الغـــــــرق في النسيان
بقلم أو هنري
ترجمة: يوسف لؤي جودت
قسم الترجمة كلية الآداب

في صباح ذلك اليوم، تبادلنا أنا وزوجتي عبارات الوداع المعتادة. كانت زوجتي قد وضعت كوب الشاي جانباً وتوجهت معي إلى الباب الأمامي. كانت تفعل الشيء ذاته يومياً: تلتقط شعرةً غير موجودة على معطفي وتوصيني أن اتوخى الحذر! ثم تقفل راجعةً لاحتساء الشاي بعدما أغلق الباب. هذا ما كانت تفعله على الدوام.
أنا محامي وأعمل بجدٍ. نصحني صديقي الدكتور فولني أن أخفف من الجهد الذي أبذلهُ في العمل محذراً إياي: ((قد تسقط مغشياً عليك من الارهاق! الكثير من الناس، الذين يحملون أنفسهم أكثر من طاقتهم في العمل، ينتابهم الشعور بالتعب والارهاق، وفجأة ينسون من هم! إنهم يفقدون القدرة على تذكر الاشياء. يُسمى هذا المرض ” فقدان الذاكرة”، تعرفه، أليس كذلك؟. وعليه، انت في حاجة إلى أخذ قسطٍ من الراحة والاسترخاء)).
((ولكني أفعل ذلك. في أماسي الخميس مثلاً، أقضي- أنا وزوجتي-الوقت في لعب ورق الكوتشينة، وفي أيام الآحاد، أقضي جزءاً من الوقت في الاصغاء إلى زوجتي وهي تقرأ الرسائل الاسبوعية التي تصلها من والدتها))، هذا كان ردي على نصيحة الدكتور فولني.
في ذلك الصباح، وبينما كنت متوجهاً إلى عملي، فكرت بما قاله الدكتور فولني وكنت في حينها اشعر بالارتياح والرضا عن حياتي.
بعد استيقاظي من نومٍ طويل وكنت حينها على متن قطارٍ كان الشعور بالضيق والانزعاج يحاصرني ويضيق عليَ الخناق. جلست في مقعدي وبعد مدةٍ طويلةٍ من التفكير، قلت لنفسي: (لا بد أن يكون لي أسم!). لذلك نظرت بمحفظتي , لم أجد شيئاً أو رسالةً أو حتى ورقة لم أجد شيئاً يدلني على أسمي. كل ما وجدتهُ هو ثلاثة الأف دولار. وفكرت قائلاً: ((لابد أن أكون شخصاً ما”.
كان القطار مكتظاً برجالٍ ودودين سار أحدهم نحوي ثم جلس بجانبي. بادرني الرجل الحديث قائلاً: ((مرحبا، اسمي ار بي بولدر وأنا من ميسوري. من المؤكد أنك ذاهب لحضور اجتماع في مدينة نيويورك، أليس كذلك؟ ما أسمك؟.
فكرت وقلت ينبغي لي أن أرد بسرعة، لذلك اخترعت اسماً وقلت لهُ: (أسمي ادوارد بينكهامر من مدينة كورنوبوليس- ولاية كنساس).
كان الرجل منهمكاً في قراءة صحيفة، ولكنه كان ينظر لي من أعلى حافتها كل بضع دقائق ليتحدث معي. استنتجت من حديثي معه أنهُ كان صيدلياً وهو كذلك حسب أنني صيدلي.
سألتهُ: ((هل هؤلاء جميعهم صيادلة؟)).
فأجاب: ((نعم، إنهم صيادلة, وهم متوجهون جميعاً إلى الاجتماع السنوي في مدينة نيويورك)).
بعد مدةٍ من الزمن، عرض عليَ أن يريني شيئاً في الصحيفة: ((هاك، هذا رجل آخر من الرجال الذين فروا بعيداً، ثم يدعون أنهم لا يتذكرون من هم! وتكون حالتهم كالآتي: (رجل يشعر بالتعب الشديد من ضغوطات عملهِ وعائلتهِ ويحتاج الى أن يختلي بنفسه، ويأخذ قسطاً من الراحة. إنه يفر وحده الى مكانٍ ما، وعندما يجدوه، يقول أنه لا يعلم من هو، وإنهُ لا يتذكر شيئاً).

أو هنري

تناولت الصحيفة من يده، وقرأت الآتي:
((دنفر , الثاني عشر من يونيو.
غادر أحد المحامين المعروفين يُدعى ’الوين. سي. بيلفورد‘ منزلهِ منذ ثلاثة أيام ولم يعد الى حد الآن. وقبل أن يغادر سحب من حسابهِ في البنك الكثير من الأموال. ولم يشاهدهُ أحدٌ منذُ ذاك الوقت. إنهُ رجل وديع محب لعملهِ وسعيد في زواجهِ. لكن السيد بيلفورد كان يعمل بجدٍ وحرصٍ بالغين، ويُرجح أنهُ اُصيب بمرض فقدان الذاكرة)).
((لكن الناس ينسون فعلاً من هم في بعض من الأحيان!” قلت للسيد بولدر معلقاً على الخبر المنشور في الصحيفة.
فرد علي قائلاً: ((هيا، يا رجل هذا مجرد هراء! كما تعلم هؤلاء الرجال بحاجة الى أمور أكثر وهجاً وإثارةً في حياتهم، مثلاً امرأةً جديدةً تدللهم أو ربما شيئاً آخر، من يدريني؟)).
وبعد مدةٍ تجاذبنا فيها أطراف الحديث، وصلنا الى مدينة نيويورك في الساعة العاشرة ليلاً. واستأجرت سيارة اجرة لنقلني الى الفندق حيث حجزت باسم “ادوارد بينكامير “. وعلى حين غرة شعرت بالجموح والسعادة ” كنتُ حراً”. رجلٌ بلا هوية يستطيع أن يفعل كل ما يحلو لهُ.
نظر موظف الاستقبال نحوي باستغراب ربما لأني لم أكن احمل حقيبةً.
قلت له: “أنا هنا من اجل اجتماع الصيادلة السنوي، ولكني أضعتَ حقيبتي”. لذلك قمت بإخراج المال من محفظتي وقدمتها له لقاء حجز الغرفة.
في اليوم التالي، اشتريت حقيبةً وملابس وعشت حياة ادوار بينكامر. ولم احاول لوهلةٍ أن اتذكر من أنا.
كان كل شيء في مانهاتن ساحراً جميلاً: المسارح والحدائق والموسيقى والمطاعم وليالي الانس وحتى النساء ساحرات. وتعلمت في الايام التي قضيتها في المدينة درساً مهماً: “أذا اردت أن تكوت سعيداً، اعتنق الحرية”.
كنا أذهب في بعض الليالي الى المطاعم الفاخرة حيث الهدوء والموسيقى التي تداعب هدوء الروح، أو إلى النهر الذي كان يعج بالصخب والرجال الذين يواعدون حبيباتهم وكنت استأجر زورقاً. وفي بعض الاحيان كنت أتوجه إلى الشارع الرئيس في المدينة” البرودواي”، حيث المسارح الكبيرة والاضواء الساطعة.
وفي أحد الأماسي، وبينما كنت في طريق العودة الى الفندق الذي أقُيم فيه، انتصب فجأةً رجلٌ بدين واقفاً أمامي.
صرخ قائلاً: “مرحبا, بيلفورد”.ماذا تفعل في مدينة نيويورك؟ هل السيدة بي بصحبتك؟.
قلت بلطف لهُ: “يا للأسف سيدي، أنا ليس الشخص الذي تظنه، أنا ادعو بينكامير، هلا تسمح لي بالمرور”.
ارتسمت الدهشة على وجه الرجل البدين الذي تنحى قليلاً عن طريقي، وبعدها سمعته يقول شيئاً في الهاتف بينما توجهت إلى الفندق وقلت لموظف الاستعلامات: “أعطيني فاتورة الحساب، واحضر لي حقائبي في غضون نصف ساعة”.
في مساء ذلك اليوم, ذهبت الى فندق صغير وهادئ في الشارع الخامس للإقامة فيه.
وفي أحد المطاعم المفضلة لدي في شارع البرودواي، وحالما جلست إلى الطاولة التي أخترتها باغتتني امرأة بالقول بصوتٍ ناعم: “السيد بيلفورد”.
استدرت سريعاً، فرأيت امرأة ساحرة العينين يناهز عمرها الثلاثين كانت تجلس وحيدةً إلى أحدى الطاولات.
وقالت: ((كيف لك أن تسير كذلك من جنبي ولا تنتبه لي؟ ألا تعرفني؟)).
بعد قولها هذا، جلست إلى طاولتها، كان شعرها جميلاً ذا لون أحمر ذهبي.
سألتها: ((أحقاً تعرفينني؟)).
ابتسمت قائلة: ((كلا، لا أعرفك)).
حسناً اسمي ادوار بينكامير وأنا من مدينة كنساس.
قالت: ((إذن، لم تحضر معك السيدة بيلفورد،)) واستأنفت ضاحكة: ((لم تتغير كثيراً منذ أن تركتك قبل خمسة عشر عاماً، يا ألوين)).
كانت عيونها الساحرة تجيل النظر في ملامح وجهي.
وقالت بهدوء: ” كلا، لم تنس، أخبرتك أنك لن لن تتمكن من النسيان)).
قلت لها ((أسف، هذه هي المشكلة، أنني نسيت، نسيت كل شيء)).
ضحكت قائلة: ((هل تعلم أني تزوجت بعد ثلاثة أشهر من زواجك؟وقد اجتاح خبر زواجي الجرائد)).
صمتت دقيقةً من الوقت. وبعدها نظرت نحوي مجدداً، وقالت بنعومة: (( أخبرني شيئاً واحداً فحسب، ياألوين. منذ تلك اللية قبل خمسة عشر عاماً، هل كان بقدرتك لمس الورود البيضاء أو شمها أو النظر اليها بدون التفكير بي؟.
قلت بعد تأمل: ((كل ما بقدرتي فعله هو أن اقول لكِ أنني لا اتذكر شيئاً من هذا الكلام)). أنا شديد الأسف، وحاولت أن أشيح بنظري عنها.
ابتسمت ووقفت لتغادر، وبعدها بسطت يدها لي وصافحتها لعدة ثوانٍ، ثم قالت بابتسامة حائرة: ((أوه، أنت تتذكر!”. واضافت قائلةً: ((وداعاً ألوين بيلفورد)).
في تلك الليلة ذهبت الى المسرح وقفلت عائداً إلى الفندق بعد انتهاء العرض حيث كان بانتظاري رجل وديع يرتدي ملابس سوداء.
قال: ((السيد بينكامير، هل لي دقيقة من وقتك في الغرفة هناك؟)).
تبعتهُ الى غرفة صغيرة كان فيها رجل وامرأة في انتظاري. كانت المرأة ما تزال جميلة، لكنها حزينة الوجه ومتعَبة. أخذني العجب بمظهرها وملامحها. أما الرجل الذي أتى لمقابلتي فكان في الاربعين من عمره تقريباً.
قال الرجل: ((بيلفورد، أنا مسرور بلقائك مجدداً، أخبرتك أنك كنت تعمل بدأب وسيصيبك هذا بالمرض، لذلك الان سوف تعود الى البيت معنا. وسوف تكون بأحسن حال بأقرب وقت ممكن)).
قلت لهُ: ((ادعو أدوارد بينكامير ولم أرك من قبل قطً)).
صرخت المرأة قائلة: ((اوه، ألوين! أنا زوجتك! وقامت بمسك يدي، لكني ابعدت يدها سريعاً)).
اجهشت السيدة بالبكاء قائلة: ((اوه، يا دكتور فولني , ما الذي جرى له؟)).
رد الدكتور قائلاً: ((اذهبي الى غرفتك سيدة بيلفورد وسوف يتحسن قريباً)).
غادرت المرأة الغرفة، وكذلك فعل السيد ذو الملابس السود. والتفت الرجل الذي كان يدعى أنهُ دكتور وقال لي بهدوء: ((أصغ لي من فضلك، اسمك الحقيقي ليس أدوارد بينكامير)).
أجبته قائلاً: ((نعم، أعلم ذلك، لكن الاسم ضروري للرجل، وأنا اخترت بينكامير لما لا؟”.
قال الدكتور: ((أسمك الحقيقي هو” ألوين بيلفورد، وأنت من أهم المحامين في مدينة دنفر وتلك المرأة التي كانت هنا زوجتك)).
قلت لهُ: ((تبدو امرأة راقيةً، وفي الحقيقة لقد غُرِمت بلون شعرها”.
رد الدكتور قائلاً: ((إنها امرأةً صالحة))، واستطرد((عندما تركت المنزل كانت تشعر بالحزن. وبعد عدة أيام من غيابك، أتصل بنا رجلٌ قال: ((إنك تقيم في هذا الفندق)).
قلت لهُ: ((اظن اني أتذكرهُ)).
قال لي: ((بيلفورد أنت تتذكر)).
قلت لهُ: ((ارجو المعذرة، لكن من تكون؟)).
قالي لي: ((انا الدكتور بوبي فولني، وأنا صديقك منذ عشرين عاماً ودكتورك الخاص منذ خمسة عشر عاماً، ألوين حاول أن تتذكر”.
قلت لهُ: ((قلت أنك دكتور، وأود سؤالك هل ستتحسن حالتي؟ وهل فقدان الذاكرة مرض يمكن علاجه أم انهُ يتلاشى فجأةً؟.
رد قائلاً: ((في الحالتين، الاحتمالان واردان)).
سألتهُ: ((هل ستمد لي يد المساعدة، دكتور فولني؟)).
قال: ((اوه، يا صديقي العزيز , سأبذل قصارى جهدي)).
قلت: ((هذا جيد، ولأنك دكتوري الخاص، فأنك ستحافظ على سرية ما دار بيننا، أليس كذلك؟)).
رد قائلا: ((بالطبع لن اخبر أحداً)).
وقفت، كان هناك بعض من الورود البيضاء على الطاولة، سرت نحوها والتقطت الورود ورميتها من النافذة, وبعدها جلست مجدداً.
قلت: احمد الله أني قمت بذلك، بوبي، شعرت بالتحسن فجأةً، كنت متعباً من كل ما جرى لي.
اذهب يا دكتور واحضر زوجتي مارينا الآن، قلت بابتسامة: (آه يا دكتور اشعر بتحسن كبير الآن، اوه يا صديقي الوفي، كانت تجربة رائعة)).

 

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

2 تعليقان

  1. د. هناء خليف غني

    هذه هي القصة الثانية التي يترجمها يوسف لؤي الطالب في قسم الترجمة المرحلة الثالثة. يوسف مترجم واعد أتمنى له النجاح في ترجماته القادمة.

  2. شكراً جزيل الشكر، إلى الدكتورة هناء المعطاءة ، شكراً إلى اهتمامها بالشباب وطموحها لتقديم ما هو افضل سواء لنا او لبلدنا، الله شاهد على كلامي، انتي ايقونة من ايقونات الترجمة. وشكراً إلى الناقد العراقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *