بولص آدم: صندوق بنيامين (أدب السجون العراقي/3)

إشارة:
بالرغم من أنُ وطننا صار في مراحل كثيرة من تاريخه سجناً كبيراً، وبالرغم من أن الكثير من المبدعين العراقيين قد تعرّضوا لتجارب مريرة من السجن والتعذيب، إلا أنّ ما كُتب عن أدب السجون العراقي كان قليلا جدا بصورة تثير الكثير من الغرابة والتساؤلات. وقد يكفينا القول إنّ دورة معرض القاهرة الدولي 48 للكتاب لعام 2017 شهدت 30 رواية من أدب السجون لم يكن بينها رواية عراقية واحدة في هذا المجال. التفاتة الأديب الأستاذ “بولص آدم” في هذه السلسلة من القصص القصيرة من أدب السجون العراقي المطبوعة بحرارة التجربة الذاتية هي التفاتة مهمة تسد نقصا كبيرا في المكتبة السرديّة العراقية في هذا المجال.. فتحية له.

النصّ:

مرت سنوات وتغيرت اشياء، اندثر عدد منها واصبح استعادة عدد اخر رغم أهميته بلا طعم مع انه هو الآخر دخل قفص الأبهام، يجد المبهم من تلك الأشياء نفسه مسجونا ليضمحل هناك ويترك مكانه لفراغ يشغله صندوق نخاف فتحه لكي لانصطدم بحقيقة كونه فارغا، وتنتهي حكاية تلك الأشياء التي نعتقد بأنها في صناديقنا، لذا نُبقي تلك الصناديق بعيدة عن فضولنا لنحيا ابدا على امل غامض في أشياء تتمتع برعاية الذاكرة ..

كان الصندوق المصنوع من ورق المقوى غير قويا بالمرة ولكنه احتوى على صرخة ! اعتقد( بنيامين ) بان الصندوق مهم جدا، ثمة من سلَّمه أياه ورحل..

حذّره من اشياء كثيرة عليه تفادي تداولها والا فأنه ومن مكان بعيد، يُمكن حشر مفتاح شبحي يطير لمسافة بعيدة ليستقر في ثقب الصندوق ويتحرك المسنن منه مرتين الى جهة اليمين، ويكون الصندوق مهيئا تماما ليفتح نفسه وتخرج صرخة مرعبة على درجة لايمكن تحمل قوتها ! لربما ستكون اقوى من انفجار شحنة ناسفة ادخلت في اذنه سرا، لتعاقبه على تداوله اشياء عليه ان ينسى بانها تدفعه للأهتمام بها ! وهكذا كان هناك رقيب يؤدي وظيفته بشكل كامل دون نقصان، ذلك الملعون رحل والى الأبد، الا ان ماتركه كصرخة في ( باكيت مسحوق الغسيل ) وسلمه لبنيامين قبل ان يغادر( على عهدة حكاية الصرخة في الكارتونة )، كان كَلُغم تركه أمانة و غادر الى مكان مجهول، لااحد يعرف السبب ولأية غاية وذلك لم يكن مهما، فصديقنا السجين بنيامين، كان شغله الشاغل، ان يعتني بذلك الصندوق الكارتوني الذي يحتوي على صرخة، لو خرجت لكانت مؤذية وقاتلة، فعليه الحذر ثم الحذر من كشف سر مهم جدا حول مالم يعد يتذكره!

لم يكن احد ما قادرا على تفسير حكاية مثل هذه، لأن معلومات بنيامين نفسه باتت قليلة فهو بمرور الأعوام فقد ذاكرته هنا في ( ابو غريب ) ، وانا نقلت مثل غيري الى الزنزانة مؤخرا، وهكذا كان هناك من يقول بان بنيامين مجنون ولا احد يهتم بعدد السنوات التي مرت عليه هنا ولماذا هو هنا؟ وإذا سُئِلَ عن الحكاية، يَطلُب سيجارة وبعد تدخينها بأطلاق حلقات دُخان مُتقنة، يتكرر نفس السؤال عليه والأجابة كانت في كل مرة (لاأعلم) يتوسل الحصول على سيجارة أُخرى و هكذا…

علمنا في نهاية الشهر بان مامورا حضر لتسليمه نصف راتبه الشهري كنائب ضابط في الجيش، وتصرف بنيامين بالمبلغ بالشكل الذي درج عليه في نهاية كل شهر، يتأبط صندوقه، يتجه نحو حانوت ابوغريب، يسلم نصف راتبه الى ( نداء الأرمني ) من خلال شباك مربع صغير ويسلمه نداء عددا من معلبات اللحم الهولندية ، يعود مسرعا الى الزنزانة ويضع كارتونة مسحوق الغسيل سومر جانبا، ينظر نحونا بريبة وخوف، يُسرع بفتح تلك العلب الواحدة تلو الأخرى ويلتهمها بنهم، بعد ان يستقر اللحم البقري في جوفه، يرسم علامة صليب بحركات كيفما أتفق، يمرر اصابع يديه على العلب المعدنية الفارغة جيئة وذهابا، يرفع صندوقه ويضعه على رأسه، تلك الكارتونة اللغز كانت ما ينبغي أن يحتفظ به وليس اي شئ آخر، فلم يعد ليله ليل ونهاره نهار، يحكي لنفسه بصوت مسموع تفاصيل غير مترابطة في هذيان محموم عن اي شئ يُذكِّره بشخص لم يعد يعلم من هو ..

بعد انتهاء بنيامين من طقوسه مع الأمانة المرعبة وعلب اللحم الفارغة، ينظر الينا ويسأل:

ــ هل سلمكم سيدي صندوقاً؟

شاهد أيضاً

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *