهم دقائق. رفضت بشدة، فأصر. تحركت تينا نحوي وجرتني فاستجبت، وقال روبرتو:
ـ لا تفسد رحلتك بتوترك.
قالت صوفيا برقة وحنان:
ـ المهم ألاَّ تنسي الذكريات الجميلة التى جمعتنا، إنها أجمل ما في الحياة..
 ابتسمت وهززت رأسي، وكأني حصلت على جزء من الإجابة على سؤال طالماً سألته منذ عرفت روبرتو: ما مبرر ما تفعله هذه الأسرة معي، من رحلة السفر والولائم والنزهات والكرم والصور.. فضلا عن القبلات؟.
إنهم معتادون على خلق الذكريات وحفرها حتى لا تبقي السنوات راكدة والأيام بلهاء ومسطحة. أدركت أني لست مثلهم ومثل عدد كبير ممن أعرف، الذين يحاولون تعبيد الطرق أمام الحكايات والذكريات. أتصور ـ ربما مخطئا  أو مبالغا ـ أن القراءة وطلب المعرفة وكتابة القصص وأداء الواجب هو كل شئ.
وصلنا بادوفا وطلبت تينا أن أودعها من جديد، كنت قد استعدت بعض هدوئي، فودعتها، وأسرفت من جديد فى وداعي وأنا أضحك من جنونها، وروبرتو يضحك ويقول لها: امسكي فيه مرة ثانية حتى يتحرك القطار.
     ضغطت على قلبي لأفلت منها.. تجمعوا فى النافذة. لوحوا لي ولوحت. أرسلت تينا قبلة كانت فيما يبدو متبقية معها، فما لبث وجهها أن فقد بهاءه وتورده، واحمرت عيناها كأنها توشك على البكاء، أرسلت لها قبلة ولوحت لها، ولكي أرضيها ركضت عدة خطوات إلى جانب القطار الذى تصاعدت سرعته، فتهللت وأخذت تقفز فرحة وشعرها الذهبي يقفز معها حتى غاب الجميع عن عيوني فتوقفت. وفجأة شعرت بالخواء الممتد بعرض أعماقي وأدركت أنهم انتزعوا من قلبي، وإنهم عائلة صغيرة رائعة، ما أجمل أن أعيش معها طول العمر!.
     من أطول الدقائق التى عشتها فى حياتى كانت  بين الثالثة والنصف إلا خمس دقائق حتى الرابعة إلا الثلث، ربع ساعة مدبب وله أظافر تخمش عقلي وروحي وأعصابي، سوف تتهدم أشياء كثيرة مهمة. دقيقة واحدة تأخير عن موعد السفينة، معناه بقائي فى فينسيا وليس معي الكثير، ولابد أن أدفع ثمن فندق لأسبوع على الأقل وحجز باخرة أخرى بعد ضياع الحجز الأول وليس المهم المال، ولكن الآلام النفسية والمزاج السيئ وضياع الإجازة وشوقي لأهلي.. أمور لا تقدر بالمال، أمور يؤدي اهتزازها فى هذه الأوقات الدقيقة إلى طعنات وحيرة وتوتر.
     أخيرا وصل القطار، ورجوته مخلصاً أن يصل فينسيا قبل الرابعة، ورغم وجود كراسي لم أجلس. وقفت أحدق فى المشاهد التى يتوالى عبورها أمامي، تصورت أن الجلوس ربما يوحي للقطار بالاسترخاء، لكنه كان مقدرا حالي وحال غيري فوصل قبل الرابعة بدقيقة.
أسرعت أجري كأني أفر من وحش كاسر. بعزم ما بى  جريت. قدت السيارة بسرعة مجنونة إلى الميناء. لمحت السفينة تتأهب لرفع الباب الضخم من أسفل إلى أعلى. الباب الذى يقبع على الأرض أمام مؤخرتها المفتوحة بعرض شارع. قفزت بالسيارة إلى داخل الباخرة، وكان الباب قد ارتفع عدة سنتمترات.. أشار لي الموظفون بالتوقف لمراجعة الأوراق، ثم أمروني بالصعود للدور الأخير تحت السماء مباشرة.
كانت الباخرة مملوءة بالسيارات.. أسكنتها فى مكان مناسب، وبقيت فيها لحظات أنعم بالراحة والرضا وأطمئن على أعصابي التى تتجه فى هدوء إلى الاسترخاء. شكرت الله على التوفيق، وشكرت السكة الحديد الإيطالية على الانضباط، وشكرت المسئولين فى القاهرة لأنهم لم يكونوا هنا بشكل أو بآخر.
خرجت إلى السطح لأملأ رئتي بأكبر قدر ممكن من النسيم الذى يجيد تصنيعه البحر الأدرياتيك.. تجاوز النسيم حدوده فعبر الرئتين إلى القلب والكبد ثم الجوانح.
لا يعبأ الموج بالباخرة “اكسبريس” التى بدأت تشقه بصدرها العريض وتزحف بقوة كبطة أسطورية تدرك وزنها وقيمتها وما تحمله، وتسلك سلوك من تعرف ما تم إنفاقه عليها وما يميزها عن غيرها من البط.
بدا الموج كأنه مشغول بقضايا كونية أكبر من مجرد مرور بطة طولها يقرب من مائة متر وتحمل ألفا من البشر غير القطط والكلاب اللطيفة ومائة سيارة وعشرات الأطنان من البضائع، وعليها ملاعب، ومجهزة بكل ما تحتاجه هى ومن عليها لعدة أسابيع.
لكنه ـ الموج ـ كان لابد يبتسم سعيدا بالأسماك الكبيرة التى تقفز لتغتسل بأشعة الشمس وترقص رقصة العاشقين فوق مياه مشبوبة تتمسح بجدران السفينة.
    أغرمت بالسطح المشمس المصفوع بذرات الماء، أقضي عليه وفى فضائه المشرق كل ساعات النهار تقريباً إلا مواعيد الطعام أو إذا دعاني أحد لمباراة شطرنج، وقد بذلت جهداً حتى سحبت المباريات إلى السطح، ولو نصف نهار. شاهدت مباراة بين نيوزيلندي وسويدي، وفاز السويدي، ومباراة بين إيطالي وسويسري، وفاز الإيطالي بصعوبة، ولعبت مع الإيطالي وفزت عليه.
 لم تكن اللغة مشكلة على الإطلاق، بل كانت ميزة لأنني لم أفهم تحرشات الإيطالي وتهديده، ولاعبت الألماني وفزت عليه، ولاعبت المغربي وغلبني، وجاء مصري فغلب المغربي، وفاز على الروسي والهولندي، ثم فوجئنا بقبطان السفينة الذى قيل عنه إنه سيد بحار الشطرنج، طلب أن يلاعبني دون أن أدري السر فى ذلك، فغلبني بصعوبة، واكتسحه المصري رامي اسحق فى دقائق قليلة، ودعانا القبطان لغرفة القيادة.. قدم لنا الويسكي فطلبت الكونياك. لبي طلبي وكنت قد أحببت هذا المشروب من أول رشفة.
 كنت بعد عدة ساعات من إبحار السفينة قد شعرت بدوار، ولمحنى شاب إيطالي لا يكف عن تقبيل فتاته، فأحضر لي كأساً من الكونياك فرفضت وشكرته، لكنه ألح وقال إنه العلاج الأول للدوار.
كان كل ما تذوقته من خمر وهو قليل مراً وسخيفاً، لكن الكونياك كان لطيفاً، ولم يعاملني بقسوة فاستحسنته طعماً ودواء.
لعبت على السفينة كرة المضرب (تنس الطاولة) مع فرنسي وبرتغالي وسبحت فى حمام السباحة مع رجال ونساء من جنسيات كثيرة، واستمتعت بحفل كبير أقيم على السفينة فى الليلة السابقة على وصولنا الإسكندرية.. الكل غني ورقص، والبعض قدم الألعاب السحرية، وتباري عدد من  الركاب فى العزف وعرض فيلم لصوفيا لورين وفيلم لانجريد برجمان، ولم نتسلل إلى الكبائن إلا مع الفجر، لكني استيقظت فى العاشرة دون أن يدق بابي أحد ،  فقد كان الأهل جميعاً تقريباً يستقبلوني فى الإسكندرية، ورأيت معهم كلوديا فأخذت ألوح لهم، وأدهشني كيف جاؤا وهم لا يعلمون بموعد قدومي، لكن الحلم كان كفيلا بإيقاظي كي أشاهد الإسكندرية من بعيد وأشهد اقتراب السفينة من أحضان المدينة الجميلة.
      حسب رجال الجمارك على السيارة رسوماً مقدارها 950 جنيه وكان معي ستمائة جنيه. قرروا حجزها. نزل علىّ سهم الله.. اضطربت وحزنت. ابتعدت عن الشباك وانتبذت ركنا لأحسم المسألة ..  لم تمر غير دقيقة حتى تقدم رجل منى وقال وهو يمد يده برزمة نقود:
ـ كنت فى الصف وسمعت الحوار. خذ ما يكفيك وسدد المطلوب كله وخذ سيارتك معك. لا تتركها وادفع حين ميسرة.
      شممت رائحة  أمي . مصر العجيبة تستقبلني بترحاب وصدر حنون. لم تسعدني النقود التى عرضها على سيف البدري بقدر ما أبهجتني تلك الروح الجميلة المستعدة للتعاون حتى مع الغريب، الروح المستعدة لإشاعة الفرح وطرد التعاسة، الروح غير المهتمة باسترداد المال.. اعمل الخير وارمه فى البحر، فقد يأتى يوماً فى بطن سمكة وقد لا يأتى لكنه لن يذهب أبدا، وسوف يقابلك يوماً ما مع فوائده الإلهية.. ليس هذا فقط، بل مزق البور سعيدي رقم تليفوني وعنواني الذين كتبتهما له كي أسدد إذا أردت، والأهم أن يحتفظ بي كصديق، فمعرفة الناس كنوز على حد قوله. رأيت الإيمان بالله مجسدا  وبعمق فى سلوك هذا الرجل الذى لايدرى أن ما فعله دليل على إيمانه الراسخ بالله. 
 عندما زرته بعد أسبوع لأسلمه المبلغ، وجدته قد أعد غداء ثميناً وكثيراً وشهياً.. التف حولي أولاده السبعة وزوجته . قلت له:
ـ أنت إنسان غير عادي.
قال:
ـ بل أنت غير العادي، لأني إذا كنت قد قمت بعمل طيب من وجهة نظرك فالأعمال الطيبة كثيرة، لكن تذكر الطيب والتجاوب معه وعدم التنكر هو الأحسن والأبقي.المثل المصرى لا يتحدث عمن يعطى ،لكنه يتحدث عمن يأخذ ثم يعطى ” من خد وادى صار المال ماله ” .       
  كنت متأكدا إنه على الأقل تاجر كبير أو صاحب مصنع أو مقاول مباني، حتى يرمي مبلغاً كهذا للريح، لكن منزله كان بسيطاً وأولاده يرتدون ملابس أبناء الموظفين.. عرفت أنه موظف متخصص فى التخليص الجمركي فى شركة تعمل بالخدمات البحرية.
     بعد سداد الرسوم اتصلت بشقيق على الذى قابلته فى نابولي، ودعوته للحضور بسرعة حتى أستطيع السفر، بعد ساعة كانت عندي زوجة على .. سلمتها الحقيبتين، ولم تقل لي: شكراً
شغلني لحظات حجمها الضخم وجمالها المتوحش والذهب الذى يتدلى من صدرها والمصفوف أساور فى ذراعيها، والمرصوص خواتم فى أصابعها.. مر خاطر مثير متشرد يسأل عن كيفية تعامل على الذى كالقلم الرصاص المكسور مع هذه السيدة الديناصورية.

 
* * * * *

 

 

 

 
      

       فى كل إجازة كانت أمى تلح علىّ لقبول زيارة العائلات التى تتوسم لديها فتاة تصلح لي كزوجة، واعتدت أن أرفض وبإصرار.. لقد فشل تماماً اختياري العاطفي السابق، ويحتاج هذا الفشل المدوى إلى وقت لإزالة آثار عدوانه على نفسي وعقلي وروحي وجيوبي، رغم أني لم أحمل بين جوانحي أي بغض لهند التى أحببتها ولا أزال، بل بدأت مع الأيام أنزع من نفسي أي غضب تجاه أسرتها التى كانت السبب فى هذا الفشل، وخاصة أمها، وأقنعت نفسي ـ وهذا صحيح ـ أنني من رتب الأسباب وأعدها ورباها ونماها فترعرعت فى أحضان الأم المهيمنة.
كان لهذه السيدة حسنة واحدة، هى إنها كانت بطلة قصة كتبتها قبل سنوات وحازت الجائزة الأولي من نادي القصة التى يحصل الفائز بها على ميدالية طه حسين.. القصة كان اسمها “أمنا الغولة”.
  أغلبنا ـ فى العادة ـ يبحث عن الأسباب المباشرة لأي مشكلة يريد  درسها، وهذا فى ظني رصد ناقص، فالأسباب غير المباشرة فى أغلب الأحيان هى الأقوى. السيدة التى تتعارك مع جيرانها، ليس السبب فى ذلك إنها سليطة اللسان ولكن السبب قد يكون افتقادها للتربية فى النشأة، أو غياب موقف واضح من زوجها يردها عن غيها، أما الزوج غير القادر فقل عنه يا رحمن يا رحيم.
بكت أمى هذه المرة، وقالت إنها لم تعد تحتمل هذا الوضع، ولن تسمح لي بالاستمرار فى عصيانها، وإنها لن تهنأ إلا إذا حملت أولادي وربتهم بنفسها قبل أن تموت. وكلما اجتهدت لإقناعها بألاّ تحمل همي..
ردت بغضب حنون: ومن الذى أحمل همه يا ولد؟
أمى من النسوة شحيحات الدمع لأن كبرياءها راسخ وكرامتها على طرف أنفها، ونفسها أبية، ولا تبكي إلا للشديد القوى وأنا لا أحتمل أن تغضب منى أو علىّ. أمى عندي كيان مقدس.. قلت لها: طلباتك يا ست الأمهات.
قالت وهى تداري فرحاً غامرا: تشوفها.
انحنيت للغالية، وقبلت يدها، وقلت:
ـ سامحيني.. مع احترامي لك ولوالدي وأخواتي.. اختياراتكم لا تعجبني.
ـ جرب هذه المرة.
ـ فاكرة البنت التى زرناها فى زيارتي السابقة، وتبين أن وجهها فى قفاها، لكن لديها عشرين فداناً.
ـ ليست شورتي. إنها شورة أبيك.
ـ والبنت الجميلة التى اخترتها لي وكان اثنان من أخوالها من خريجي السجون.
ـ هذا ما عرفناه بعد ذلك.
ـ والبنت..
ـ خلينا فى هذه البنية. شاهدها بنفسك وإذا لم تعجبك لن يضربك أحد على يدك.
ـ أوامرك يا ست الحبايب.
زدت فقلت راغباً فى مداعبتها.
ـ الأم.. أم، ولو تاجرة مخدرات.
  ابتسمت وقالت:
ـ ربنا يسعدك يا بني.
غيرها كان زمانها رمتني بأقرب شبشب.
الأهل فى العادة يختارون ذات الدين والخلق، أو يخضعون للقرابة والمعرفة، لكن أمورا كثيرة مطلوب الاطمئنان عليها.
كيف لمثلي أن يتزوج فتاة على خلق وبدون ثقافة، أو تعليم محترم؟
كيف لمثلي أن يتزوج فتاة غنية أو أبوها فى مركز مرموق وهى تفتقد الجمال، وكيف أتزوج الجميلة الجاهلة، أو الجميلة المغرورة أو الجميلة الباردة، أو الجميلة سليطة اللسان؟، أنا متأكد أن الفتاة التى ترشحها الوالدة لن تخرج عن هؤلاء.. ربنا يستر وعلى أي حال أنا أريد الجميلة اللطيفة المثقفة، أما الأخلاق فهي مسئوليتي والحقيقة أني لا أريد إلا كلوديا.. سوف تكون ضربة معلم إذا أنا بين يوم وليلة هربت من مصر وانطلقت إلى نابولي وسلمت نفسي لكلوديا.. لكني لست من الجرأة بحيث أغادر قفص أهلي.. أحيانا أكره طباعي المسالمة.
      جروني جرا لزيارة الخطيبة المأمولة، وقد كان بأعماقي يتجول شعور  معتق أني لن أعثر على مرادي، وأغلب الظن أن الأقدار ربما تعد لي زيجة غريبة، تبعدني كثيراً عن أمالي، فقد شرعت روحي بفضل عدد من التجارب، ومعظمها عابر تنحو نحو الفتاة الأوروبية. الجميلة المثقفة البسيطة الماهرة. النشطة. المنفتحة على الحياة، وتحسن التعامل برشاقة مع المستجدات وفى الوقت ذاته قوية وأبية. هاهى كلوديا تبتسم للدنيا فيعبق الكون برائحة الياسمين.
 فى حجرة الصالون دخلت فتاة تحمل ـ كالعادة ـ أكواب الشاي والقهوة وأطباق الحلوى، همست أمي: ليست العروسة.
قلت: الحمد لله.. إنها تبدو سيدة منزل بدرجة تغيظ.
جاءت فتاة أخرى بعد لحظات حاملة صينية عليها الكثير من الفاكهة وأسرعت أمي تقول:
 ـ ليست العروسة.
قلت: الحمد لله.
دخلت فتاة وجلست فى كرسي أمامي تركته أمها لها.. غزتني أمى بإصبعها فى فخذي، ولم تقل إنها ليست العروسة.
    فوجئت بجمالها ورشاقتها وشعرها وفستانها، وعلى الفور حضرت تينا بنت روبرتو. لم يكن قد مر أسبوع واحد على افتراقنا. إنها تينا عندما تكبر قليلا وتنضج شكلا وشخصية.. تينا بعد خمس سنوات. كانت تينا الجديدة تسترق النظر إلى من تحت لتحت، وظللت أنا صامتاً ومندهشاً، أختلس النظرات إلى تينا بعد أن صقلتها الأيام.
سألتني أمى عن رأيي بعد خروجنا، أجبت بتحفظ:
ـ ربما تحتاج زيارة أخرى.
فرحت أمى بإجابتي التى رأتها مختلفة تماماً، أو على الأقل كسرت حاجز الرفض الدائم.. وإن قالت:
ـ أنت بتدلع.. البنت قمر.
  ظللت صامتاً ومندهشاً.. أدير المسألة فى رأسي واضطررت لإبعاد تينا واستحضار كلوديا.
 فى البيت. سألت أمى عن مدي معرفتها بهم. أكدت إنها تعرفهم من زمن، قلت:
ـ   أظنني أعرف والدها.
قالت: محمد الشيمي الميكانيكي.
تذكرت الرجل..
    كانت ورشته قريبة من بيتنا وكنت أمر عليه وأنا فى طريقي إلى المدرسة أو إلى البيت.. أتعجب لمنظره. ربما كان الميكانيكي الوحيد الذى يلبس قميصاً وبنطلوناً نظيفين ومكويين. وجهه الأحمر  المستدير وشاربه البني المشوب بصفرة وبسمة دائمة تشع من ملامحه، يداه دائما تمسحان بعضهما فى خرقة ملونة، علمت بعد ذلك، إنها من فساتين بناته التى تحال للاستيداع.
  هو دائما  أسرع من صبيانه فى الدخول تحت السيارات والانحناء بنصفه الأعلى داخل أحواض المحركات، ولابد أن يطلب المشروبات الباردة أو الساخنة لزبائنه من أم مدحت صاحبة محل البقالة المجاور، والأغرب أنه لا يأخذ مليما لقاء كثير من الخدمات والإصلاحات، حتى السيارات التى توقفت تماما فى الطريق الزراعي، واتصل أصحابها به من أي تليفون .. يسرع إليهم لجرها وإصلاحها، وبالكاد يأخذ أجرة المواصلات.
       بلا أجر يصلح العطل الناجم عن انسداد البك سلانسيه، أو احتراق الفيوز، أو تراكم الأملاح البيضاء على قواشيط البطارية أو انقطاع سلك الاكسراتير، ويأخذ قروشا قليلة نظير تغيير الأبلاتين والبوجيهات أو ضبط الفرامل وتغيير زيتها، أو ضبط التاكيهات والكتاوت ولا يكتفي بشغل الميكانيكا، بل يقوم باللازم إذا كان خاصاً بالعفشة أو ضفيرة الكهرباء. نموذج عجيب لم ألتق بمثله بين الميكانيكيين وأرباب المهن عامة، ورغم كثرة الزبائنوتواصل العمل فلم يكن يترك فرضا .. وإذا كان ينتظر حل العجل أو تركيب مسامير وغيرها من  المهام التى يؤديها الصبيان، فإنه يذكر الله ويحيي العابرين ويصلي على النبي ويداعب أم مدحت التى  لأجل خاطر عيونها سمي أصغر أبنائه مدحت على اسم ابنها . ابن البلد الشهم..لكن النتائج جاءت مختلفة
      تمنيت أن أعمل عنده فى الصيف إبان الأجازات كما عملت عند إبراهيم التركي صاحب ورشة دوكو السيارات، وعند حجازي صاحب ورشة ومعرض الموبيليا.
     معرفتي بأن الفتاة ابنته ضاعفت من اقتناعي بأنها الملائمة.. ربنا يسعدك يا كلوديا بابن الحلال الذى يستحقك.
    لما زرتهم مرة ثانية حددنا موعد الخطبة بعد ثلاثة أيام وكان ذلك يوم الاثنين 25/6/1975  إذ كان لابد أن أغادر البلاد بعد عشرة أيام، ولم يكن فرحانا فى الدنيا مثل أمى، وعمري لن أنسي يوم الاثنين، “يوم ما تقابلنا إحنا الاتنين”. هكذا يغني لنا عبد الوهاب وكم لهذا اليوم من أهمية وخطورة، حتى على مستوي  الأحداث الكبرى، وإن كان هو يوم الاجتياح الإسرائيلي لمصر وسوريا والأردن فى الخامس من يونيو.. الاجتياح وليس الهزيمة. لأن هذه الأيام لم تشهد حرباً بالمعني المفهوم.ويوم رحيل عبد الناصر .
 رفض أبوها أن تصحبني بعد الخطوبة إلى أي مكان وحدنا. لا بأس أن تأتي إلى البيت فى أي وقت.. تغيرت فجأة، لم أكن أتركها إلا لأنام الليل، فأنا معها فى بيتها من الواحدة ظهراً إلى الواحدة بعد منتصف الليل.. نأكل ونشرب ونتحدث اثنتي عشرة ساعة.. الغريبة التى أصبحت بعد ساعات حبيبة.. اجتياح عاطفي نادر الحدوث.. الغريب.. ذلك التجاوب السريع بين الروحين، وكأن كل منهما كان يبحث عن الآخر.. إنها بالضبط ما أريد.. إنها أفضل مما أريد
وعذرا كلوديا وكل كلوديات العالم.

 
* * * * *

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.