النص التسعيني نص عاق ومتمرد على السلطة الأبوية
قراءة في (إزدهارات المفعول به) للشاعر سلمان داود محمد
محمد علي النصراوي (ملف/63)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

إذا ما أردنا الدخول إلى تجربة الشاعر سلمان داود محمد يتحتم علينا الوقوف عند جيل التسعينيين ، والتعرف على أهم ملامح تجاربهم ، لقد خرج جيل التسعينيين من ثلاثة حروب ضروس ، حطمت هذا الجيل وكسرت أجنحته ، وحوصر داخل فضاء ، هو الآخر يُعّدُّ زنزانة بلا جدران ، إنَّ جيل التسعينين خرج إلى الحياة وهو خالي الوفاض ، حطمته يد القدر، بلا عمل وهو محبط ، منكسر ، وهو يواجه أعتى الأزمات ، في الوقت الذي نرى فيه أجور راقصة واحدة وفي ليلة واحدة ما يعادل رواتب تكفي مئة شاب عاطل عن العمل .. هذا هو حال الشاب المثقف العراقي وهو يخرج من هذه الحروب الضروس .. نعم لقد خرج جيل كامل من الشعراء محطمي النفس ، لم يستطيعوا شراء ورقة واحدة ناصعة البيضاء ليكتبوا عليها قصائدهم ، لذا راح الشاعر التسعيني يكتب نصه الشعري على الأكياس الورقية لبائعي الخضر وعلى علب السكائر وعلى المسودات القديمة .. كيف نريد لهذا النص أن يكون وهو يقذف بنفسه في وجه العالم .
لقد صرح الناقد العربي صبري حافظ في إحد بحوثه : ( لكن الأمر اختلف عن ذلك اختلافاً جذرياً مع ظهور جيل التسعينيات ، فإذا كانت النزعة الإنسانية تنهض على مركزية الإنسان وبخاصة الإرادة الإنسانية ، فكيف لمثل هذه النزعة أنْ تجد لنفسها صدى لدى الشباب الذي يجد نفسه مهمشاً ، وتعصف كل الظروف المحيطة بإرادته حيث يتعرض الشباب خاصة لشتى صنوف العنف الرمزي والفعلي على السواء فقد تكون وعي هذا الجيل من تفشي أشكال التطرف الإقتصادي الحادة بينما ملايين الشباب لا يجدون العمل ولا المأوى )(1) { نقل المركزية الروائية / وجماليات سرد ما بعد الحداثة – مجلة الأقلام – العدد الثاني – نيسان / آيار 1998م }.
إذن لقد خرج جيل التسعينيين من الحرب وقد رأى الأفق مسدوداً أمامه ، وهو مسلوب الإرادة إلى أقصى حد ، إلاّ في حدود تدمير الذات ، أي في حدود السيطرة على جسده فحسب ، من هنا بدأت القطيعة المعرفية مع الأجيال التي سبقته ، لذا نرى كتاباتهم تشوبها مسحة الهجاء الذاتي والسخرية من النفس ، والقطيعة مع كل ما هو تلقيني وأبوي ، فإنْ صح القول فإنَّ النص التسعيني هو نص عاق متمرد على السلطة الأبوية ويرفض الإنتماء إلى أية خيمة كانت ماعدا خيمة الذات فهي ملجأه الآمن ومستودع ذاكرته ، هنا حيث تكمن كينونة الروح المتأججة في الأعماق ، يمتد جسد النص بمطباته وثغوره وفجواته وتكراراته ورموزه وبامتداداته المعرفية صوب اللاجدوى والعبثية ، وفي عالم مفكك تحولت فيه القيم إلى شعارات زائفة، وشعائره الدينية إلى مجرد طقوس فلكلورية ، تحولت فيه الحقيقة إلى وهم بل تحولت كل منظومة القيم فيه إلى اكاذيب ، وبدا فيه الخير هو الوجه الآخر للشر .
لقد عُرف هذا الجيل أن قضيته الأساسية هو ظهور نصه إلى الحياة ، وكما صرح الناقد العراقي باقر جاسم محمد في احدى مقالاته الرائعة المنشورة في مجلة الأقلام : ( نرى كتّاب هذه الحقبة جعلوا من الكتابة قضيتهم تجاه الحياة والكون وذلك لتاكيد أيمانهم المطلق بما يكتبون ، لذا جاءت محاولاتهم التجريبية لتواجه إحباطات كثيرة ، لكنهم ظلوا على رهانهم وهم يواجهون شتى الصعوبات ، وكان من أشدها سلطة الرقابة والنشر ) .
والشاعر سلمان داود محمد ومنذ صدور مجموعته الأولى غيوم أرضية سنة 1995م و(علامتي الفارقة ) 1996م ، يحاول ان يؤسس لنفسه تجربة فريدة ، نعم لقد عُرف شعره بالسخرية اللاذعة وهجاء الذات المحطمة ، لذا نزل الشاعر إلى أرض الواقع وأستل مفرداته من الحياة اليومية بطريقة التلاعب بالألفاظ ، كما في هذا المقطع الذي افتتح به مجوعته الشعرية ( أزدهارات المفعول به ) إذ يقول : (خشية أن تشقى / أكره نفسك جيداً / وأقترح الله ) ، لذا بات واضحاً لنا إنَّ من مميزات هذا الجيل إنه لا تكمن تجربته في الخروج عن القافية والوزن حسب بل أقام بكسر سياق البيت الواحد بل والعبارة الواحدة وهي تحتوي على متناقضاتها في آن معاً ، كما نلاحظ هذا من عنوان المجموعة ( أزدهارات المفعول به ) فإذا ما كان المفعول به منكسراً دوماً وتلاحقه الإنكسارات في أي موقع يكون فيه فما هو سر أزدهاره ، فأنَّ ذلك يدلُّ على أن العبارة الواحدة لديه تحتوي على متناقضاتها ، وهي صورة رمزية أو مجازية للذات المنكسرة داخل الشعر ، تلك الذات التي تكوّن خطابها الجواني ، السراديبي الميتافيزيقي ، هي التي تتسيد نفسها وذلك بحضور هذه الذات امام نفسها ، وهي تحتوي على تناقضاتها وأختلافها في آن معاً ، كما في عنوان قصيدته الأولى (ماراثون انفرادي ) ، فإذا ما كان الماراثون يوحي بسباق جماعي كما نشاهده في بعض الشعوب الأوربية وهو أقرب إلى الجماهيري ، كيف ينقلب هذا الماراثون إلى حالة انفرادية ، إلاّ أن العبارة تجرنا بإيحاءاتها الزئبقية نحو إنكسارات النفس وهجائها في آن معاً ، يقول في مفتتح القصيدة : ( أكرر … ) ، إنَّ هذا الهجاء وهذه السخرية توحي لنا ثمة سياق من الكلام لم يُقل ، إذن ثمة مسكوت عنه تركه الشاعر متخفياً وراء الحجب للمتلقي ، ويتوضح هذا في نسق الشعري الآتي ( لقد ذهب الجميع إلى وظائفهم / الألغام نحو المطبخ تهيئ عصيدة الخطى ..، / والأبناء لزراعة المدى بالعكازات / كذلك الأم وهي تتبضع الغرقى في شارع النهر ) .
ولما كان الجيل التسعيني قد ولد من الحرب فإن الشاعر سكنته الحرب لذا راح يكوّن قاموسه الشخصي من مفرداتها وهو يعزف على ألغامه وخوذه وسرفاته وشظاياه كما جاء في المقطع الآتي من قصيدته (خروف العلة):
{ وفقاً لركاكة النصوص فازت الخوذة بالأبدية
وعاد المنصوص عليه إلى وحشته نادماً
ينتحر المياه أمام رهبة اللاأحد
ويكسر أنف العدو بعفونته الباسلة
يوم ذاك – تعثرت الصواريخ بحقائب مدرسية
والعقارات كما ترى عالجت الأمر برخام وجلنار
البدر هو الآخر نفدت بطارياته في تجفيف غسيل مدمى }
راح الشاعر يبلور رؤيته الفلسفية الخاصة به تجاه الحياة والكون وهي غالباً ما تكون فلسفة وجودية يستل رموزه المؤرضنة من الواقع العيني ، وهذا ما يؤكد في مجموعته (ازدهارات المفعول به ) إنَّ خطابه النثري يخرج من الذات وإلى الذات ، فتحولت الذات إلى موضوع إشكالي ، وإنْ صح القول فإنَّ هذه الذات أصبحت هي (المشكِل) ، ذلك ( المُشكِل ) الذي زحزح هذا الخطاب نحو كائن أنطولوجي لا يمكن القفز من فوقه بل يترتب الوقوف عند منتصفه لتكن رؤيتنا شاملة .. ولما كان الشاعر يبحث عن كينونته .. هل أصبح نصه نصاً أنطولوجياً ..؟ وهل حقق هذا الخطاب الأنطولوجي كينونته ..؟ أو هل وصل الشاعر إلى حقيقته الكامنة في ذاته ..؟ فإذا ما كانت هذه الحقيقة مختفية بين طيات هذا الخطاب ، وإذا ما كانت تلك الحقيقة تمثل كينونة الشاعر ، إذن فكينونته تتخارج مع نفسها كلما اقترب الشاعر من نفسه ، أو كلما تعرف هذا الخطاب الأنطولوجي على كينونته ، فإنَّ هذه الكينونة تختلف مع نفسها ، وهكذا ففي كل نص أنطولوجي يقترب الشاعر من كينونته ويختلف معها في آن معاً . وهذا ما يفسر لنا قراءتنا لـ ( ازدهارات المفعول به ) إنَّ الكينونة تتوالد وتنشطر على نفسها في جميع النصوص .
لذا نرى أنَّ الجوهر الفلسفي إو القاسم المشترك الذي يميز مجموعة ( اِزدهارات المفعول به ) بإنها نصوص ما بعد الحداثة وهي نصوص قائمة بفقدان الثقة في النزعة الإنسانية ، أي ان الشاعر أبتعد باشتغاله من الهاجس المعرفي صوب الهاجس الكياني أو الوجودي الذي يتعلق بوجود الشـيء وكينونته ، كما في مقولة الكندي الشهيرة ( تأييس الأيس من ليس) وليس بالمعنى السارتري ، وهذا متأت من الأسئلة التي يطرحها نص ما بعد الحداثة على نفسه من مثل : كيف يمكنني تفسير هذا العالم وأنا جزء منه ..؟ وما هو موقعي فيه او موقفي منه ..؟ لذا اصبحت نصوص هذه المجموعة مشغولة بطرح الأسئلة الكيانية على نفسها تلك الأسئلة المتعلقة بكينونة العالم والإنسان معاً . وعليه فإنَّ هذه الأسئلة أصبحت غائية الشاعر الذي راح يبلور لنا رؤيا فلسفية على أبتكار الأسئلة وتوليدها .

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (17) أفكار حول الرواية العراقية للنقاش -2- (ملف/131)

حافظة للوحدة الوطنية في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل …

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *