سلام كاظم فرج: الشاعر عبد الستار نور علي والتجريب بأعلى سقوفه (النقد بمحاذاة النص)

في منتصف عام 2003 اقترحت على الاخوة في منتدى أدباء المسيب..تأسيس تقليد دوري لعرض نصوص شعرية مثيرة للجدل وتناولها بالنقد البناء الرصين خارج منظومة الإطراء التقليدي او القدح التقليدي.. واقترحت أنْ نخصّص امسية في بداية كل شهر نطلق عليها (النقد بمحاذاة النص).. استمر هذا التقليد لفترة قصيرة.. لكنه أنتج بضع محاولات نقدية لبعض النصوص التجريبية.. وقد أبدع الاستاذ (صباح محسن جاسم) رغم ظروفه الصعبة في تحريض أدباء القضاء على التفاعل الايجابي مع الفكرة فكتب نقداً عن نصي الموسوم.بـ(ضياءات موغلة في القدم..)..و نصي (تناص مع ذوي الشعور السود).. وكتبت نقداً عن قصيدة (أبحث عن مأوى لظلّي) للشاعر (توفيق حنون المعموري).. ونشرتُ بعض محاولاتنا في الصحف المحلية..وأردنا لمشروع (النقد بمحاذاة النصّ) أنْ يزدهر.. لكنْ تذبذب الوضع الأمني حالَ دون استمرار نشاط المنتدى إضافة الى عدم توفر الدعم المادي في الحصول على بناية لمنتدانا أحبط حماسنا..
من هذا المنطلق وجدتُ في نصّ الشاعر الاستاذ (عبد الستار نورعلي)، المنشور بمحاذاة مقالتي هذه، فرصة لإحياء تلك الفترة…آمل ان تجد صدى طيباً لدى صديقي واستاذي الشاعر الكبير (عبد الستار نورعلي) والأخوة والأخوات….
…………………..

يثير نصُّ الشاعر الاستاذ عبد الستار نور علي (كشف حساب غير متأخر) جملة من الأسئلة حول القصيدة المعاصرة .. لعل اهم تلك الاسئلة: هل هنالك حدود للتجريب يقف عندها الشاعر كي لايخرج نصّه من دائرة الشعر الى دوائر أخرى تحتاج الى مسميات جديدة؟ .

وإذا كان (عنترة) الشاعر الجاهلي قد قال .. (هل غادر الشعراء من متردم…) ناعياً المواضيع المتاحة للشعراء، معلناً أنْ لم يبقَ للشعراء ما يقولونه، لأنهم لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا وغادروها. وإذا كان (إزرا باوند) قد أفنى عمره وهو يجرِّب ويدعو تلامذته للتجريب، ونضو ثياب السائد مهما كانت جدتُه، وإتخذ من التجريب منهجاً وسبيلاً ورسالة، فإنّ الشاعر الاستاذ (عبد الستار) في نصه هذا يتمرد على كل الأساليب السائدة، بما فيها التجريبية!! وهو الشاعر الذي عرفناه ملتزماً بقصائد العمود، وهو الناقد المهم الذي قرأنا له دراسات رصينة عن القصيدة الكلاسيكية الفخمة، وجزالتها عند (الجواهري) و(يحيى السماوي)..وهو الملمّ بكل ما أبدعت العرب من شعر على مدى قرون، منذ أن بدأ (المهلهل) أخو تغلب شقيق كليب يُهلهلُ الشعرَ، وليس انتهاءً بآخر ابتكارات (حسب الشيخ جعفر) فيما سُمّي بـ(القصيدة المدورة).. لكننا نرى الاستاذ (عبد الستار) وقد ملّ كلّ قديم سائد وكأنه يلبي دعوة الزهاوي جميل صدقي:
سئمْتُ كلَّ قديمٍ عرفتُهُ في حياتي
إنْ كانَ عنـدك مِنْ جـديدٍ فهـاتِ

القصيدة العربية من ناحية البناء مرّتْ بتطورات كثيرة فبعد أنُ التزمَتْ نظام البحور من وزن وقافية وحرف رويّ ونظام الشطر والعجز.. انتقلت على يد (بدر) و (نازك) ورفاقهما منتصف القرن الماضي الى ماسُمّي بـ(الشعر الحرّ) معتمدة تنويع الأوزان والقوافي في النصّ الواحد فيما سُمّيَ ايضاً بـ(شعر التفعيلة)..ثم برزت (قصيدة النثر ) التي تعتمد الموسيقى الداخلية للنص، واعتماد الجملة الشعرية والصورة الشعرية دون الالتزام بوزن أو قافية.. بل اعتبر الوزن والقافية إحدى نقاط ضعف النص!. واختلفت التسميات لمثل تلك النصوص فمنهم من اطلق عليها اسم (النثر المركز) كما فعل احد روادها الشاعر (حسين مردان).. إلا أنّ الاسم الذي اكتسب شيوعاً وقبولا هو (قصيدة النثر)..ثم مالبثَ أنْ ظهر ماسُمّي بـ(النص المفتوح) العصيّ على التجنيس..

ونصّ شاعرنا (عبد الستار نور علي) يركّز على منظومة أفكار، وكما بيّنَ في بعض مداخلاته على النصّ أنه اعتمد تراكمات فكرية ومعرفية ومسيرة تأمل وتجارب عديدة.. لكنه هنا وفي هذا النص ينسف كل ماتعارف عليه الشعراء من وزن وقافية وتفعيلة، بل بالموسيقى الداخلية للنص.

فهو هنا يستفزّ المتلقي بطرح اسئلة أخرى خارج حدود النص، ويدعوه لمزيد من نزع الاقنعة حيث لا قناع بياتيّ (نسبة الى عبد الوهاب البياتي).. ولا وحدة موضوع.. بل أشطر قائمة بذاتها مستفزة مستفزة (بفتح الفاء وكسرها).
هنا وجدت استاذنا (عبد الستار) يفرّط في التجريب حتى يقترب من المعادلات الرياضية والفيزيائية..

هي دعوة للاخوة النقاد والأخوات الناقدات وللشعراء والشواعر المهتمين بالشأن الابداعي ومنهم استاذنا الشاعر (عبد الستار نورعلي) لتناول النص أولاً وإغناء البحث في الحدود المتاحة للشاعر لممارسة التجريب…
……..

لنقرأ نص الشاعر الاستاذ عبد الستار نور علي:

تجريب: كشف حساب غير متأخر
عبد الستار نورعلي

أربعون + خمسة =

كتب ، أقلام ، أوراق ، أنامل =

عينان ، صدر ، أضلاع ، قلب =

الكرة الأرضية + كلمات حارقة/ محترقة + صداع + آلام + غربة + إحديداب =

كيفَ احتملتَ كلَّ هذا الدُوارْ
والتعبَ المُرَّ وضيقَ الحصارْ ؟

صخرة بحجم الكون ، صعود نزول =

سفح ، غابة ، أشجار متشابكة ، أشواك

طرق ملتوية ، وحل ، جليد ، فيضانات ، انفجارات

هل أيقظكَ العرّاف ؟

نومٌ عميق ، غصن زيتون ، حمامةٌ =

“الكلمة الطيبةُ صدقةٌ؟” =

اتقِ شرَّ مَنْ أحسنتَ اليه !

ما الذي تبغي اليهِ
أيها العابرُ فوقَ العربهْ

=

جوع ، حرمان ، أحذية ضيقة ، خيلٌ متعبة

ليل طويل ، ستائر رمادية ، شمعةٌ محترقةٌ

كأس فارغةٌ ، مائدةٌ خاويةٌ ، كراسٍ بلا اقدام ، بلا ظهر

أوراق مرمية على قارعةِ الطريق ، صدر ضاق على التاريخ

بركان يغلي

عينان متعبتان ، أنامل دامية، كرسي متصدّع لابتوب بحجم الكفّ =

في انتظار جودو

هل تجيد الجودو والكاراتيه؟

جودو وكاراتيه=

بلطجة ، كرسي ، تاج مزيَّف ، لسان ذلّاق صحف يومية ، فضائيات عربية

هو =

عينان صافيتان ، قلب ينبض بالدم ، أقلام رصاص صوت نقيّ ، يد متعبة =

الطيبة سلاح الضعفاء

نزع فلان ثوبهُ =

تصفيق حادّ ، فضائيات ، مسارح ، دولارات

هل تستطيع أن تنزع ثوبك؟

عيب !!!

عيب =

إعراض، كواليس ، رغيف يابس ، صمت مطبق ، موت في رداء حياة

هل جرّبتَ الفاليوم ؟

الفاليوم =

خدرٌ صناعيّ ، نومة أهل الكهف ، سكون ، موت في رداء موت

اربعون + خمسة + وجه ثابت + أوراق خضر + يد بيضاء +

ثياب غير منزوعة + يقظة + نوم منْ غير فاليوم + الكلمة الطيبة صدقة

=

جدار برلين ، صمت الغابات ، شوارع خلفية ، نجيب سرور

إنذار:

هل ستتوقف العربة عند الخامسة والأربعين؟

إنْ كان لا يدري =

مصيبة

وإنْ كانَ يدري =

المصيبة العظمى *

دمٌ يجري + قلب ينبض + سطور بيض + كون مضطرب =

تجليات ، حياة ، كشوف ، تحديات ، استمرار

فوق التلة ثلج يلمع تحت الشمس

أناس يتزحلقون في عزّ الظهيرة

هو لايجيد التزحلق

هناك بالجوار تحت الأشجار أناس يشوون لحم دجاجٍ

هل تأكلُ لحمَ الأسد؟

“اقرأ باسم ربّك الذي خلق”

لا يوجد كهف ولا عنكبوت هنا

غابات كثيفة ، جليد ، أرانب برية

لا أحد يصطاد الأرانبَ هنا

هل تأكل لحمَ الأرنب؟

سؤال وجيه ، لا أعني وجيه عباس

ما الذي ذكّرك بوجيه عباس ؟!

لا تدري !

باقلاء بالدهن الحرّ ؟

الحدود السبعينية تقترب ، Stop! ، اشارة حمراء

هل أنت نادم؟

ربما

إنه يومٌ لا ينفع فيهِ الندم

ارمِ طموحَكَ واغفُ بالإصرارِ
الدهرُ للطبّالِ والزمّارِ

مزامير الصحف اليومية ، مزامير شعراء السلطان

هو لايعني مزامير داوود:

اغرسْ نفسَكَ عند مجاري الماء

ورقٌ لا يذبلُ ، ثمرٌ يُفلحُ

واملأ كأسَكَ بنبيذِ النافذةِ ، مُشرَعةً

اكشفْ عورةَ مَنْ في الساحةِ رقّاصاً ، ثمناً بخساً

اكشفْ ما تحتَ ستارِ العورةِ في حقلِ الباطنِ ، ما في جدار الظاهرِ

هدموا جدارَ برلين

ثمّ ماذا؟ وشنو يعني؟ هل أكلوا الكيكةَ؟

افتحْ

أنْ تفتحَ بابَ العشق الغافي تحت الجلدِ

أن تفتحَ عينَ النائمِ =

عيون ، قضبان ، تعذيب ، ذبح ، تفجير

مصنع السيارات المفخخةِ في بيت الرئيس القائد

حتى آخر رمق ….

* اشارة الى قول الشاعر:

إنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ
وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *