ميسلون هادي : الظل والراحة والماء (ملف/68)

إشارة :
بهذا النص / التجربة ، تذكّرنا المبدعة الكبيرة “ميسلون هادي” بتجربة رائعة من تجارب زمن أدبي جميل لا نعرف لماذا اختفت من حياتنا الأدبية. فقد نشرت مجلة ألف باء عام 1984 قصة بموضوع واحد متفق عليه لكاتبين من جيلين مختلفين هما موسى كريدي وميسلون هادي. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تنشر نص المبدعة الكبيرة مع صورة أرسلتها توضح تلك التجربة.. شكرا لميسلون هادي.

الظل والراحة والماء
ميسلون هادي

تقدمت سيارة الأجرة، فاندفع إليها حشد الأشخاص المنتظرين في الساحة الترابية المكشوفة .. وسرعان ما تسرب خمسة منهم إلى جوف السيارة الظليل، وانطلقت بهم مخلفة وراءها التراب والانتظار وضوء النهار الساطع ..
تنفس الشاب بارتياح عميق، وقال لنفسه :(هذا يوم حسن، فهذه أول مرة أفوز فيها بالصعود من المحاولة الأولى )، ثم فتح زر قميصه العلوي ومد يده إلى جيب سرواله الجانبي لاستخراج نقود الأجرة.. مسّت ساقه ساق جارته الفتاة فنظر إليها من زاوية عينه اليمنى، ورأى قميصها يتحرك وهي ترفع يدها لتمسح العرق عن وجهها بمنديل ورقي … يلاقيها عادة في طريق ذهابه وإيابه بين بغداد وبعقوبة .. ولكن هذه هي المرة الأولى التي تجلس فيها بجواره .. فكر أنها تبدو صغيرة السن . ومع ذلك فمن المستبعد أن تكون طالبة جامعية إذ لم يرها يوماً ترتدي الزي الموحد الخاص بالطلاب. سحب ساقه اليمنى قليلاً ثم فكر أن يسحب ساقه الأخرى كي لا يضايق السائق أثناء تحريكه لعتلة السرعة .
شعر بنعاس لذيذ أنساه العطش الذي كان يحس به أثناء انتظاره السيارة .. قال لنفسه(عندما أصل البيت سيكون للماء مذاق أطيب ) ثم عاد فقال :( مالي والبيت الآن .. أريد أن أنام)… نظر أمامه والطريق الممتدة على الأرض مقبلة .. مقبلةنحوه، فلا تملك عيناه وهما بين الصحوة والنوم إلا أن تستقبلها بمزيج من الحذر والارتياح، ثم سرعان ما أخذت معالم تلك الطريق ترخي حواسه وتثقل جفونه شيئاً فشيئاً حتى انمحت وغابت من الوجود . مال رأسه إلى اليمين فشعرت الفتاة بثقل كتفه على كتفها وقالت لنفسها : أهذا مكان للنوم ؟! . وتحركت قليلاً باتجاه الباب وهي تفكر بأنها قد رأت ذلك الشاب وقابلته مرات عديدة في سيارات الأجرة وحافلات النقل . ولكن هذه هي المرة الأولى التي يجلس فيها بجوارها .. وقد ظنت انه لربما سيغتنم الفرصة لمحادثتها .. ولكن .. (يبدو انه لم يجرؤ على ذلك).
سقط رأسه مرة أخرى على كتفها فأرادت أن تدفعه بيدها ولكنها ترددت وفكرت انه قد لا يزال صاحياً لحد الآن . ولربما هو يعاكسها .. من يدري .. لربما كانت حركة استخراج النقود مقصودة أيضاً للمعاكسة .. ولكنه سحب ساقه بسرعة.. عادت فقالت : ( انه يبدو مؤدباً .. وسامته لا توحي بغير ذلك .. انه تعب جداً هذا كل ما في الأمر ) .
مالت قليلاً ودفعته برفق باتجاه السائق ثم نظرت إليه بزاوية عينها اليسرى فبدا لها وجهه الغارق في الهجوع كوجه طفل غاف مستسلم لحلم جميل . كان منظره مضحكاً في بداية الأمر وهو يفز من نومه بين حين وآخر . ولكن يبدو انه قد غط ّفي غفوة عميقة منذ رمى رأسه إلى الخلف، فلم يعد يفعل ذلك حتى وهي تدفعه عنها في كل مرة يميل فيها عليها بجسده .
كانت السيارة تنعطف إلى مدخل المدينة عندما أحست هي فجأة بشعر رأسه يلامس رقبتها . ردت رأسها إلى اليمين بشكل تلقائي سريع ثم سحبت نفسها قليلاً باتجاه الباب وهي تفكر بان تطلب من السائق أن يوقظه … ولكن مسار الطريق كان يوشك على نهايته وما لبثت سيارة الأجرة أن توقفت وسمعت سائقها يهتف :
– هاقد وصلنا استيقظ ألان .
فتحت باب السيارة وحركت جسدها باتجاه النزول فمال جسد الشاب عليها أكثر فأكثر .. مد السائق يده إليه وراح يهز كتفه بلطف ويقول :
– استيقظ لقد وصلنا .
انتزعت جسدها من السيارة، والسائق لا يزال يهز بيده كتف الشاب (استيقظ لقد وصلنا .. استيقظ لقد وصلنا ) واخذ صوته يعلو ويتهدج .. ووقفت هي تنتظر شاخصة العينين، والناس من حولها ينظرون بذهول إلى جسد الشاب المسجى على المقعد الأمامي لسيارة الأجرة .

من مجموعة الشخص الثالث
1985

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *