طلال حسن: صفحات مطوية من الحركة المسرحية في الموصل (3)

عز الدين ذنون
بين أغنية التم ومصلح الراديوات

اعتاد الأستاذ عز الدين ذنون ، ومن معه من الفنانين ، وهم ثلة من الأصدقاء الشباب ، وجلهم من المعلمين محبي المسرح ، على تقديم مسرحيات مرتجلة ، أو شبه مرتجلة ، وكان من أشهر وأحب ما يقدمونه للجمهور مسرحية ” مصلح الراديوات ” .
وقد اعترضت على نهجهم هذا ، ودعوتهم إلى تقديم مسرحيات أكثر تطوراً ، سواء كانت تلك المسرحيات محلية أو عربية أو عالمية ، ويخرجوا بذلك من تلك الدائرة الضيقة ، التي يضعون فيها الجمهور المسرحي الوليد في الموصل .
وقال لي الأستاذ عز الدين ذنون ، مخرج الفرقة : يعني ماذا تريد أن نقدم ؟
فأجبته قائلاً : قدموا مثلاً أغنية التم لجيكوف .
وتمتم الأستاذ عز الدين : جيكوف !
فقلت له : لماذا لا ؟ جربوا ، وسترون النتيجة .
ورأوا النتيجة ، حين قدموا مسرحية ” أغنية التم ” للكاتب الروسي العظيم جيكوف ، على قاعة مدرسة الثانوية الشرقية في الموصل ، لجمهورهم الذي تعود أن يراهم يقدمون له ” مصلح الراديوات ” .
ولأن الفنانين الشباب ، والمخرج نفسه ، لم يتعودوا على تقديم مثل هذه المسرحية على خشبة المسرح ، ولأنهم أرادوا أن يقوموا بخطوة كبيرة بها ، أجروا تحضيرات وتمرينات لفترة طويلة ، وبذل الأستاذ عز الدين ذنون جهداً كبيراً في إخراج هذه المسرحية ، التي تشكل مفصلاً مهماً وحاسماً في تاريخه المسرحي .
وقبل تقديم المسرحية ، وقف الأستاذ عبد الإله حسن على خشبة المسرح ، وخاطب الجمهور الذي غصت به القاعة قائلاً : إخواني ، أرحب بكم ، سنقدم لكم اليوم مسرحية لكاتب عالمي هو انطوان جيكوف عنوانها ” أغنية التم ” .
وصدرت دمدمات من الجمهور ، وارتفع أكثر من صوت يصيح محتجاً : لا نريد هذه المسرحية ، نريد مسرحية مصلح الراديولت .
وطلب الأستاذ عبد الإله حسن ، من الجمهور الالتزام بالهدوء ، وقال لهم : كما تريدون ، لكن سنقدم أغنية التم أولاً ، ثم نقدم لكم مصلح الراديوات .
وأطفئت الأضواء ، وهدأ الجمهور على مضض ، وفتحت الستارة ، ومن قلب الظلام ، تقدم بطل مسرحية ” أغنية التم ” الأستاذ ميسر عبد فليح ، وفي يده شمعة مضاءة ، وما أن نطق جملته الأولى ، حتى عمّ الضجيج والصياح والتصفير أرجاء القاعة ، وارتفعت عدة أصوات تصيح ” نريد مصلح الراديوات .
وتوقف بطل المسرحية الأستاذ ميسر ، والشمعة المضاءة في يده ، وسرعان ما انسحب إلى الكواليس ، وأسدلت الستارة ، وعلى الفور ، صعد الأستاذ عبد الإله حسن إلى خشبة المسرح ، وخاطب الجمهور قائلاً ، وهو يكتم غضبه : إخواني ، أرجوكم ، دعونا نقدم لكم هذه المسرحية العالمية أولاً ، وكونوا على ثقة ، سنقدم لكم بعدها مسرحية مصلح الراديوات .
وفتحت الستارة مرة أخرى ، وعاد بطل المسرحية إلى الظهور من الظلام ، والشمعة المضاءة في يده ، وعاد الجمهور إلى مقاطعته ، والصياح أكثر من مرة ، مما اضطر الأستاذ عبد الإله حسن ، إلى الصعود على خشبة المسرح ، وخاطب الجمهور غاضباً : إذا لم تلزموا الهدوء ، وتدعونا نقدم هذه المسرحية ، فسأستدعي الشرطة ، لتوقفكم عند حدكم .
وفي هذه الأجواء ، التي لا يحسد عليها لا بطل المسرحة ، ولا مخرجها ، ولا العاملون فيها ، قدمت مسرحية جيكوف العظيم ” أغنية التم ” في الموصل .
وكتبت عن المسرحية ، مقالة مطولة في جريدة ” فتى العراق ” ، أشدت فيها بالمسرحية ، وبأداء ممثلها الأستاذ ميسر عبد فليح ، وبمخرجها الأستاذ عز الدين ذنون ، ودعيت في العديد من كتاباتي ، الابتعاد عن المسرحيات الكوميدية المرتجلة ، وحتى عن مسرحيات من نوع مصلح الراديوات .
واحتج عليّ البعض ، بأن الجمهور في الموصل ، يحب هذا النوع من المسرحيات ، ويطالب بعرضها دائما ، ولا يرغب في المسرحيات الجادة ، أو المسرحيات العالمية ، التي تعرض باللغة العربية الفصحى ، وكان ردي ، أن من مهمة الفنان المسرحي ، أن يساهم في خلق وتربية جمهور مسرحي حقيقي ، يُقبل على المسرح المتقدم سواء كان محلياً أو عربياً أو عالمياً .

خطوة كبيرة

من العزف على الكمان ، ضمن فرقة موسيقية صغيرة في نادي الفنون في الموصل ، وأداء دور ” اليهودي ” في مسرحية فلسطين ، التي ألفها الأستاذ عبد الإله حسن ، وأخرجها الفنان المخضرم عز الدين ذنون ، قرر شفاء العمري ، أن يُقدِم على خطوة كبيرة ، ربما ظنّ البعض من الفنانين ، أنها قفزة في الظلام ، حين قرر أن يكون مخرجاً ، وكما يقول إخوتنا المصريون ” مفيش حد أحسن من حد ” .
ورغم تحفظ الكثيرين ، أكد شفاء العمري لنفسه وللآخرين ، أن قفزته الطموحة ، لم تكن قفزة في الظلام ، وإنما خطوة مدروسة ، تستند إلى تصميم راسخ ، تدعمه قراءات مجتهدة ، منهجية ، للمسرح نصوصاً ونقداً وتاريخاً ، في العراق والوطن العربي والعالم .
وكانت خطوته الأولى ، التي امتدت على طريق صاعد حتى النهاية ، إقدامه على اختيار مسرحية ” اوديب ملكاً ” ، للكاتب اليوناني سوفكليس ، من ترجمة الدكتور طه حسين ، بلغة عربية فصحى ، صعبة ، ربما لم تكن مطواعة ، وخاصة لممثلين شباب ، بعضهم لم يسبق له الوقوف على خشبة المسرح .
وبدل أن يختار شفاء العمري ، ممثلاً متمرساً له تاريخه ، في مجال الأداء المسرحي ، اختار خامة جديدة ، لم يشارك من قبل بأية مسرحية ، وأسند إليه الدور الرئيسي في المسرحية ، وهو دور أوديب الملك نفسه .
ولأشهر عديدة ، بذل شفاء العمري ، جهوداً كبيرة في صقل هذه الموهبة الخام ، وإعداده لهذا الدور الكبير ، وكان يأخذه أحياناً إلى منطقة الغابات ، ويطلب منه هناك ، أن يصيح ويصرخ بأعلى صوته ، ويقرأ دوره بصوت مرتفع ، حتى طوع تلك الخامة ، وشكلها بصورة اوديب الملك ، الذي أراده .
وقدمت المسرحية ، وسط احتفاء طيب من قبل الفنانين والمثقفين والمعنيين بالمسرح ، وحققت نجاحاً كبيراً ، وكتبتُ عنها مقالاً ضافياً ، فيه الكثير من الحماس والتشجيع ، كتبت عن مخرجها الواعد المبدع شفاء العمري ، وكذلك عن ممثليها الذين أحسنوا في أداء أدوارهم ، كما كتبت بكثير من الحماس عن ممثلها الرئيسي ، الذي قام بدو أوديب ، وهو الفنان الشاب عدنان الشيخ ، وقد اتهمني البعض وقتها بالانحياز ، وقد كنت منحازاً فعلاً إلى الفن الصادق والجمال ، اللذين مثلهما المخرج شفاء العمري ، وكادر المسرحية من الفنانين الشباب .
وخلال فترة السبعينيات ، التي تعتبر الفترة الذهبية للفنون والآداب والصحافة في العراق ، قدم شفاء العمري مسرحيات عديدة ، تتناغم والأجواء اليسارية ، التي شاعت في بعض تلك السنوات ، منها مسرحية القاعدة والاستثناء للكاتب الألماني الكبير برتولت برخت ، وفي انتظار اليسار ، وجيفارا للكاتب الفلسطيني اليساري معين بسيسو ، ورأس المملوك جابر للكاتب السوري الكبير سعد الله ونوس .
وبالإضافة إلى الإخراج ، الذي حقق فيه تميزاً كبيراً ، كتب شفاء العمري عدة مسرحيات ، معظمها مسرحيات شعبية ، لكنه لم يحقق فيها ـ في رأيي ـ ، ما حققه من نجاح في التمثيل والإخراج .
وشفاء العمري ظاهرة ، لم تتكرر ، في تاريخ المسرح في الموصل ، منذ الستينيات من القرن الماضي حتى الآن ، فهو فنان عصامي ، لا يحمل غير الشهادة الابتدائية ، فقد ترك المدرسة وهو طالب في الصف الأول متوسط ، لكنه درس المسرح بنفسه ، وتعلم فنونه المختلفة من الكتب ، ومن زياراته المتكررة للمسارح في بغداد ، كما تعلم من الفنانين ، الذين عمل معهم في الموصل ، وقد صار صديقاً حميماً للدكتور عمر الطالب ، الذي درس المسرح ، ويتابع عروضه باستمرار ، ويكتب عنها أيضاً .
والدكتور عمر الطالب ، الذي يحمل شهادة عليا في المسرح ، سبق وأن درّس شفاء العمر الشاب المتمرد في مدرسة متوسطة المثنى ، ولم تكن علاقتهما ودية في المدرسة ، وحين عاد عمر الطالب من القاهرة ، سأل بعض أصدقائه : أيوجد فنان مسرحي يستحق أن أشاهد مسرحية من مسرحياته الآن في الموصل ؟
قالوا له : نعم .
وتساءل الدكتور عمر الطالب : من هو ؟
فقالوا له : شفاء العمري .
ويبدو أنه لم ينسَ طالبه المتمرد ، فقال مندهشاً : شفاء ! أعرف هذا الطالب ، إنه .. إنه جاهل .
وشاهد الدكتور عمر الطالب ، بعض مسرحيات طالبه المتمرد ، وصارا صديقين حميمين ، طالما خاضا سجالاً مطولاً عن المسرح عامة ، وعن مسرح شفاء العمري على وجه الخصوص .
وقد خانته الظروف المتقلبة ، منذ بداية الثمانينات ، كما خانت الأدباء والفنانين والصحفيين في العراق ، وحولتهم إلى أنقاض يرثى لها ، وتراجعت مسرحيات شفاء العمري كماً ونوعاً ، بعد هذه الفترة ، وقد تمر سنين عديدة دون أن يقدم مسرحية واحدة ، ومهما يكن ، فإن شفاء العمري يبقى رمزاً من الرموز المتقدمة في المسرح في الموصل .

,,,,,, يتبع

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات فريدريش ديرنمات بين الكوميديا السوداء وإختلاف الشخصية
2- زيارة السيدة العجوز

تتكون هذه المسرحية من ثلاثة فصول، وخمس وثلاثين شخصية . وتجري أحداثها في الوقت الحاضر، …

صباح هرمز: مسرحيات فريدريش ديرنمات بين الكوميديا السوداء وإختلاف الشخصية
1-رومولوس العظيم

1- رومولوس العظيم: الزمن: من صباح 15 مارس الى 16 مارس سنة 476 ميلادية . …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (5)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *