مقاربة في القصيدة اليومية لأغنيات الغريب
أحمد الشطري

لا احد يستطيع ان يفصل بين الفن – بكل تفرعاته- والحياة، فالفن – واقعا- هو مرآة عاكسة لصور الحياة بمختلف تفاصيلها وازمنتها، والحياة بكل تشكلاتها هي تمثل حقيقي للفن روحا و شكلا، بيد ان هناك اختلافات متعددة في طبيعة تمثل هذه الحياة، او تمثل تفاصيلها فنيا تبعا لمنظور فلسفي او اجتماعي او ثقافي او غير ذلك من الاعتقادات او وجهات النظر المختلفة، ومن هنا خرجت النظريات وتنوعت واختلفت بمسمياتها وتطبيقاتها، بيد انها لم ولن تنفصل عن الحياة ومجرياتها، وفي ادبنا العربي بمختلف عصوره ظهرت العديد من الآراء والنظريات، اصالة او تأثرا بثقافات الشعوب الأخرى، وقدمت تفاعلاتها مع تفاصيل الحياة وفقا لهذا التنوع في الآراء والاعتقادات، ومهما اختلفت النظريات والآراء في مسمياتها او مصطلحاتها او تقنياتها، فإننا لا شك سنجد تمثلا لها في ما بين ايدينا من نماذج ادبية، وان اختلفت أشكال ودرجات هذا التمثل، واذا اخذنا مثالا ما اصطلح عليها (بالقصيدة اليومية)، بكل ما اندرج تحت هذا المصطلح من تعريفات او تفصيلات، فلا شك اننا سنجد ان الادب العربي قديمه وحديثه زاخر بالنماذج التي تتطابق مع هذه الرؤى بغض النظر عن درجة ذلك التطابق.
واذا كان البيان الذي تقدم به مجموعة من الادباء السبعينين قد اجترح تعريفا او تقنية ما، فان المصطلح يبقى أشمل واعم من أن يحصر تطبيقيا بنماذج متأخرة، بل انه يمكن ان يمتد لمسافات تاريخية متعاكسة الاتجاه دون توقف. وقد اشتغل بقصدية تحت ثريا هذا المصطلح العديد من الشعراء العراقيين من (الثمانينيين) وما بعدهم، مقدمين لنا نصوصا شعرية باهرة. وبين هؤلاء الشعراء يقف الشاعر رياض الغريب كأحد النماذج المتميزة لمن اشتغل على ما سميَّ بالقصيدة اليومية، و مجموعته (أغني حين أراك مبتهجة) الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين سنة 2018 تمثل نموذجا لتجربته الشعرية وسنجد فيها تطبيقا مثاليا للمدلول التنظيري لذلك المصطلح ، فهي تملك تلك الطاقة القادرة على صنع الدهشة في نفس القارئ رغم مألوفية موضوعاتها وبساطة لغتها الا انها جديرة بتمثل مقولة الشاعر وردز ورث: ( التكامل بين الحدث المألوف والمظهر الخلاب) ، فنصوص رياض الغريب تمنح في كثير من الاحيان للصورة عمقا ودلالات تخرجها من دائرة السطحية والمباشرة رغم انها تكاد تشابه وثيقة تسجيلية لحياة الشاعر، غير انه يصعد بتلك التفاصيل اليومية العفوية الى فضاءات الشعرية الخلابة مخرجا تفاصيلها من اطار الحدث الشخصي المحض الى حدث كوني متحررا من حيزه المكاني والزماني الضيق. يقول في نص (نزرع الحديقة بدلا عنك بالضحكات): (لا أحب أن اجادل الأشياء بدلا عنك/ هي جميعها تغار مني/مثلا يوم أمس/رأيت الكرسي في المطبخ/ يحدق بكراهة لي/ والشجرة الصغيرة التي كنت اسقيها/اثناء غيابك/لم تعد تحدثني/كلما اقتربت منها/ادارت وجهها عني/كل الأشياء تحبك هنا/ في بيتنا الذي يضج بنا/ بجلوسنا المبكر).
هذه التفاصيل التي تكاد ان تكون صورة حقيقية للواقع، والتي تعرضها لنا جمل معبئة بصور بصرية مألوفة، غير انها محملة بالشعرية التي تجعلها تمنح القارئ فضاء يبتعد عن المألوف قدر ما يقترب منه، فضاء ينقل الأشياء الملموسة الى صورة لأشياء محسوسة تمتلك بعدا حياتيا متحركا وليس جماديا ثابتا، فصورة (الكرسي والشجرة) ليس انعكاس لتلك الصورة الجامدة المألوفة، وانما هي انتقال بها من الحالة الثابتة الى الحالة المتحركة الحاملة للفيض الحياتي بكل تفاعلاته.
وفي نص آخر يحمل عنوان (فكرتها) يقول: ” رصيدك من الحنين هذه الليلة/ لكي تهمس/ أحبك/ وأنتِ/ تضعين الغطاء على الولد الصغير/وأنت ترتبين وجهك لسهرة هذه الليلة/ وأنت تعدين لنا وجبة سريعة/ لصباح جديد/ رصيدك يكفي من الركض وراء ظلها/ من غرفة لغرفة/ تراقب اناملها وهي تمسك نعاسك/ … إن الأربعين لهو ولعب/ وركض في الحديقة/ من وردة لوردة/ وأن البياض بياضها/ فوق الندى/ وأن قبلة واحدة تكفي/ لسقي الحديقة في الشتاء”
نلحظ أن هذا السرد لتفاصيل الحياة اليومية المألوفة لم يكن سردا مركبا، بل يكاد ان يبدو سردا بسيطا، لولا تلبسه بروح الشعر التي منحته القدرة على خلق قوة الجذب، التي تمنح القارئ شعورا خلابا مختلفا عما يمكن ان يحسه وهو يستعرض تلك التفاصيل بصورتها الواقعية المألوفة، وهنا تكمن قدرة الشاعر على تحويل المشهد الصوري الجامد الى مشهد كرنفالي ساحر، تحويل ما هو منظور الى ما هو متخيل، وما هو حقيقة الى ما هو حلم، وبذلك يمكن لهذا المشهد البصري البسيط أن يتحول الى مشهد مركب، فاعل، محمل بالقوة الجاذبة.
وفي نص (أشرب قهوتي وأغني) يقول رياض الغريب” حديقتي أمامي تماما/ تشبه حدائق اخرى في هذا العالم/صامتة بلا عصافير وحزينة/ شجرة الرمان الصغيرة/ قالت يبدو انك لا تدري/ضحكت/ وقلت لها أدري/أريد ان اتجمع/اريد فقط/ أن أتلمس بياض الحياة”
ومن خلال ما أوردناه من نماذج، يمكن لنا ان نستشف أن القصيدة اليومية لرياض الغريب تلتزم ببساطة اللغة، والحرص التام على الابتعاد عن المفردة الغريبة، ولكنها تقدم صورها بجمالية عالية دون ان تكلف القارئ عناء التأويل، فالخطاب لا يخرج عما هو مألوف ومتداول ومعاش في حياتنا، ولكنه يمتلك ايقاعه القادر على تحريك المستقر من الشعور، وخلق حالة من التفاعل الايجابي بين القارئ والنص، وهو ما يسمح لهكذا نصوص أن تترك اثرها الواضح زمانيا ومكانيا.

شاهد أيضاً

جغرافية المكان في الشعر العراقي
قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً
بقلم: د. وليد العرفي

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن …

في ذكري رحيل الأديب والمحاضر الجامعي د. حبيب بولس
“قرويات” حبيب بولس بين الحنين والجذور
حتى لا تضيع ذاكرة شعبنا الجماعية
نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل …

رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *