زهير إسماعيل شهد: الأهوال والأحوال.. إنتقالات السياسة وتحولات الأفكار
السلطة والطموح وإفرازات الذات في كتاب جديد (ملف/4)

وقفت وسط خضم احداث التاريخ بين حوارات الأستاذ الدكتور احمد عبد المجيد ورجال اختارهم كسفر يعبر عن احداث اختلف القوم في كنهها و تناقض الولاءات . قرأت هديتكم من الغلاف الى الغلاف وعن كل شخصية مما ورد ذكره في كتابكم ، والمتميز في ذلك انكم تركتم التقدير والتحليل لكل قارئ حسب انتمائه والفكر السياسي المنحاز إليه ، هو كشف لحقائق خوفا عليها من الإهمال او الاندثار وبين المتغيرات السياسية وحركتها المتسارعة والمؤثرات عليها او تأثيرها في تاريخ البلدان التي غطتها الحوارات سلبا او إيجابا .

قد اعرج الى بيان تصوري وفهمي لشخصيات تطرق اليها حضرتكم ليس انتقادا او مديحا وانما قد تشكل استفسارا لمنحنيات انعكست عبر الصور التي قدمتموها وانتم تغوصون في فكر واراء الشخصية التي وضعتها على مشرحة الاستبيان وقراءة ألافكاره . لقد اخذتم القارئ لتلقوه وسط الاهوال كما ورد في عنوان كتابكم . قد يرى البعض انكم تريدون سبر غور الجانب النفسي بما يساعد على اجراء تحليل نفسي لمجمل السلوكيات والمظاهر التي تحيط بالشخصية التي اخضعت للحوار والمناقشة وان كانت تبدو وكأنها مقابلة صحفية .

وما اطرحه لا يمثل انتقادا او دفع الغير لتقبل رأي آخر لما ورد في المقابلة اطلاقا بل العكس فأن ما اثبته تعبير عن شكر عظيم لحضرتكم لأنكم اثرتم فينا رغبة المتابعة والتبصر بمواضيع ولأحداث تمر علينا لا نعرف خلفياتها او ما يفكر به ذوي الشأن متخذي القرار سواء فكريا او سياسيا وانعكاسات ذلك تطبيقيا ، واعظم ما في الموضوع قدراتكم في تزويدنا بما هو بين أيدينا .

شخصية الأستاذ فؤاد معصوم سعى ليوفق بين انتمائه الحزبي وحمل السلاح والتمرد ضد السلطة قي مرحلة من مراحل تاريخ العراق الحديث المعاصر وبين تسلمه هرم السلطة للدولة و الولاء لها التي يمثلها قانونا وشرعا في الداخل والخارج. ان طروحاته تدعونا الى دراسة التباين الحاد في صلاحيات السلطات الثلاثة . ان ما طرحتموه عبر حواركم الهدف في تقديري هو لتبرئة هذا الرجل الذي لم يستطع احداث تغيير حقيقي يبعد الدولة عن الصراعات والتشرذم والتهديد بالانقسام ليس فكرا بل جغرافيا وسياسيا . ان غياب المواءمة بين قدرات وصلاحيات السلطات ستبقي احتمالات الصراع ومبررات التهديد بالانشطار وحجة مقبولة داخليا وخارجيا لخلق الفوضى والتسلط وعدم القدرة على ضبط سلوكيات القوى التي تعتقد انها صاحبة السلطة وبالتالي يعتبر ذلك بابا مفتوحة للسرقة والاحتيال والارتماء بأحضان القوى الخارجية للحصول على الاسناد. لقد اوصلتنا الى الاستنتاج عبر الولوج في أعماق أفكار الأستاذ معصوم .

وهنا لا بد من الرجوع الى الفصول الأخيرة في كتابكم لقائكم مع السيد رئيس الجمهورية الأستاذ معصوم عند بدايات الدكتور العبادي وكيف هو الامر عما نعيشه اليوم وتنطبق الحالة على ما اشرت اليه ان (الجماعة تريد الجميع أداة بيدها) أي ان يبقى العراق مربوط بيد قوة أخرى ما دام ان الامر يتماشى مع مصالحهم .

اجتماع منظمة

لقد توقفت عند الحوار مع صاحب السمو الملكي الأمير حسن . وترددت كثيرا ان اثبت ما شاهدته في عمان عام 1974 عندما حضرت اجتماع مؤتمر يتعلق بمنظمة الغذاء والزراعة الدولية عقد في عمان (فندق انتركونتننتال) وقد عقد في نفس اليوم وفي نفس الفندق مؤتمرا لمنظمة لا اود ذكر اسمها وقد حضر الأمير وقام بافتتاح اجتماعاتها وقد شاهدته ذلك بنفسي ، جعلني نفسيا اتحسس من مواقفه السياسية التي تلت تلك الفترة . ولكن مع مجريات طروحاته فيما ورد من حوارات استطعتم سبر غوره فوجدت من المناسب الإشارة الى حلف بغداد حيث اعتقد اننا حاليا بحاجة الى عقد تحالف بين دول من الدول الأعضاء في الحلف المذكور ودول وغيرها وبالذات احدد كلا من ( العراق ، سوريا ، الأردن ، ايران وتركيا و دول خليجية ان ترى ضرورة للتعاون بحلف عدم الاعتداء والتعاون الاقتصادي … الخ ) .

ان هكذا تحالف قد يحول دول تمدد البعض على حساب البعض الاخر وحل المشكلات الوطنية كذلك المعضلات القومية في تلك المنطقة ، على ان يكون التعامل داخل هذه المجموعة على أساس العدالة والديمقراطية والاحترام المتبادل داخل حكومات هذه الدول وبينها . ان ابداعات حواراتكم تفتح تصورات او دراسة مقترحات معروفة لكن لا نجد القدرة لطرحها والتطرق اليها صراحة وبيان وجهة نظرنا ان حواركم مع السيد الأمير تفتح مجالات واسعة للمناقشة الجادة بصدد خلق تحالفات إقليمية متوازنة تسهم في إقرار سلام اوطان وشعوب منطقتنا ولا يخلق أزمات تزيد من الازمـــات القائمة المتناحرة المتضادة .

وكان ما كتبته عن الأستاذ هاني وهيب يمثل سجلا لتاريخ الانشقاقات والتكتلات ، اعتقد انه سيسرد بعمق ليس عبر نظرة التتابع التاريخي للمعايشة بل أتصور ان بوسعه ان يطرق الأبواب المغلقة دراسة وتحليلا للفترة قبل وبعد مقتل ناظم كزار لأن الكثير يعتقد ان محاولة ناظم كزار هي محاولة انقلابية لنجدة احمد حسن البكر . وابوح التالي ولأول مرة والذي سمعته شخصيا في بيت المرحوم حماد شهاب الذي استشهد مع محاولة ناظم عندما زار المرحوم صدام بيت الشهيد ليواسي العائلة وكان في مدخل البيت زوجة الشهيد وابنته (دون ذكر اسمها ) صرخت بوجه صدام حسين ( انته قتلته … انته قتلته ) رد بصوت عال و قال لأمها ( ادبيها و….. ) فسحبتها الى الغرفة المجاورة لمدخل البيت .

دبدب ذكي

وقفت كثيرا عند طروحات الأستاذ محمد دبدب ، لم يتطرق الى جامعة البكر للدراسات الاستراتيجية حيث كان احد طلبتها، فهو ذكي وألمعي ، كما لم أر أي تنويه لحضوره الى اجتماع عقد في أربيل بعد اشهر من الاحتلال حضره وغيره الكثير ، وهذا الاجتماع او المؤتمر يمثل في تقديري مرحلة تحول علني وتجسيد لما يطالب به الاكراد ، فقد كنت واحدا من الحاضرين . وأحب القول ان توازن طروحاته في اللقاء معكم يمثل قدرة تحفظية لنظرة مستقبلية ، كما احب ان اثبت اعجاب الأستاذ لؤي أبو التمن بمحمد دبدب وكريم الملا الذي كان احد المحاورين في فترة الجبهة الوطنية وإن كان مصير لؤي السجن في قصر النهاية ثم ترك العراق منذ عام 1971 ولم يرجع حتى بعد الاحتلال ولم يطالب كغيره بحقوقه حتى يومنا هذا كموظف قبل اعتقاله وسجين سياسي .

الأستاذ الدكتور خير الدين حسيب تعرفت به مصادفة عندما كان في البنك المركزي ورئيس المؤسسة الاقتصادية بعد تأميم لبعض المصانع والمشاريع في زمن المرحوم عبد السلام عارف حيث كنت طالب دراسات عليا واستنجد بالمصادر التي تخص رسالتي ( دور الجهاز المصرفي في التنمية الاقتصادية في العراق – دراسة تحليلية مقارنة) فكان الأستاذ من اعلام المرحلة .

استاذي لقد اخذت محاورتك له مساحة كبيرة من الصفحة 89 لغاية 165 ولجت بكل فروع حياته العلمية والعملية ونتاجات جهده . لقد استوقفتني صراحته حول التمويل الذي استمده من الدول الخليجية وغيرها ساعدته ان يخلق مجالا لاستمرار نشاطاته والبوح بمكنوناته بما يتماشى قدر الإمكان مع ما كان يسعى له وبالذات في تطوير مركز دراسات الوحدة العربية .

الجميع يعرف الكاتب اللبناني فؤاد مطر وقد يتبادر الى الذهن هل ان الأستاذ من أصول كردية او أحيانا يدفع الكاتب لظروف معينة وأسباب مقنعة او تأثيرات محسوسة بالنسبة له وقد تكون مجهولة قدر تعلق الامر بنا ، فنجده يطنب في الحديث الحلــو او يتحفظ بأخرى… الخ له مبرراته الخاصة.ليس هناك مجالا للمقارنة بين الواقع الفلسطيني وما يطرح حول موضوع الاكراد ، لست اريد ان اجعل من سطوري هذه مدخلا للمناقشة والمحاورة بصدد موضوع معقد تكالب العالم الغربي ضد القضية الفلسطينية حيث لا وطن للفلسطينيين في حين ان الاكراد لهم وطنهم وسيادتهم ضمن الحدود الوطنية حيث يستقرون ، هناك كثير من القوميات متباينة في اوربا تعيش ضمن حدود اوطانها . ان ابداعاتكم الصحفية جعلتنا نقف احتراما لما تقدمونه باسلوبكم الراقي في الحوار يفتح لنا الأبواب تلو الأبواب عبر دفع الأشخاص الذين تحاورهم ليفتحوا لكم وبالتالي لنا ما نبحث عنه . لقد جسد الأستاذ فؤاد مطر توصيته مشابهة الى تفكير معظم العراقيين كما ورد في نهاية مقابلتكم لحضرته .اسابق السطور والصفحات وجميع ماتحتويها ( الاهوال والاحوال ) جميل ودسم ولكنني أحيانا اركز على مواضيع قد اراكم قد اثرتم فينا ثورة وهذا ما تجسد مثلا مع مقابلتكم مع الأستاذ جبار لعيبي ، تسعى حكومات مابعد الاحتلال ان تصل الى ثلاثة ملايين برميل في حين في سبعينات القرن الماضي استطاعت الشركة الوطنية انتاج أربعة ملايين برميل من النفط يوميا كما ثبته الأستاذ جبار لعيبي .

إن قدراتكم على اجتياز حواجز دواخل الذين تجرون معهم اللقاء اثارت ما يبحث عنه القارئ ولكن نضطر أحيانا ان نمر عليها مرورا لأن الغوص في عمقها تؤدي الى شلل في الدماغ او بأبسط الكلمات الى الضياع في دهاليزها مثلما هو الحال في الحوار مع سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني . الحال ذاته بالنسبة لحديثكم مع الأستاذ محمد نظيف قادري و الأستاذ عبد اللطيف جمال رشيد.

نصب شهرزاد

كنت ولازلت اقف بأجلال واحترام وانا صامت امام نصب شهرزاد وشهريار والمتنبي والحال نفسه وانا انظر الى تمثال الرصافي وبدر شاكر السياب وغيرهم من الذين خلدتهم الدولة في مرحلة من مراحل احترام الحكومات لبعض ادبائها وعلمائها وفنانيها . وأنا الان امام سطور (الاهوال والاحوال) وهي تولج في عالم الأستاذ علاء بشير لترفعه الى جزء من مقامه العالي لكن الحكومة حاليا (رفسته) تريد قتله ، نحره وسلب روحه ونفسه وابداعاته بدلا من الاجلال والتقدير . الحديث ذاته عن القامة الشامخة الأستاذ همام عبد الخالق دون الحاجة للاطناب فهو اشهر من نار على علم ، لا ندري هل ان إبقاء العراق على ماهو عليه استمرار لسياسات افراغه من العقول وتعويضه بالخرافات والصراعات. اوقد انيطت هذه المهمة الى جهات أخرى لا نريد الولوج اعمق مما نقول والحليم تكفيه الإشارة .

الأخ الأستاذ الكــــريم قــــرأت عما رسمته بقلمـــــكم الدقيـــــق والجميل بالنسبة للسادة الاخرين حتى ما ثبــــته بصــــدد محمد دحلان .ان حواراتكم ينظر اليها (مرتبة متقدمة بين الفنون الصحفية) كما ثبتم ذلك في السطرالاول من كتابكم ، شدني واخرون ولا يسعني إلا القول إنه الصدق والعمق ، كتاب قد جسد عبر فصوله منهجا دراسيا تدريسيا تعليميا وقد استطاع بكل دقة ووضوح ابراز البعد العلمي لأسلوب الحوارات ودقة في نقل الحقيقة لمجريات اليوم وللتاريخ.

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

عدنان حسين أحمد: جوّاب المدن يسلك “طريق الآلهة… من منائر بابل إلى معابد هيروشيما”

صدر عن دار “سماوات للنشر والترجمة” في مَسقط كتاب “طريق الآلهة. . . من منائر …

“شهيق جماعي” مجموعة شعرية جديدة للشاعر عبد الحميد الصائح

صدر عن دار الدراويش حديثا للشاعر والاعلامي العراقي عبد الحميد الصائح مجموعته الجديدة ( شهيق …

“مسدس صغير” مجموعة قصصية جديدة للمبدع “حنون مجيد”

عن دار امل الجديدة بدمشق صدر للروائي حنون مجيد كتاب (مسدس صغير) يقع في 147 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *