طلال حسن: صفحات مطوية من الحركة المسرحية في الموصل (4)

مراكز الشباب
وفارس جويجاتي

شهدت مدينة الموصل ، في سبعينيات القرن الماضي ، حراكاً فنياً وأدبياً وثقافياً واسعاً ، انعكس بوضوح في المهرجانات المختلفة ، ومن بينها مهرجان الربيع السنوي ، ولعبت مراكز الشباب دوراً مهماً في هذا الحراك ، وخاصة في أوساط الشباب .
وقدمت هذه المراكز ، طوال تلك الفترة المليئة بالنشاط والحماس والتفاؤل ، العديد من الفعاليات الثقافية والفلكلورية والرياضية ، كما قدمت بعض المسرحيات ، ذات الطابع الشبابي .
وقد قامت ، أكثر من فرقة شبابية ، داخل مدينة الموصل وخارجها ، بتقديم مسرحيتي الموسومة ” الوسام ” ، التي كتبتها ونشرتها في مجلة ” النبراس ” في أوائل السبعينيات ، كما قام تلفزيون الموصل بتقديمها من شاشته الفضية أكثر من مرة .
ولعل أبرز من تألق في هذا المجال ، الفنان الأعجوبة ـ الذي كان شاباً وقتها ـ فارس جويجاتي ، وقد استطاع بشخصيته الساحرة ، المحببة ، المغامرة ، وبثقافته المسرحية ، وقدراته في التعامل مع الآخرين ، أن يجمع الشباب ، الأقرب إلى الفتيان ، حوله ، وحول نشاطاته الساحرة ، وقدم بهم العديد من المسرحيات ، التي كان معظمها من تأليفه وإخراجه هو نفسه .
وطالما قرأت المسرحيات التي يكتبها فارس جويجاتي ، وأبديت ملاحظاتي حولها ، والحقيقة أنه كان يحترم آرائي ، وغالباً ما كان يعمل بها ، فقد كنت ومازلت قريباً من الأدباء والفنانين الشباب ، أتابع نشاطاتهم ، وأكتب عنهم بحماس بما يفيدهم ، ويرسخ أقدامهم ، على طريق الأدب والفنون عامة .
والطريف أن فارس جويجاتي ، دعاني مرة لمشاهدة إحدى مسرحياته ، التي كانت تعرض على خشبة مسرح مركز الشباب في منطقة الدواسة .
وعلى عادتي ، حضرت في الوقت المعين ، وفوجئت بخلو مدخل المركز وحديقته الواسعة من المتفرجين ، وقلت في نفسي ، لعل الحضور سبقوني ، ودخلوا إلى القاعة ، حيث تعرض المسرحية .
ودخلت إلى القاعة ، وإذا بها خالية تماماً من المتفرجين ، ومن أعضاء الفرقة المسرحية أيضاً ، أمر عجيب ، أيعقل أنني مخطىء ؟ من يدري .
واستدرتُ ، واتجهت إلى الخارج ، وإذا بي أسمع فارس جويجاتي نفسه ، يناديني من خشبة المسرح قائلاً : أستاذ طلال ، مهلاً .
وتوقفت ، وأسرع فارس جويجاتي إليّ ، فقلتُ له : لا أحد في القاعة ، يبدو أنني أخطأتُ في الموعد .
فقال لي فارس مبتسماً : لا ، لست مخطئاً ، موعدنا هذا اليوم فعلاً .
وأشرت إلى القاعة الفارغة ، وقلت : لكن لا يوجد أحد في القاعة ، يا فارس .
فأمسك فارس يدي ، وأخذني إلى الصف الأول من القاعة ، وقال لي : تفضل بالجلوس هنا ، يا أستاذ طلال ، الفرقة بأكملها جاهزة الآن ، وسنعرض المسرحية لك أنت وحدكَ .
وهذا ما فعله فارس جويجاتي فعلاً ، فقد قدم المسرحية كاملة ، وبكل ممثليها الشباب ـ الفتيان ، وكان من بينهم الفنان المعروف حالياً عبد القادر الحلبي .
ومن خلال هؤلاء الفتيان ، فتيان مركز الشباب ، قدم الفنان جويجاتي العديد من المسرحيات ، وكانت أغلبها من تأليفه وإخراجه من بينها ، مسرحية سبارتكوس عام 1981 ، مسرحية فوارس بني كانور عام 1982 ، العرس الكبير عام 1985 ، رحلة بهلول عام 1987 .
ومع كل مقالبه ، ومغامراته ، يبقى الفنان فارس جويجاتي ، من الشخصيات التي أثرت في جيل من الفنانين الشباب ، ورغم أنه لا يحمل شهادة أكاديمية في الفن المسرحي ، إلا أنه ـ على حد علمي ـ قام لفترة من الزمن بتدريس فن المسرح في معهد الفنون الجميلة في الموصل ، حين كان في منطقة الجوسق .
وللفنان فارس جويجاتي ، كما ذكرت ، شخصية ساحرة ، وله تأثر غريب على الآخرين ، ففي أسوأ ظروف الحصار ، الذي شلّ الحركة المسرحية ، لا في الموصل وحدها ، وإنما في عموم العراق ، وفي مقدمتها العاصمة نفسها ، جاء بأعلام كبار من بغداد ، وفي مقدمتهم خليل الرفاعي وآزادوهي صموئيل ومحمود أبو العباس ، وقدموا على قاعة الربيع في الموصل ، مسرحية ” دائرة الطباشير القوقازية ” للكاتب الألماني المشهور برتولت برخت ، وكانت من إعداده وإخراجه ، وقد حققت تلك المسرحية وقتها نجاحاً كبيراً .
وقبل أن نترك الفنان المسرحي فارس جويجاتي ، الذي يعيش الآن في دهوك ـ كردستان ، لنا أن لا ننسى إحدى أهم مغامراته ، وهي إصدار جريدة في الموصل ، كما أصدر جريدة أخرى معنية بالأدب حصراً .

معهد الفنون الجميلة

مع بداية الحرب العراقية الإيرانية ، التي بدأت في يوم ” 4 /9 / 1980 ” ، والتي دامت ثمان سنوات ، راحت النشاطات الثقافية عامة ، والفنية والأدبية خاصة ، في التراجع المستمر ، في جميع أنحاء العراق ، ومن بينها طبعاً محافظة نينوى .
وبلغ هذا التراجع ، حافاته الكارثية ، بعد حرب الخليج الأولى ، وفرض الحصار الاقتصادي على العراق ، الذي ألحق الخراب الكامل ، في مختلف القطاعات الاقتصادية والثقافية والمعاشية لكافة المواطنين في العراق ، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب .
وفيما يتعلق بالثقافة ، التي كانت مزدهرة نوعاً ما في السبعينيات ، فقد راحت تتدهور ، وتراجعت الكثير من النشاطات الثقافية ، وفي مقدمتها المجلات الأدبية المختلفة ، وكذلك مطبوعات الأطفال ، التي كانت تشرف عليها دار ثقافة الأطفال .
ولعل المسرح ، والمسرح الجاد بالذات ، كان الأكثر تضرراً ، بسبب هذه الحروب المجنونة المستمرة ، والحصار الاقتصادي الخانق على العراق ، فقد تلاشت معظم الفرق المسرحية ، التي كانت تقدم مسرحيات جادة ومتقدمة ، ومنها الفرقة العتيدة ، ذات التاريخ الناصع ، فرقة المسرح الفني الحديث .
وحتى الفرقة القومية الحكومية ، التي قدمت مسرحيات ذات مستوى جيد ، والتي احتضنت العديد من الكفاءات المسرحية المهمة والرائدة ، في بغداد وفي فروعها في العديد محافظات القطر ، كادت تتوقف تماماً عن تقديم مسرحيات جديدة على مسرحها .
وهذا ما لحق بالدراما التلفزيونية أيضاً ، والتي كانت في الأساس أولية ، ومتعثرة ، ومتأخرة ، بالنسبة للدراما العربية ، وخاصة الدراما المصرية المتقدمة ، والتي هيمنت على شاشات معظم التلفزيونات العربية ، فبعد أن نشطت ، منذ أوائل السبعينيات ، وظهر بعض الكتاب الدراميين الواعدين منهم صباح عطوان الذي قدم العديد من المسلسلات المهمة ، منها ” فتاة في العشرين ” والأديب عادل كاظم الذي قدم بدوره مسلسلات رائعة أبرزها ” النسر وعيون المدينة ” و ” حكايات المدن الثلاث ” توقف الإنتاج تقريباً ، ومعه توقف كتاب الدراما ، وبدأ العديد من الفنانين ينزحون سراً وعلناً بعيداً عن العراق .
وخلال هذه الفترة العصيبة ، فترة الحرب العراقية الإيراني ، وحرب الخليج الأولى ، والحصار الاقتصادي على العراق ، تنامت ظاهرة المسرح التجاري ، وسحبت البساط من تحت المسرح الجاد ، وسرقت منه الجمهور المسرحي كله تقريباً ، وتركت هامشا لا يكاد يذكر للمسرحيين الشباب ، الذين كانوا يقاتلون في ظروف صعبة ، وبدون دعم يذكر ، في معركة غير متكافئة ، لا يمكن تحقيق النصر فيها على المسرح التجاري .
وأذكر أنني كنت في بغداد ، عام ” 1992 ” ، لحضور افتتاح مسرحيتي ” ريم ” ، وهي مسرحية للأطفال ـ الفتيان ، التي قدمتها فرقة النجاح بالتعاون مع وزارتي التربية والشباب ، أنني قرأت إعلاناً عن عرض مسرحية عالمية في المسرح الوطني من إخراج الفنان القدير سامي عبد الحميد ، وتمثيل نخبة متقدمة من الفنانين العراقين أذكر منهم ميمون الخالدي ، والفنانة الشابة سهير أياد .
واتجهت عصر ذلك اليوم إلى قاعة الرشيد ، ومررت بسينما خانقة كانت تعرض فيها المسرحية الشعبية ” بيوت الطين ” ، وقد كتب في مدخل السينما ” الصالة مملوءة ” ، ودخلت قاعة الرشيد ، المكيفة ، النظيفة ، المجانية ، وإذا هي تكاد تكون خالية ، وربما لا أبالغ إذا قلت أن عدد الممثلين على المسرح ، كان لا يزيد كثيراً عن جمهور المسرحية العالمية ، التي كان عنوانها ” اصطياد الشمس ” ، وهي من أروع المسرحيات التي رأيتها على المسرح في بغداد .
وكما هيمنت المسرحيات التجارية على المسرح وجمهورها في بغداد ، والكثير من المحافظات الأخرى ، وصلت إلى الموصل ، بعضها جاءت من العاصمة بغداد نفسها ، وبعضها إنتاج محلي ، ومعظم هذه المسرحيات إن لم تكن جميعها ، كانت ذات مستوى هابط ، تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً ، تعتمد النكتة الفجة الفاضحة ، والرقص الأقرب إلى التعري ، والتمثيل التهريجي الذي يمتهن الممثل فيه كرامته ، قبل أن يمرغ كرامة المسرح والجمهور بالأوحال .
وجاء تأسيس معهد الفنون ، ثم كلية الفنون ، كقارب نجاة للحركة المسرحية في الموصل ، التي أوشكت على الغرق ، في مستنقع المسرح التجاري ، ولعب أساتذة معهد الفنون ، ومن ثم كلية الفنون ، دوراً كبيراً ، في رفد الحركة المسرحي في الموصل بدماء شبابية جديدة ، مسلحة هذه المرة ليس فقط بحبها للمسرح ، ولا موهبتها الفطرية فقط ، وإنما مسلحة بالعلوم المسرحية المتقدمة ، وبخبرة الأساتذة ، الذين كان جلهم من الوسط الفني المسرحي الواعي والمثقف .
ولعل أبرز هؤلاء الأساتذة راكان العلاف وعلي إحسان الجراح ومحمد إسماعيل وريكاردوس يوسف ونشأت مباركا وفلاح حمدون ورياض وزوجته السيدة رفاه المصري وبشار عبد الغني وعادل ونذير العزاوي ، الذي يعد من رواد مسرح الدمى في الموصل .
ولقد ساهم الدكتور محمد إسماعيل ، مساهمة كبيرة وفعالة ، في إرساء أسس مسرح الأطفال في الموصل ، فهو من أوائل الأساتذة الفنانين ، الذين قدموا مسرحيات للأطفال على المسرح ، ويعود له الفضل في عرض العديد من مسرحياتي على مسرح كلية الفنون ، كما يعود له الفضل أيضاً في تعريف طلاب الكلية على مسرحياتي ، التي كتبتها سواء للأطفال أو الفتيان .
ويكفي أن الدكتور محمد إسماعيل ، كان وراء الندوة الموسعة حول مسرح الأطفال ، التي انعقدت عام ” 2002 ” في كلية الفنون في الموصل ، وشارك فيها عدد من الأساتذة ، من داخل الكلية ومن خارجها ، من بينهم الدكتور عمر الطالب ونذير العزاوي وابراهيم كولان ، وقبل بدء المحاضرات ، قدم الدكتور محمد إسماعيل مسرحية للأطفال من تأليفي ، وهي مسرحية ” انكيدو ” التي استغرق عرضها أكثر من ساعة .
وفي عام ” 2005 ” ، كان الدكتور محمد إسماعيل أيضاً ، وراء إقامة مهرجان كبير فريد من نوعه ، هو مهرجان ” مسرح الفتيان ” ، وقد قدمت فيه ست مسرحيات ، كان أربع منها من تأليفي ، وقال للدكتور محمد إسماعيل ، أستاذ أجنبي في مهرجان مسرحي في حلب ، عندما حدثه الدكتور عن المهرجان الذي أقيم في الموصل ” أنتم ثالث مدينة في العالم ، يقام فيها مهرجان لمسرح الفتيان ” .

…. يتبع

شاهد أيضاً

هشام القيسي: بيننا إقامة تضيء
(6) ورد (ثانية الى موسى بيدج)

شيئا فشيئا بكل شوق يشفق هرب من يومه حين سقط الوجد عليه وابتدأ المشوار ، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (13)

الشاعر هشام القيسي يوقد شموعه بعد منتصف الحريق قمر في غيمة الرؤيا.. ينظر في صفحة …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (20/القسم الأخير)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *