الكائن الحسي في نصّ الشاعر العراقي “حسن البصام”
أولاد علي البصام يروي واقعة ذي قار بواقعة الطف في كربلاء
الإهداء إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

المقالة :

نلتقي عادة مع النصّ الذي يؤدي إلى الحيز الابتسمولوجي، والذي ينقلنا من الشعور الذاتي إلى المعرفة السببية، ومن خلال هذه الأبواب ومساحة النصّ المفتوح، نلتقي مع الشاعر والقاص العراقي حسن البصام، ابن الناصرية.. وفي مبدأ البناء النصّي، ينقلنا الباث مع أوليات الحدث المشعشع في المدينة كمعرفة حسية شهد عليها الشاعر وهو ابن بيئته التي تتعرض إلى الحرق والإبادة.. وطالما أن النصّ المُعتمد من تجليات الواقع والوقائع العراقية المتراكمة، فالبنية النصية، بنية ذهنية تؤدي إلى التفكر وتمظهرات الكتابة القولية من خلال القول الشعري، والقول الحكائي المتأخر؛ لو ملنا إلى العنونة التي رسمها الشاعر ( أولاد علي ) فسوف نتعرف على واقعة الطف التي حدثت في كربلاء.. العلاقة السيميوطيقية التي أطلقها الشاعر من خلال الجملة الاسمية مازال التاريخ يذكرنا بالثورات التي تفجرت بعهود مختلفة.. فالموضوع المطروح ليس كمفهوم ذهني، بل هناك علاقات متتالية مع الذات الاستفهامية والذات العاملة التي بدأت الاشتغال في واقعها التحويلي.. فنحن أمام : بنية سميولوجية.. فالواقع المشار إليه من خلال البناء النصي، واقع مرير، وخصوصا أنّ المحفظة البصرية بدأت تشهد وتستخرج التقاطاتها من الشارع العام، ومن خلال هذا المبدأ، نميل إلى المحسوس العائم في ذاتية الشاعر، لتبدأ وظيفة النصّ جزءا من وظيفة المحسوس وحركته إلى جانب المتخيل، كعلاقة بحث واستقصاء في المدينة التي واجهت الموت..
إنّ علاقة الدلالة، علاقة توليدية اعتمدها الشاعر، فواقعة ( أولاد علي ) وواقعة ذي قار، بتواز مستمر مابين الحدثين، لذلك فقد شهدت دلالة الحدث الوقائعي الآني، بالحدث الوقائعي التاريخي، ومن خلال تجاوز المسارين، استطاع أن يقودنا إلى مرحلة مختلفة للحصول على المعاني والتأويلات التي رسمها الشاعر العراقي حسن البصام.. وعندما نكون مع النظرية التوليدية وعلاقة المحسوس بهذا الجانب، فمن الممكن تفكيك بعض العبارات والجمل الشعرية على النحو التالي: لنأخذ مفردة الجسر..
جسر= اسم + محسوس + منظور + متواجد + رؤية + تعامد
وسوف نأتي على هذا الموضوع من خلال تفكيك النصّ ونظام المعاني للشاعر حسن البصام..
البارحة
قرب جسر الحضارات
رأيت بعيني
زينب مفزوعة
وعلي بن الحسين يتعثر بأوتاد الخيام
ورأيت آخر كالسهم يغرف من كتف الفرات
ماء العدالة
يزيح من عيوننا السواد والظلام

من قصيدة: أولاد علي – حسن البصام – العراق
عندما تكون البصرية رؤية وشاهدا، وفي محفظتها الواقع العيني المنظور، فإننا أمام ضوء ورؤية، ضوء يكشف المستور ورؤية في محفظتها مخازن الأحداث الجارية في محافظة ذي قار التي هاجمها المغول.. لقد استخدم الشاعر العراقي حسن البصام عنصر التشبيه والنظر إلى الأشياء من خلال البعد البصري..
البارحة + قرب جسر الحضارات + رأيت بعيني + زينب مفزوعة + وعلي بن الحسين يتعثر بأوتاد الخيام + ورأيت آخر كالسهم يغرف من كتف الفرات + ماء العدالة + يزيح من عيوننا السواد والظلام
اعتمد الشاعر البصام التشبيه الضمني، أي تجاوز الجمل الصريحة والواضحة، ذلك وما يتطلبه النصّ الحديث من مؤازرة واختلافات في التشابه؛ فتكون درجات العلاقة مابين المحسوس الحركي وبين محفظة العين، ذات مسعى دلالي لنقل الصور الشعرية وتوظيف الحدث الذي تم نقله من الواقع كخلفية ذهنية مفكرة أراد منها أن تستجيب للمنظور الحتمي النقول.. فالمنقول أمامنا بعض الاسماء الحية يرجع نسبهم للإمام علي ( ع )، وهي واقعة الطف في كربلاء:
الإسم : زينب، علي بن الحسين + محسوس + معدود + متواجد + رؤية تاريخية
النتائج: الذبح + التصفية + الحرق + السبي + تفريق الحدث
ومن خلال هاتين المعادلتين، نتوقف عند التفكر الذهني لدى الشاعر، وهو يعيد بمنظوره الفلاش الباكي كرؤية تذكرية مقروءة، بينما المشهد الذي نقله كمشهد شعري، من الرؤية المكتوبة والمحسوسة.. وأراد من خلال ذلك توظيف الحدثين بحدث واحد وما آلت من مصائب كربلاء، نفس المصائب نُقلت إلى ذي قار، وهي بيئة الشاعر؛ وهو الشاهد والباث والناقل، حيث حوّل المشاهد إلى مشاهد كتابية بينما كانت مشاهد مقروءة..
سأعلق فوق جسر الناصرية
من وأد الزيتون في ليل بهيم
من تشبه بي كذبا وقال :إني ابن سومر ابن الهور ابن التي ناحت على أولادها صبرا مستديم
ليعلم إنه طبلٌ يردّد أغنية الخراب
ذيل يضيع بين أذناب الكلاب
أشاح بوجهه الدامي
ثم استدار بصرخة :
– لا لن يكسرَ الموتُ أغصانَ السلام
أو يُهزم أولادُ علي
ورأيت الذي يغرف الماء
يومئ للرطب المخبوء ان يتساقط
كي لا يجوع السومري أو يعرى
أو تعبث في سعفاتها ريح الفساد

من قصيدة: أولاد علي – حسن البصام – العراق

من شهداء الناصرية

نتعرف إلى لغة الشاعر البصام من خلال قصيدة ( أولاد علي ) على أنها لغة طبيعية متحولة، وحركة دلالية باعتبارها مادة للنصّ الشعري، فتارة يوظف اللغة كإشارات للحدث الـ ذي قاري، وتارة أخرى يعتمد أفعال الحركة الانتقالية، ومن خلال التحولات الواردة، فيستبدل العلامة بتوظيف اجتماعي، وهذه الاشتغالات تؤدي إلى عملية الاستبدال ورسم الجوهر المطلوب في الحدث الشعري؛ حيث نحصل على التعابير الجديدة والتي تكمن ضمن اللغة التعبيرية والتي تحولت من اللغة الطبيعية وعلاقاتها مع بقية الفنون..
سأعلق فوق جسر الناصرية + من وأد الزيتون في ليل بهيم + من تشبه بي كذبا وقال :إني ابن سومر ابن الهور ابن التي ناحت على أولادها صبرا مستديم + ليعلم إنه طبلٌ يردّد أغنية الخراب + ذيل يضيع بين أذناب الكلاب + أشاح بوجهه الدامي
إنّ المشهد العيني، تدرك الصورة إدراكا مباشرا، لذلك فالضوء والصورة يترافقان في المشهد الذاتي عند حياكة النصّ، فتكون المحفظة البصرية حاضرة مع الذات العاملة، وهذا مانلاحظه في قصيدة البصام ( أولاد علي )، فالناقل الباث، والمنقول الحدث، والمنقول منه محافظة ذي قار العريقة.. ومن خلال الإدراك الطبيعي ودمجه بالإدراك الحسي، حصلنا على تصوير متجانس في المتن الحاضر مابيننا.. إنّ حالة التشبيه التي اعتمدها الشاعر البصام، هي جزء من نظرية الاستعارة، وما مفردة الجسر إلا استعارة من منظور متعامد متواجد في الطبيعة، وقد أدخل الشاعر بعض الرموز التوضيحية ( الزيتون، الهور، سومر، الهور، الأم والكلاب.. ) كلها رموز دلت على موازاة للحدث المنقول من طبيعة المدينة والتي أراد أن يقدمها، بشكل مختلف..
– لا لن يكسرَ الموتُ أغصانَ السلام + أو يُهزم أولادُ علي + ورأيت الذي يغرف الماء + يومئ للرطب المخبوء ان يتساقط + كي لا يجوع السومري أو يعرى + أو تعبث في سعفاتها ريح الفساد
يراقب الشاعر حسن البصام تفاصيل الألوان المثيرة، ومن خلال أفعال الحركة الانتقالية، يشدو وينحني نحو التأملات، وهي خصوصية التفكر المستقبلي وتحويل الماضي إلى حاضر، فحالات الألوان المثيرة للذات، من الحالات المتغيرة وغير الثابتة، لذلك يوازي اللون، لون الضوء، مثلا، لون الدماء اللامعة في الأضواء المتحركة، حيث تشكل حالة موجية كأننا أمام موج البحر، بينما المدينة بسكونها ونخيلها تشترك مع تمفصلات البلاد العامة، إذن لا انفصالية في الموضوع عندما يكون العراق واحدا، وأراد الشاعر أن يعبر بهذا المجال من خلال التشبيه واستعارة الأشياء الصالحة للنصّ المعتمد..
ورأيت كيف الشهيد يكحّل الفرحة
فوق أهداب العراق
والنيران تخبو
والماء يجري تحت أرجلنا
فنزهر كالورد يعطر بعضنا بعضا
ونردّد دون نشاز ….
هذا النشيد:
( موطني …موطني
الجلال والجمال …
وال………………….. )

من قصيدة: أولاد علي – حسن البصام – العراق

من نعوش شهداء الناصرية الأبطال

بالرغم من بساطة القول الذي يواجهنا به الشاعر حسن البصام، لكننا أمام واجهة مثيرة للجدل، وهي ربط الحدث المتتالي في المدينة بحالة مستقبلية من جهة، وارتباط اللغة بالقول المشهدي المنقول، حيث تظهر لنا الاستعارة بشكلها الواضح؛ وعندما نتوقف مع بعض النقاط التأملية للبصرية وللذات، فإننا نكون في الحدث الغنائي الذي يردده الجميع..
ورأيت كيف الشهيد يكحّل الفرحة + فوق أهداب العراق + والنيران تخبو + والماء يجري تحت أرجلنا +
فنزهر كالورد يعطر بعضنا بعضا + ونردّد دون نشاز ….+ هذا النشيد:
( موطني …موطني
الجلال والجمال …
وال………………….. )
طالما أنّ النصّ يشكل الحدث، فإن اللغة تمثل النصّ في الوظيفة التواصلية مابين المتلقي والباث، ومابين النصّ الشعري والمعاينة الاتصالية، لذلك عندما ينوب النصّ عن الفعل، فهناك حالات تواصلية غير منتهية، وخاصة أن الشاعر العراقي حسن البصام اتكأ على إرث المدينة، مدينة الشهداء في العراق، وعدّد بعض المميزات العراقية التي لا تفارق المعلومة المتبادلة ..
نتعرف على ثلاث خصائص من خلال النصّ المكتوب في الواجهة الـ ذي قارية، ونحن ننتقل من خصوصية إلى أخرى ويمكننا أن نجابه اليأس بالتأمل، ونجابه الموت بحب الحياة، ونجابه الإنسان بالمقدس..
الإحالة : إحالة الموضوعة المشهدية من المحفظة البصرية إلى النصّ المكتوب، حيث تواردت المعاني المحالة معها في تجسيد النصّ الشعري دون المرور بالنصّ المقروء..
الاستدلال: هناك طريقتان للاستدلال دمجها الشاعر حسن البصام من خلال نصّه الشعري ( أولاد علي )، الأولى : التقابل الحدثي وربطه بالمدينة ( الناصرية ) والخروج به إلى عموم العراق.. والثانية: أسماء الأعلام المعرّفة والتي ذكرها في واقعة الطف، فقد سقط في العراق مئات الشهداء توازيا مع هذه الأسماء والتي يرجع نسبهم إلى الرسول ( ص ).. مما أدخلنا بحالة استدلالية ونحن نبحر في نصّه الشعري..
الوظيفة التعيينية : لقد درج الشاعر الذات كوظيفة تعيينية من خلال اللغة التي وظفها للوصول إلى الموضوع المرغوب نقله من خلال المشهد البصري للشاعر..
…………..
نصّ اعتمد اللامحدود، وسيرة الناصرية لاتحدها المفردات
لذلك جاء النصّ المفتوح الذي لاتنهيه نقطة، ولا وقفة..
والسبب بسيط جدا، فالناصرية تشهد بثوارها ورجالها على مرّ التاريخ وما قدمته من شهداء ..
للحبّ بقية…

إشارات :
علاء حمد – عراقي مقيم في الدنمارك
المادة خاصة بالناقد العراقي
ضمن شعراء الزاوية الحادة

أولاد علي
حسن البصام – العراق
………….

البارحة
قرب جسر الحضارات
رأيت بعيني
زينب مفزوعة
وعلي بن الحسين يتعثر بأوتاد الخيام
ورأيت آخر، كالسهم يغرف من كتف الفرات
ماء العدالة
يزيح من عيوننا السواد والظلام
وسألت من هذا؟
فأجابني صوت :أنا المنقذ
وسمعت أعلام العراق تنوح
مُلثّما كان بن سعد يضرم في نجومها النيران
بعد حين ظلّ يبكي
قال: سأخسر الري ..
ذبحت مصطفى وحيدر.. وأخوتي ..عشيرتي
لكنما صاح الشهيد بوجهه
– لن يطول نزيفنا
سأعلق فوق جسر الناصرية
من وأد الزيتون في ليل بهيم
من تشبه بي كذبا وقال :إني ابن سومر ابن الهور ابن التي ناحت على أولادها صبرا مستديم
ليعلم إنه طبلٌ يردّد أغنية الخراب
ذيل يضيع بين أذناب الكلاب
أشاح بوجهه الدامي
ثم استدار بصرخة :
– لا لن يكسرَ الموتُ أغصانَ السلام
أو يُهزم أولادُ علي
ورأيت الذي يغرف الماء
يومئ للرطب المخبوء ان يتساقط
كي لا يجوع السومري أو يعرى
أو تعبث في سعفاتها ريح الفساد
ورأيت كيف الشهيد يكحّل الفرحة
فوق أهداب العراق
والنيران تخبو
والماء يجري تحت أرجلنا
فنزهر كالورد يعطر بعضنا بعضا
ونردّد دون نشاز ….
هذا النشيد:
( موطني …موطني
الجلال والجمال …
وال………………….. )

الاثنين 2020/1/27

شاهد أيضاً

الشهيدة : بصرة
مقداد مسعود

غضب ُ البصرة : قديرُ على البلاغة مِن غير تكلف بفيء السعفات : تخيط جراحها …

صاحب قصيدة (بس التكتك ظل يقاتل ويه حسين)
الشاعر الشعبي محمد الشامي: للقلم التشريني صوتٌ أعلى من أزيز الرصاص وأقوى من الدخانيات
حاوره: قصي صبحي القيسي

عندما يختلط دم الشهيد بدموع الأم في شوارع بغداد مع أول زخة مطر تشرينية، تولد …

هشام القيسي: أناشيد تحت نصب جواد سليم

1- ثبات وإن طال الطريق وإن التف الحريق بالحريق يشهر الحال وينادي بلادي ملء فؤادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *