ناصر الثعالبي: هبهوب رجل في الزمن المر
هذه حكاية يتداولها الناس بين الميمونة وناحية السلام (1)

لم اعد اتذكر المسافة بين قضاء الميمونة و(الطويل) كما يسميها هبهوب والتي غير اسمها الى ناحية السلام، وكلاهما يقفان شامخان في مواجهة الماء . يحيطان الهور بحنان يغرق بين طيوره واجملها البرهان) (2) ، طائر يأخذ من القصب والبردي لونيهما. فيعانقهما بشوق المحب المهاجر.
وهبهوب رجل فلاح يمتهن زراعة الشلب وصيد الاسماك عندما كان الهور يستقبل شقاوتها عند(الزره) 03) (4) في اوج عافيته. تحمل كغيره الحياة الشاقة بصبر .لا يملك هبهوب غير كوخ احناه تقادم السنين فاسودت مداخله من دخان الموقد الذي لا استغناء عنه ، متآلفاً مع اطراف القصب التي تشبه الى حد ما رياش الملوك والأمراء ، فتشكل ثنائيا يثير الحزن والمرارة خاصة حين يكون المطر غزيراً بشتاء قارص. ذات يوم كان هبهوب منغمراً في عمله بحقل الرز، ينقل شتلاته حسبما طريقة الشتال. مرت سحابة من الدخان كثيفه، حملت معها رائحة ادمنت رئتاه على استضافتها منذ زمن بعيد. أصابته رجفة أسقطت حزمة الأرز الاخضر من يده. إنها المصيبه، قالها كأنه يستنجد ان تقصر المسافة بينه وبين كوخه الغافي على الشط، مكونا مع اكواخ اخرى مجمعاً متناثراً كأبقار مختلفة ألألون، سائبة دون راعي بأرض ينقصها التخطيط . حمل هبهوب طين قدميه معه محاولا ان يصل الى النار التي لم تصل كوخه بعد. كانت النار مستلذة بطعامها الجاف ، فاطلقت قهقهاتها لهباً، صوره هبهوب سخرية به لأنه لم يصل بعد! نظر الى قدمه قائلا ِهمْ ، نظر الى القدم الاخر متوسلا. من بعيد رأى اشباح الناس في حركة دائبه تلتف دوراناً بمحيطها مثل سورة ماء داهمها الإختناق، فطفح قسم منها تاركاً الدوران ملتفاًً بخيبة أمل. في الريف يهرع الناس جميعا للبيت التي تشب فيه النار، وهبهوب لا يريد لنفسه ان يتأخر عن النجدة، انها من قيم عصره وواحدة من شيم القوم، حين وصل لم يجد غير بيته وثلاثة بيوت احترقت. حضن زوجته وابنه مؤكداً فرحا خالطه الحزن .في زمنه كان التكافل الاجتماعي من تقاليد المجتمع . جاء القوم اليه طيبوا خاطره ثم كل واحد منهم اعطاه (باريه) (5) اوحزمة من القصب ليشيد كوخاً مؤقته
(ألأخبار في القرى والأرياف تصل أسرع من البرقيات! وصل خبر عن احتراق بيت هبهوب لأخيه. نظر الأخ إلى بيته الاسمنتي متفحصا شقوق البلوك (6) فيه ثم التفت الى زوجته طالباً بعضاً من المال متوجهاً لمساعدة هبهوب .

بعد لقائه سلمه المال متوسلا اليه ان ينتقل الى البصرة بالقرب منه قائلا: ها انت ترى ان الماء بدأ بالنقصان وها هي ألأهوار تجف فما بقاءك؟ . اعتذر هبهوب من اخيه لعدم امكانية انتقاله بسبب مديونيته للاخرين . متفقا معه انه سيرحل عند السداد. اقترح اخو هبهوب عليه ان يشتري عربة وحصان ويشتغل عليها للنقل والحمل. رحب هبهوب فرحا .

في الليل تسامت مشاعره محتضنا زوجته، لا مثلما الليالي التي مرت. كان دافئا حنونا يملأه صهيل الحصان القادم .
نهض مبكرا ليشتري العربة ذات الحصان. زوجته اعطته ديكا كبيرا يبيعه في المدينة ويشتري به بعض الحاجيات ويأكل كباباً، فقد وصفه جارهم بلذة سالت لعابهم عليه.

توجه مشياً مبتعداً عن الأكواخ مقترباً من ضفة الهور، تذكر أنه يجب أن يغتسل من الجنابه، فقد كانت ليلة البارحه فرح المستقبل القادم. ولا يصح البيع او الشراء وهو ليس طاهراً..
نزع كوفيته وربط الديك بها بعد أن لف النقود من الجانب ألآخر ، نزل إلى الماء بين القصب والبردي مبتعداً قليلاً كي لا يراه احد..
كان إبن آوى يراقب حركات الرجل ليس بعيداً عنه ، تسلل بخفة ورشاقة ليخطف الديك والنقود معاً، صعق هبهوب وركض وراء ابن آوى مخترقاً القصب والبردي مثل جرافة نشطه. مر ثلاثة شبان فوجدوا ملابساً لم تتهرأ بعد فتقاسموها . تعب هبهوب ورجع خائباً فلم يجد ملابسه. ضحك بمرارة (كانت عايزه التمت) كيف سيعود الى بيته وهو عار، ثم ماذا يقول عنه
الفلاحون ان رأوه هبهوب امسودن)) (7)
فكر طويلا وعثر على فكرة استوحاها من القوات الخاصة التي تهاجم ألأهوار ، لجأ الى الطين ، جعله ثوبه الساتر، لم يعد يعرف نفسه إن رآها، فقد جعل على وجهه إضافات لم يستطع نحات محترف أن يفعلها، فبدى كرجل من عالم آخر.
أنتظر غروب الشمس ليتسلل الى داره. ومن مسافة غير بعيده نظرت زوجته الى هذا الشبح .المرأة عرفت مشية زوجها،- كما يقولون المهرة تعرف خيالها -. رفعت كفها الى منتصف جبهتها ثم جعلته نصف قوس لتحصر الرؤيا صائحة (انت هبهوب لو موش انته) اجابها هبهوب :(هو انا) قالت( شبيك جايني مثل الطنطل)) (8)

قال لها (الوكت ردي) قص عليها ما حدث. وصل الخبر الى اخيه فسارع لنجدته كالعاده مقسما ان لن يتركه وسيعيش معه في البصرة . ارتاح هبهوب ليومين ثم بدأ بتعلم السياقه تنفيذا لإرادة أخيه الذي وعده بشراء سيارة حمل صغيرة بالتقسيط سيدفع مقدمتها هو..
تعلم هبهوب السياقة، وتعلم معها بعض الكلمات الفاحشه من معلمه السائق أيضا.
أستلم اخوه السيارة وجلبها اليه . وفي صباح طافح في السعادة ركب هبهوب السيارة وسط كومة من المستطلعين، في مقدمتهم زوجته ، وحين ادار مفتاح المحرك .زمجرت السيارة غاضبة وكأنها ترفض هبهوب، ثم خرج زفيرها دخاناً اسوداً وجمدت دون حراك.
صعد هبهوب الى سطح السيارة مؤشراً الى السماء بيده مخاطبا خالقه (ربي لو انا الله وأنت هبهوب هم أسوي بيك هيج)؟؟؟؟

(1) ناحية السلام وقضاء الميمونة: تابعتين لمحافظة ميسان
(2) الاهوار : مسطحات مائية تكثر في جنوب العراق ووسطه
(3) الشلب : الأرز
(4) الزره : مصطلح يتدوله اهل الاهوار توصيفاً لكثرة الاسماك خلال تكاثرها او هجرتها
(5) البارية : حصيرة القصب
(6) البلوك قطع مربعة او مستطيلة من الخرسانة يبني الفقراء بيوتهم بها
(7) امسودن : تعني مجنون في لهجة اهل العراق
(8) الطنطل اسطورة خرافيه لكائن يتقمص اشكالا احيانا مرعبه يتناقلها اهل الاهوار

شاهد أيضاً

بلا ضِفاف ..
كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي
العِراقُ _ بَغْدادُ

كَمْ هزّني الشوقُ إليك وأَفْلَتَ آهةَ اللظىٰ من محجريها كصهيلِ الخيلِ في الوَغى ينسجُ أثوابَ …

خمس قصائد✿
للشاعر الشيلي سيرخيـو ماثيـاس Sergio Macias
الترجمة عن الإسبانية عبـد الســلام مصبــاح

جــرة نبوخــد نصــر يَنْبُشُ فِي قَلْبِ الْخَرِيف لِيَسْتَرْجِعَ الْوَشْوَشَاتِ الْخَفِيَّة لِحَدَائِقِ بَابَلَ الْمُعَلَّقَة. الْجَرَّةُ التِي …

قناعة
بقلم رنا جعفر محمد

لقد تناولت جرعةً كبيرةً من كأس الخيال ، حتى سكرت وبت أرى كل شيء بعينٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *