عبدالله شبلي: مابين تملك القريض وتمنع القصيدة في شرانق ريم البياتي التي بيضت كحلة العنب.

شرانق كُحلة العنب
____________

رأيت قصيدتي تجري على ساقين من لهبِ
يشدُّ إزارها طفلٌ
بلا شفةٍ…
بلا ساقٍ….
يحدّقُ في فضاءاتٍ بلا سقف
بأرضٍ تلفظ الأحياء من غدها
تخزّقُ ضوء مصباحي
ترتّل آية النزف
تخاتل غضبة الشطآن
تستر عريها بجلود من عبروا على حتفي
رأيت مدائني تعدو على ساقين من قصب
فيركض نهرها فزِعاً
وأشجارٌ…
أظافرها تمزقُّ كحلة العنبِ
فأيّ مدينة تغغو
وروح الناي في القصب
وساقاها من القصب
إذا ما مرّتِ الأضغاث نارا
في فتيلٍ …
قايض المصباح بالقصب
مدائننا التي نسجت على جسدي شرانقها
أراملها*..
رجال تأكل الأبناء
ترمي خلف جمجمتي
صغارا يحسبون مغارة العينين للّعبِ
عصافيرٌ..
تظنُّ الكف إذا تغدو بأنيابٍ
تلّوح تبعد الأشباح عن زغبِ

…ريم البياتي…

*اراملها..اشارة الى نوع من العنكبوت تسمى الارملة..تاكل ذكورها.

*****************

تبدأ الشاعرة قصيدتها مخالفة لا مشاكلة ، على غير هدي من سبقها ، فلا أحد من حقه أن يخط لريم فرادتها ، ولا أن يحط عنها تميزها ، فهاهي تكسر أفق انتظاري منذ الإطلالة الأولى على حرفها ، وأنا في طريق ليلي ، عبر الحافلة ألتمس متعا وبقايا من حنين يلفني من أجل ازدراد ما تبقى لي من حروف شامية لازوردية.
فهاهي ذي الشاعرة تجري خلف القصيدة كناية عن الانفلات حال التملك الكبير ،فهي قصيدة تكتب دون تملك ، لكنها تطمح لامتلاكها ، وهذا حال الاحتواء والانمحاء داخل الحرف ، فشتان بين تملك ما نكتب ، وكتابة ما نملك ، فهي تجري على ساقين من لهب ، وطفل يشد ازارها ، فهل يا تراها القصيدة تخلع عنها ازار الستر فتنكشف ؟ تتعرى لتظهر الحقيقة كاملة للرائي الحصيف ، ذاك يرى بنور البصيرة ما لا تراه نار البصر ، فالطفل الذي يشد ازرها عنها بلا شفة ، وهل معنى للشفة ، غير الشفة ( بكسر الشين هنا لا بفتحها) وهل يصير منعدم الشفة شفيفا ؟ وما علاقة الفضح عبر نزع الازار بالشفيف الذي يكشف كل شيء ، حتى لا يصير الشفيف عفيفا ؟

دعونا نطرح السؤال مادام وحده طريق المعرفة الحر بلا مواربة ولا تستر فنقول : كيف يكون هذا الطفل الذي جاء نكرة هنا ، ولعلها نكرة مقصودة كما يقول أهل النحو ، كيف يكون بدون شفة ولا ساقين مستويا ، ولعل كلمة طفل نفسها لا تحتوي إلا على شفة هي الفاء وساقين هما طاء ولام ، وقد استطالا فعلا فكلاهما يحملان الفاء التي هي شفة الكلمة ، وحين تغيب الشفة والساق تندثر الكلمة فعلا تماما ، وكأن القصيدة المتمنعة والهاربة تبحث عن معاني تلبسها ، لتصير ذات معنى ، في هذا الواقع المهزوم والمأزوم ، في أرض غدت فيها الفضاءات بلا سقف ، وما الوطن في عرف الشاعر والكاتب ، إلا أرض تقل وسقف يظل ، لكنهما يصنعان التفرد ، ينحتان المعنى ، الذي لا تستطيع كل القصائد أن تولده ، ولا أن تخضبه بدم قان .

هاهي الأرض بعد أن كانت مدفنا للموتى ، صارت مدفعا لهم ، فهي تلفظهم على غير عوائدها ، هذا القص الغرائبي يزاح عنه الهول والغموض حال انفراج مع لفظة ” غدها ” الغد القريب تلفظ فيه الأرض أحياء ، وكأن الموتى إنما غادروا ليستنبتوا دماءهم لتزهر أحياء يصنعون غدا آخر ، مختلف تماما عن صورة الحاضر الدامي الآثم الذي فرض على القصيد التمنع والاختفاء وحالة ” اللامعنى ” .
لكن تحول الطبيعة عن غير طبائعها هو ما يصنع معاني القصيدة ، ويجعلها تبنى حرفا حرفا ، فتغدو الصورة مصنوعة لبنة لبنة مدائن من قصب ، مهرها في فزع ، أشجار أظافرها تمزق كحلة العنب ، وكأن كل هذا التجميع والترتيب الذي غدا متسارعا يرسم صورا مركبة بتمرس في تماه مع لحظة اشعاع القصيدة ، رغم إسدال الستر على نهايتها المخدومة ، إنما جاءت لتمزق كحلة العنب ، في إشارة لبيبة إلى تغير الأشياء واستحالتها على غير طبيعتها الأولى ، لكن القصب هنا لم يعد ساقا لا تستطيع أن تحمل حتى نفسها ، وإن كانت تتمايل تمايل الخيزران. ولعله ما أعطاها قدرة خفية على التعايش مع ريح صرصر عاتية . لقد صار القصب نايا يعود إلى أصله ، كيف لا وله روح كامنة في القصب ؟
فالنوام لم يعودوا كذلك وأضغاث أحلامهم سرى فيها فتيل من ناي القصب ، ذاك مرام القصيدة الذي خبأته ريم بين عناكب تأكل رجالها ، ومغارة عينين ليست للعب ، بأنياب كف تلوح من بعيد ، تطرد الأشباح عن زغب.
فما الزغب إلا شعر ينبت في الرجال ، قيل ذات يوم انه اختفى ، وما الأرامل إلا حلول الأنثوي مكان الذكوري ، لكن ذلك لا يعني أبدا اختفاء الرجولة ، فبين الرجولة والذكورة بون شاسع ، لا يملأ إلا بغد لواح يعطي الشعر حقه ، ويمنح القصيدة سترها ، وينشر معاني الوطن المفقودة ، هي معاني لم ولن تموت كما يعتقد الناس جازمين ، بل لازالت سوية صفية ، تحتاج إلى من يصقل تبرها ويقيم نصابها ، ولعل القريض من أنبل الطرق وأكثرها إلى ذلك سبيلا.
وكل قصيدة والشاعرة الشامية بألف خير ترفض التنميط ، وتركب الفرادة والتميز ….

عبدالله شبلي عضو مركز يوسف بن تاشفين للدراسات والابحاث من أجل اللغة العربية المغرب

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صالح الطائي الطائي.. تأملات في فلسفة السرد!!

(اعلم ان كل فرد في المجتمع له رأيه الخاص ولكننا يجب ان نتفق في النهاية …

صباح هرمز: هل هدمت رواية “وشم الطائر” ثنائية الرواية والوثيقة؟

قد تبدو هذه الرواية لتعرضها لمأساة الأيزيديين التي هزت العالم، بأنها رواية وثائقية، أو أن …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله –بغداد – العراق 22/10/2020

اللغة التجريديّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : كذب… بقلم : عبدالله محمد الحاضر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *