بولص آدم: العنقرجي (أدب السجون العراقي/2)

إشارة:
بالرغم من أنُ وطننا صار في مراحل كثيرة من تاريخه سجناً كبيراً، وبالرغم من أن الكثير من المبدعين العراقيين قد تعرّضوا لتجارب مريرة من السجن والتعذيب، إلا أنّ ما كُتب عن أدب السجون العراقي كان قليلا جدا بصورة تثير الكثير من الغرابة والتساؤلات. وقد يكفينا القول إنّ دورة معرض القاهرة الدولي 48 للكتاب لعام 2017 شهدت 30 رواية من أدب السجون لم يكن بينها رواية عراقية واحدة في هذا المجال. التفاتة الأديب الأستاذ “بولص آدم” في هذه السلسلة من القصص القصيرة من أدب السجون العراقي المطبوعة بحرارة التجربة الذاتية هي التفاتة مهمة تسد نقصا كبيرا في المكتبة السرديّة العراقية في هذا المجال.. فتحية له.

النصّ:

مَرَّت فترة طويلة لم نرى فيها كَلب، الحيوان الوحيد هُنا، هو قمل الرأس الذي يعيش على دمنا، حسناً، هو ذا كَلبٌ يتربع كومة قشور بطاطا على حافة المزبلة، كنا خلف مطبخ السجن، ننتظر السجان ليعيدنا ثانيةً الى الزنزانة السابعة، حاول مَن كان أقرب اليه أن يقترب منه، السجان صَرَخ :

ــ عُد الى مكانك ياحيوان.

عاد السجين الى محله وهو يشيع الكلب بأرق وأحن النظرات، انتصب الكلب، هز ذيلهُ ونبحَ بكل ما في حنجرته من نباح وجَّهَهُ نحو السَّجان، فما كان من واحد من المساجين المتملقين وأن قال:

ــ أستاذ جميل، لاتهتم هو مجرد كَلب.

ثارت ثائرة جميل السجان و اسرع نحوه كامشاً رقبته:

ـ اسكت، لاتتدخل والا حجرتُ عليكَ معه في المحجر ياحيوان!

نسمع كلمة (حيوان) على مختلف ظروف حيونة الغير في اللغة الدارجة داخل سجن(ابو غريب) لم يكن الكلب حيوان فقط، لفظة حيوان كانت المفضلة لسجّانٍ، لم ألتق بشخص غيره أقبح منه في ملفوظاته إطلاقاً، السجان جميل، تميز أيضاً بكفين لا تتمنى أن يٌصفع بهما حتى الشيطان..

لاأعتقد بأن كلباً كالذي أمامنا في المزبلة، نال وفرة من الألقاب كالتي نالها في دقائق انتظارنا هناك، ذلك الذي حَيَّرَنا بكيفية تسلله الى كومة القشور تلك، كانت آخر مارميناه بعد نزع القشور عن البطاطا المسلوقة، فرشة دافئة لكلب فاجأنا ذلك المساء الكَئيب.

أعادنا جميل الى الزنزانة واطبق الباب، ماكثا هناك لبرهة يحادث بهمس مسجوناً يُشتبه بأنه من أخطر الوشاة، بعد دقائق على غلق الباب، أٌعيد فتحه ثانية، دخل جميل مسرعاً وتوجه نحو أحدهم، طلب منه النهوض، أقتاده الى الخارج وأغلق الباب ثانيةً. كان العنقرجي هاروت، ذلك الرجل المعدم النحيف الذي يُنَضف ويتولى نقل قدور الحساء

من والى النزانات، أنضم الواشي الى المجموعة الجالسة على الأرض، الوقت كان الثامنة والربع، موعد النشرة الأخبارية، نشرة إجبارية، علينا الأصغاء اليها وأعيننا لاتفارق الشاشة، الا لغرض السعال او العطس، تُسجل أسماء المتخلفين عن متابعتها، لكي يتسلمها فجراَ السجان الذي عليه اجراء التعداد الأول.

في الصباح الباكر، كان هاروت العنقرجي، الغائب الوحيد، أين هو الآن وماذا فعَل لكي يؤخَذَ خارجاً، لاأحدَ يعلم، سمعت أحدهم يقول ( حاليا، الحسناء عند الوحش !) والقصد بأن العنقرجي في ضيافة السجان جميل، تحت الصفع في المحجر (لاتتمناه لأحد) كانت أيام عرض مسلسل ( الحسناء والوحش ) خَلَبَ الألباب وأستٌذرِفت على حلقاته الدموع، كيف لا و الحسناء (لندا هاملتون) تستشعر خفقات قلب الوحش الحنون من مقعدها، والكونسرت .. يسمعه حبيبها المستحيل مختبئا في الخارج !.. كان الوحشُ معبود أشقياء السجن وسبباً مُضافاً الى أسباب هياجهم الدائم، أما الرومانسيين الذين، كان لهم تراسُل مع حبيباتهم في الذاكرة أو خارج السجن، فقد ألصقوا صوراً للحسناء على مقرُبةٍ من الوسائد..

بعد اطلاق السراح والوصول الى قلب بغداد، دَخَّنتُ بأنفاس عميقة سيجارة الحرية في كراج علاوي الحلة.. في ذلك المساء من آب اللآهب، كان الحصول على مقعد في اية وسيلة نقل صعباً، مُنهكاً كنت ولاطاقة للركض وراء باصات المنشآت والريمات والكوسترات وحتى التاكسيات.. جلستُ على دَكة كونكريتية وكانت من أجمل أستراحات الحياة.. مددتُ يدي داخل كيس الجوت الذي يحوي أشيائي.. كيس السكر(ابو الخمسين كيلو) الذي جلب لي فيه يوم المواجهة الأول قبل سنوات، عبوة تعقيم ديتول ( فالسجن عند أُمي قَمل أولاً ) و رواية يابانية بطلها معلم ذكرني دوما بأخي المعلم الفنان، الرواية التي مدّها لي وأكد علي الأحتفاظ بها لمرتين، حتى يتسنى له قراءتها بعد خروجي من السجن، والسجن كان بنظره في تلك الظهيرة ( تقبل فكرة البقاء هنا كثرثرة طويلة، لابد وأن يكون لها نهاية ) وصابونة من صوابين باب الطوب في الموصل، حَرَصتُ على الأحتفاظ بها حتى خروجي الى الحياة ثانيةَ، رغبت دوماً تأجيل الأغتسال بها حتى الأستحمام الأول برغوتها بعد إطلاق السراح في البيت!

رفعت رأسي وأبهجني النور الأزلي للبدر على شاشة السماء.. لم أتوقع تماما ومن خلال صخب الكراج ، أن تقع عيناي ثانيةً على السجان ( جميل ) مرّ من أمامي مسرعاً متجهاً صوب المحطة العالمية!

تذكرت العنقرجي و نباح الكلب عندما أزعجه أسم ما أُطلق عليه.. إنتابني قنوط لايُصدَّق وضيق كبير ورغبة شديدة بالمغادرة على الفور. حَمَلتُ كيسي وعبرت شقق الصالحية، أجتزتُ جامع الشاوي بعد أن شربت فيه الماء البارد ماداً رأسي تحت ماء الصنبور، وصلت شاطئ دجلة، أستلقيت في الطين الرطب وشممتُ كُلَّ روائح الأزَل، مددت يدي في الكيس، أخرجت الخبز الجاف، وضعتهُ قُربي، إنتظرتُ النَّوارس ورُحت في سابع نومة.

شاهد أيضاً

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

عبد اللطيف الشواف في ذكرياته وانطباعاته
حادثة تموز ١٩٥٨قفزة نحو المجهول
شكيب كاظم

في سنة 2004، تولى من لندن الدكتور علي نجل الأستاذ عبد اللطيف (علي) الشواف، المولود …

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *