عادل المعيزي: تطير الخطاطيف بي

خَطَاطِيفُ عُمْرِي تُحَلّقُ فِي بَاحَةِ الدّارِ عِنْدَ الخَرِيفِ
أَرَاهَا فَأَرْمُقُ لَوْنَ السَّمَاءِ الرَّمَادِي خَلْفَ الغُرُوب
وَسِرَّ البِلاَدِ البَعِيدَه
أَرَاهَا فَتَأْتِي القَصِيدَةُ مُثْقَلَةً بَالهُمُوم
وتَأْتِي الخَطَاطِيفُ فَوقَ يَدَيَّ
وتَبْسطُ لِي صَهْوَةً مِنْ جَنَاحِ الرَّحِيل
وأُمْسِكُ بالرّيشِ وهو يُنَادِي عَليَّ
فَيَأخُذُنِي خَلْفَ تِلْكَ الغُيومِ ويَعْلُو
فَأَعْلُو

تَطِيرُ الخَطَاطِيفُ بِي فِي السَّمَاءِ البَعَيدَةِ
حَتَّى أَرَى أَلَمَ العَالَمِ المُسْتَكِينْ
أَرَى الاضطهاد وَأَخْتَارُ أُغْنِيَةَ الانطلاق
عَلَى ظَهْرِ تِلْكَ الكَوَاكِبِ نَحْوَ الأَعَالِي
لِيَنْبُتَ في الأُفْقِ وَرْدُ البَسَاتِينِ
أَحْيَا لِأَجْعَلَ بَرّيَةً للرُعَاةِ يُقِيمُونَ فِيهَا تَعَالِيمَهُمْ
و أَصُبَّ مِنَ المَاءِ فَوْقَ الضُحَى..
مَا يَلِيقُ بِسُورِ الكَنَائِسِ
أَحْيَا لِأُطْلِقَ مِنْ مِجْدَلِيَّةِ هَذَا المَدَى
عَسَلاً لاَئِقًا بالثّنَاءْ
وأَجْلِسُ حِذْوَ العَجُوزِ أَصُبُّ لَهَا شَايَهَا
وأَدُلُّ يَدَيْهَا إِلَى حَفْنَةِ الذّكْرَيَاتْ
أُرِيدُ كَثِيرًا مِنَ الشُّرُفَاتِ لِأَتْرُكَ فِيهَا
كُرُومِي وأَتْرُكَ فِيهَا نَبِيذِي العَتِيقَ وسِحْرَ جِرَارِي
وأَنْهَضُ كَيْمَا أَدُّلّ مَرَاكِبَ حَوْلِي على سَاحِلٍ لاَ تَرَاه
قَرِيبًا مِنَ العَرَبَاتِ الّتِي تَحْمِلُ الطَيّبِينَ
إِلَى وَكْرَهِمْ فِي المَسَاءْ
أُخَطّطُ فَوْقَ المَجَرَّاتِ حَدَّ البَيَاضِ
وأَهْبِطُ مِثْلَ الخَطَاطِيفِ فِي بَاحَةِ الدّارِ
أُصْغِي إِلَى شَجَنِ الأُمّ وَهْيَ تُسَامِحُ
أَبْنَاءَهَا الأَشْقِيَاءْ
وَأُصْغِي إِلَى أَلَمٍ لاَذِعٍ قَدْ تَلأْلأَ فِي زَوْجَةٍ
تَسْتَجِيبُ إِلَى الآلِهَاتِ وَتَهْفُو إِلَى زَوْجِهَا
كَيْ يَثُوبَ إِلَى رُشْدِهِ أَو يَؤُوبَ إِلَى خَوْفِهَا
فِي الهَزِيع الأَخِيرِ
ولاَ يَعْتَدِي بِالفُؤُوسِ عَلَى لَوْزِ ذَاك الجَسَدْ
قَتَامَةُ هَذَا العَذَابِ المُصَفَّى تُسِيلُ دُمُوعِي
فَأُرْبِكُ هَذَا الزَّمَانَ المُخِيفْ
وأَبْكِي كَثِيرًا وتَحْتَ نَوَافِذِهَا أَرْتَعِدْ
وأَتْرُكُ خَلْفِي أَنِينَ النّسَاءِ، أُهِيلُ الظِلاَلَ عَلَيْهِنَّ سِرًّا
وأَطْعَنُ حُمْقَ الحَضَارَاتِ…
بِي رَغْبَةٌ أَنْ أَصِيرَ إِلِاَهًا
لِأِنْزِلَ قُرْبَ الغِيَابِ وأصلحَ ما قد تهدّمَ
بَيْنَ الحَبَيبَيْنِ مِنْ حَائِطِ الأُمْنِيَات
عَلَى مَهْلٍ أَسْتَعِيدُ الجَنَائِنَ مِنْ عَتْمَةٍ فِي البُرُوقِ
وأُلْقِي عَلَى الأرَضِينَ مَرَاسِمَ خَلْقِ المَلاَئِكَةِ الطَّيّبَاتْ
وأُسْنِدُ تِيهَ البَنَاتِ وتِيهِي وأغْفِرُ لَغْطَ البِدَايَةِ
بِي تَعْصِفُ الرّيحُ لَكِنَّنِي لَمْ أَزَلْ
أَنْثُرُ اليَاسَمِينَ عَلَى الخُصُلاتْ
وأُلْقِي عَلَى البَحْرِ سِحْرَ الأَقَاصِي
وأَسْكُبُ في عَطَشِ النَّهْرِ مَاءْ
وفِي ضِفَّتَيْهِ أُعِيدُ القُرُنْفُلَ مِثْلَ السِّرَاجِ المُضيءِ
وأَجْعَلُ لِلْعُشْبِ جِسْمًا رَقِيقٍا كَجِسْمِي
يَنَامُ عَلَيْهِ..
فَيَا جِسْمُ لاَ تُؤْذِ هَذَا المَلاَكَ الشَّفِيفْ!

تَطِيرُ الخَطَاطِيفُ بِي فِي السَّمَاءِ البَعَيدَةِ
حَتَّى أَمُرَّ عَلَى مُدُنٍ فِي أَقَاصِي الدُّنَى
وأَحُطَّ عَلَى غُرْفَةٍ لِعَجُوزَيْن
حِينَ يَنَامَانِ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ
أَتْرُكُ خَلْفِي قُصَاصَاتِ حُبٍّ قَدِيمَه
ودفئا وَدِيعًا لِبَرْدِ الشّتَاءْ
ومَاءً لِزَهْرِ الأبَارِيقِ…
مَنْ يَعْرِفُ البَيْتَ غَيْرِي؟
لَعَلَّ العَجُوزَيْنِ يَسْتَعْذِبَانِ الرّثَاءْ..
وتُصْبِحُ دَقَّاتُ قَلْبَيْهِمَا دُودَةً فِي القُبُور
وتَصْحُو زُهُورُ الأَبَارِيقِ ظَمْآنَةً
دُونَ قَطْرَةِ مَاءْ

تَطِيرُ الخَطَاطِيفُ بِي فِي السَّمَاءِ البَعَيدَةِ
حَتَّى أَرَى مَا وَرَاءَ التّلاَلِ
وأَحْنُو عَلَى الطّفْلِ حِينَ يُعَانِقُهُ الجُوعُ ثُمَّ يَنَامْ
وأُرْضِعُهُ مَنْ حَلِيبِ الغَزَالِ
وأَنْقُشُ فِي بَابِ بَيْتٍ صَغِيرٍ نُقُوشًا
تُرَحّبُ باللَّهْوِ، فِيمَا الزَّخَارِفُ
تَرْعَى الدّوَالِي التّي سَتُغَطّي الحَدِيقَةَ
هَلْ أَسْقُطُ الآنِ فِي الظِل أَم فِي خُدُودِ الرّياحِ
فَتَأْتِي إِلَيَّ الشُّجَيْرَاتُ وَهْيَ نَشِيجُ التُرَاب
وأُصْغِي لأَصْوَاتِهَا:
فِي المَمَرّ الطَّوِيلِ”
يُخَلّفُ هَذَا الخَرِيفُ لَنَا وَرَقًا ذَابِلاً
فَتَدُوسَ الخُطَى عُرْيَنَا و تُشَوّشَ فِينَا الدِمَاءْ..”
فَأَسْكُبُ فِي سِحْرِهَا اخضِرَارَ الرَّبِيع
وأُوغِلُ فِي العَتَمَاتِ أُضِيءُ الكَوَاكِبَ لَيْلاً
وأَعْزِفُ لِلْعَازِفِينَ مَقَاطِعَ إِيقَاعُهَا
فِضَّةٌ مِنْ نَدًى لَيْلَكِيٍّ
وأُوَدِعُ فِي كلّ قَبْرٍ ضِيَاءَ الحَيَاةِ الَّذِي قد يُضَاءْ
وأَهْفُو إِلَى الشُهَدَاءْ
أُغَنّي لَهُمْ ثُمَّ أَعْزِفُ مِنْ خَلْفِ آيَاتِهِمْ نُوتَةَ الإِنْتِصَارِ:
“حُمَاةَ الحِمَى يَا حُمَاةَ الحِمَى..”
وإِنْ شَحَّ ثَدْيُ البَرَاكِينِ
أُلْقِي عَلَيْهِم سِلاِمَ السَّلاَمْ
وأَسْقِي بَيَاضَ القُبُورِ اليَتِيمِ بِمَاءِ البَنَفْسَجِ
حَتَّى يَعُودُوا إِلَى نَوْمِهِمْ هَانِئِينْ!

وإِذْ كُنْتُ أَعْبُرُ بَيْنَ الفِجَاجِ
تَنَاهَى إِلَى خَاطِرِي أَنْ أَمُرَّ عَلَى السُّجَنَاءْ
وأَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيَّ لَهُمْ قِطْعَةً مِنْ سَمَاءِ البِلاَد
و بَعْضَ المَدَى..
ومُفَكّرَةً لِحِسَابِ اللَّيَالِي الّتِي سَتَفُوتْ
وأَهْتِفُ فِيهِمْ: أَ لَيْسَ ظَلاَمُ السُّجُونِ كَظُلْمَةِ هَذِي الحَيَاةْ!

وحِينَ أَمُرُّ عَلَى الحَرْبِ..
أَرْنُو إِلَى الضُّعَفَاءِ – وكَانُوا رَغِيفَ القَنَابِلِ –
يَنْتَعِلُونَ الحِدَادَ
ويَسْتَبْشِرُونَ بِمَا قَدْ يُشَاعُ عَنِ السّلْمِ
والهُدْنَةِ المُنْتَهَاةْ
وقَدْ هَتَفُوا بِي مِنْ بَعِيد:
أَلَسْنَا رَغِيفًا لِهَذِي الحُرُوب!

تَطِيرُ الخَطَاطِيفُ بِي فِي السَّمَاءِ البَعَيدَةِ
حَتَّى أَرَى الأَصْدِقَاءْ وتَحْتَ جَلاَبِيبِهِمْ
يَخْتَفِي خِنْجَرُ الغَدْرِ
وهو يُقَاسِمُهُمْ رَغْبَةً فِي اصْطِيَادِ خُطَاي
وحَتَّى أَرَى الأَصْدِقَاءْ
وَسَاوِسَ فِي جَنَّةِ العُمْرِ، أَوْ إِصْبَعًا
لِيَدُلَّ نَحِيبَ الدّمَاءِ المُخِيفِ عَلَيَّ
فَأَسْمَعُ خَلْفِي دَبِيبَ الفِخَاخِ المُعِدِّ
لِقَطْفِ اللآلِىءِ فِيَّ
وقَطْفِ الحَنِينِ إِلَى أَيّ شَيْءٍ وَدِيعٍ
وقِصْفِ الحَنِينِ إِلَى الأَصْدِقَاءْ

تَطِيرُ الخَطَاطِيفُ بِي فِي السَّمَاءِ البَعَيدَةِ
فَأُبْصِرُ أَشْيَاءَ لَمْ تَرَها العَينُ قَطُ:
دَبِيبَ النّهَايَاتِ يَعْدُو وَرَاءَ المَجَارِي
هِيَاجَ السَّمَاوَاتِ، والشَمْسَ تَهْبِطُ نَحْوَ التَجَاوِيفِ
والعُشْبَ يَنْبُتُ مَيْتًا ويَعْلُو النَّشِيجُ الهواءْ
صَدِيدَ الجَحِيمِ يَنِزُّ مِنَ الأَرْضِ
والرّيحَ تَعْوِي وفِي مُقْلَتَيْهَا يَفُوحُ البُكَاءْ
أَنِينَ الظَّهِيرَةِ نَثْرًا بَطِيئًا
وأَقْصَى المَكَانِ عَلَى نُقْطَةٍ مِنْ سَمَاءْ
كَأَنَّ الرَّوَاسِي خَلِيطٌ مَنَ الغَيْبِ والانخطاف
كَأَنَّ السُّهُولَ مَخَاضٌ سَيَفْتِكُ بالانتظار الطَّوِيلِ
كَأَنَّ عَلَى ثَبَجِ الكَونِ خَفقُ الذُّبُولِ
كَأَنَّ عَلَيْهِ الفَنَاءْ

خَطَاطِيفُ عُمْرِي تُحَلّقُ فِي بَاحَةِ الدّارِ
لاَ أَسْتَطِيعُ الذٌهَابَ إِلَيْهَا
أُرِيدُ الرُجُوعَ إِلَى عُزْلَتِي في المَسِير
لِأَنْسَى الَّذِي قَدْ رَأَيْتُ..
وأَمْضِي وفِي مِعْطَفِي جُثَّتِي القَلِقَه
أُوَزّعُ فِي الكَلِمَاتِ دِمَائِي ولاَ أَقْتَفِي أَثَرَ الأَنبيَاءْ
وحِينَ تَحُطُّ الخَطَاطِيفُ عِنْدَ يَدَيَّ
وتَبْسُطُ لِي رِيشَهَا، لَنْ أُنَادِي عَلَيْهَا
لِتَأْخُذَنِي خَلْفَ تِلْكَ الغُيومْ
فَعَمَّا قَلِيلٍ..
سَيَأْتِي إِلَى بَيْتِيَ الأَصْدِقَاءْ

تونس

شاهد أيضاً

بشار ساجت: انعتاق..

تمضي بنا الأيامُ، رتيبةً تسيرُ بنا، نحو أفقٍ غائرٍ، تَجرُّنا خلفَها ممزّقين والهين، تعصرُ وجوهَنا، …

سلسلة مسرحيات كوميديا الصحفي (برقوق) وجده العالم (ماركة صيني)
تأليف أحمد إبراهيم الدسوقي الجزء الأول

( حمايا بيه الكوبانية ) مسرحية عامية ملهاة كوميدية من أدب الخيال العلمي شخصيات المسرحية …

لالة فوز احمد: الغريق يبقى جسدا

كلما جرجرني الزمان الى مقامه الرفيع تغير وجهي مثل شجرة اغتصبها الخريف عنوة اتحسس جسدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *