الرئيسية » أدب رحلات » مهند طلال الأخرس: في المكتبة الوطنية الجزائرية(10-10)

مهند طلال الأخرس: في المكتبة الوطنية الجزائرية(10-10)

في التاسعة صباحا انطلقنا الى شارع محمد بلوزداد في منطقة الحامة الواقعة في جنوب العاصمة الجزائرية حيث مقصدنا باتجاه المكتبة الوطنية الجزائرية، وصلنا مقصدنا برفقة الفاضلة نبيلة عياد وابنتها اية صاحبة البسمة الدائمة، واية هذه الابنة الودودة خير مثال على صحة المثل القائل :”لكل صاحب اسم من اسمه نصيب”، فآية اية في البراءة والجمال والالفة والوداعة مع الناس على اختلاف اشكالهم والوانهم، تفوح منها رائحة البراءة في كل كلمة وفي كل خطوة، والاهم التأدب وحسن العشرة عند الاختلاط مع الاخرين، اية لا تكل ولا تمل من التجوال في كل الاصقاع حتى في تلك النواحي والمساحات التي تكبرها عمرا وعقلا، ومع ذلك لها قدرة عجيبة غريبة على التأقلم معها دون شكوى او تأفف، وفي احيان كثيرة ترافقنا بكل حب وفرح غامر حتى انك تشعر انها تعي وتعرف وتقدر ما انت مقدم عليه في امور تخص الثقافة والتاريخ…اية تلك الصغيرة ذات العشر سنوات تشعر لوهلة وانت تمعن النظر فيها بأنك تنظر الى قادم الايام من مستقبل الجزائر، فتدعو وتبتهل بأن يحفظ الله الجزائر واطفالنا. في شارع بلوزداد ذي المسارب المتعددة والتي تسير كلها باتجاه واحد نحو الشرق، نشهد صعود الشمس نحو الصباح، تظللنا عن يميننا حديقة بابلية تتسلق الجبل وتُكسبه اخضرارا ورونقا وتُكسبنا فرحة عامرة بهية ببهاء قلوب السائرين وبهيبة مقام الشهيد الذي يحمله ذلك الجبل… تحت ظل تلك السماء وفي تلك الحديقة الصاعدة نحو الجبل تشعر بجلال المكان وهيبته، فيجتمع لك التاريخ والجغرافيا ليصوغان لك معنى جديد لبهاء المكان… فأعلى الجبل يتربع مقام الشهيد شامخا بكل عنفوان، تصعد اليه العيون عبر حديقة محمد بلوزداد البابلية المعلقة، وتحتضن الحديقة التي تحمل ذلك الاسم جذور كل تلك الاشجار الباسقة والمرتفعة والتي تزين الجبل حتى اعلى نقطة فيه حيث يتربع مقام الشهيد. وانت تقف في ذلك المكان تشعر بروعة الاختيار لكل ذلك المشهد، فلحسنه وعظمته تحتار ، هل الاختيار كان موفقا وضمن مواصفات، ام انه اختيار القدر حين يبدع ويطبع قبلته على جبين الارض فيخص من يحبهم بجمال ذو طابع الهي يتحدث عنه التاريخ وتتكلم عنه الجغرافيا.. مجاز رهيب واقتران عجيب يحمله ذلك الجبل وذلك المقام القابع في ذلك المكان؛ فالجبل يحمل المقام، ويحتضن حديقته، ويشرف على المكتبة وحديقة الحامة “التجارب”، ويطل على البحر ، الجبل اكسب الاماكن كلها هويتها وطبيعتها، لكن وحده الشهيد محمد بلوزداد من اكسب المنطقة برمتها اسمه فأصبح اسمه واسمها اسما لمكان واحد هو بلوزداد… لم نتكبد كثيرا من العناء لرؤية كل هذا المشهد، فهذا مشهد تتناوله عيونك بسرعة وبكل حب، وهذا المشهد الذي تناظره من شباك السيارة او راجلا قد لا يستغرق دقيقة ، لكن حجم ما يعلق ويبقى في العيون منه كثير كثير، او كما يحلو لاخواننا الجزائريين بقولهم بزاف بزاف. عند بوابة المكتبة تدقق النظر عن يمينك في مشهد الجبل مرة اخرى ، تخاف ان تفوتك بعض التفاصيل، فالجمال هناك يخدشه النسيان، وكذلك التاريخ. تكتفي بما امتلأت عينيك به من جهة اليمين، فتلتفت يسارا، حيث يًدّ اية تُلوح لذلك الحارس الذي يرحب بنا حيث خاطبته نبيلة بقولها صفا صفا، وهي تحية اهل البلاد للبلاد والعباد، فيرد علينا تحيتنا زائدا عليها ابتسامة واذنا بالدخول الى ساحة المكتبة الخارجية حيث موقف السيارات. لم نجتهد في ايجاد مصف لسيارتنا، فالسيارات قليلة، مازحتني نبيلة بقولها وكذلك زوار المكتبة، صففنا السيارة وترجلنا واخذت خطواتنا طريقها باتجاه مبنى المكتبة وولجنا بابها الذي تزينه زخارف وخطوط عربية غاية في الروعة تحمل في ثناياها اسم المكتبة الوطنية الجزائرية، اعجبتني الزخرفة والخطوط التي تزين ذلك المدخل الرصين والمتزن فتأخرت عن نبيلة وابنتها دقيقة لا اكثر وأخذت صورة للمدخل وزخارفه وخطوطه، وسريعا التحقت بالركب، ابتسمت نبيلة وقالت ، وجدتك تدقق وتلتقط الصور للكتابات والخطوط والزخارف التي تزين المدخل، اجبتها بنعم واضفت، لقد لمع بذهني ذلك التحذير المعلق على مدخل مكتبة سان بدرو في برشلونة والذي يقول:”من يسرق كتباً، أو يحتفظ بكتب كان قد استعارها، عسى أن يتحول الكتاب الموجود في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يصاب بشلل ارتجافي قاهر وأن تشل جميع أطرافه، عسى أن يصرخ عاليا طالبا الرحمة، وعسى ألا تنقطع آلامه إلى أن يتحول إلى رمة متفسخة، وأن تعشش الديدان في أحشائه مثل دود الموتى الذي لا يفنى، وعندما يمثل يوم الدين تلتهمه نار جهنم إلى الأبد…”. ابتسمت نبيلة وغطت ابتسامتها بيدها لكن بعض الضحكات افلتت من تحت يدها، فسألتها عن السبب، فأجابتني : مهند اتزور المكتبات في كل البلدان التي تذهب اليها وتدقق فيما هو مكتوب على مدخلها؟ قلت، ليس الامر كما تتصورين، لكن كل ما في الامر ان هذا ما كنت قد قرأته في كتاب تاريخ القراءة لالبرتو مانغويل، كما جاء ايضا في هذا الكتاب قصة دوق ليبري مع سرقة نوادر الكتب من المكتبات العامة في فرنسا، حيث كان التعرض للكتاب بالسرقة أو التدمير الشغل الشاغل لعشاق الكتب حتى يقال إن البابا في القرون الوسطى جرم السارق كنسيا. استغربت نبيلة وابدت امتعاضها من غرابة تلك الكلمات وكم هي عجيبة ومخيفة، أجبتها بأن لكل شعب طقوسه وقناعاته والتي هي جزء من تاريخه، اما انا لو قدر الامر لي لكتبت على مدخل المكتبة ما قاله لقمان الحكيم :” إن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من وخز الإبر، وأمر من الصبر، وأحر من الجمر، وإن من القلوب مزارع، فأزرع فيها الكلمة الطيبة، فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها. إن الله إذا أراد بقوم سوء سلط عليهم الجدل وقلة العمل. يا بني إذا افتخرت الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك، يقول اللسان كل صباح وكل مساء للجوارح: كيف أنتن.. ، فيقلن بخير إن تركتنا”.

قالت نبيلة؛ جميل هذا النص ولكني اعتقد بأنه طويل اكثر من اللازم ليكتب على مدخل مكتبة واضافت؛ لو كان الامر بيدي لكتبت على مدخل المكتبة جملة بورخيس الشهيرة “تخيلت الفردوس على شكل مكتبة”، قلت لها: إلّا بورخيس يا نبيلة؛ فهو على تميزه كشاعر إلا انه مناصر لفكرة الصهيونية وله قصائد كثيرة مؤيدة لاسرائيل وخزعبلاتها التلمودية. امتعضت نبيلة وعلا وجهها الكثير من علامات التعجب والاستغراب، فقلت لها لا عليك بإمكانك ان تختاري مقولة اخرى فالكلمة لك وكذلك الجدار والبلد، ضحكت وقالت: الاسلم لنا ان نعود سيرتنا الاولى وان نستخدم شعارنا الازلي “وخير جليس في الزمان كتاب”، ابتسمت واخذتني خطواتي تجاه المصعد معلنا موافقتي على ما جادت به قريحة نبيلة واستجابة للمثل الفلسطيني القائل: “الضيف اسير المعزب”. لم ننتظر المصعد، فمكالمة هاتفية من حسيبة صديقة نبيلة وصاحبة الفضل بترتيب هذه الزيارة الزمتنا بالبقاء خارج المصعد لغايات عدم انقطاع البث، بالاضافة الى كوننا رغبنا بانهاء الحديث الجاري بيننا حول افضل الجمل او الكلمات التي كنا نرغب في ان نقرأها عند دخولنا للمكتبة، فتجاذبنا الادوار انا ونبيلة حول الاجمل والافضل من تلك الكلمات والنصوص والايات التي تلائم مجتمعنا وعاداتنا وتقاليدنا وتتفق مع قيمنا وديننا… لكن نبيلة عياد الفطنة والنبيهة لم يفتها ان تنهي الحديث بقولها: مهند انت تجرني الى ملعبك؛ تعجبت والبسمة تعلو شفتي والسؤال يغادرها وقلت، وكيف ذلك، قالت : مهند لسوء حظك لقد قرأت كتابك “تحت ظل القلم” وكان الفصل الاول منه والمعنون ب إقرأ يحتوي وعبر صفحات عديدة على كل فضائل القراءة والكتاب، حتى اني شعرت انها بحثا مستقلا، فلم تترك شاردة ولا واردة في القرآن او السنة او السير او التاريخ او الشعر والادب وحتى النوادر والحوادث الفارقة والعادات والتقاليد والامثال الشعبية التي تحث على القراءة والمعرفة وتحض على اقتناء الكتب إلا واوردتها في ذلك الكتاب، اوتُريدُ مني كلمة اعلقها على مدخل المكتبة، وقد اوردت انت كل ما يقال في هذا المقام!؟ ابتسمت وداعبت اية الصغيرة من شدة التحرج، وهذه كانت ايضا احدى ميزات اية المتعددة، فرغم صغر سنها فقد شكلت اية لي مخرجا للكثير من مواقف الاحراج التي انتابتني في هذه الرحلة وبالذات في هذه الزيارة. صوت كلماتنا وكذلك ضحكاتنا كان يتصاعد رويدا رويدا حتى ان حسيبة صديقة نبيلة اطلت برأسها من اعلى الدرج واخذت تلوح لنا وتحثنا على الصعود سريعا باتجاه المصعد، رددنا عليها التحية بمثلها، ولكن لم نمتثل لنصيحتها بركوب المصعد، فصعدنا الدرجات على مهل وكذلك اية الصغيرة، انتهزنا الفرصة واكملنا حديثنا عن كل النصوص المحفزة على القراءة، وعند الوصول انتبهنا الى ان اية بقيت خلفنا في منتصف الدرجات وقد خارت قواها واضناها التعب، عدت ادراجي واحضرتها لكن هذه المرة اعتمدنا المصعد طريقا اوحدا للوصول. سريعا وصلنا غايتنا، وجدنا حسيبة ونبيلة بانتظارنا، تعرفنا على حسيبة وتناولنا القهوة في مكتبها، وفي اثناء ذلك تصفحت بعض الكتب والمجلات الموضوعة على الطاولة، سررت جدا بان وجدت صورة القدس وخارطة فلسطين على بعض اغلفة الكتب والمجلات، قلبت الكتب اكثر لاح لي في الاسفل علم فلسطين يزين غلاف احد الكتب، اخرجته من الاسفل ووضعته على وجه الطاولة بجانب القدس وخارطة فلسطين، لم يحتج الامر بالنسبة لاية كثيرا لتتعرف على صورة القدس، واسعدتني اكثر عندما اخبرتني بلهجتها الجزائرية الدارجة بأن هذه القدس وبأن “اليهود سرقوها”، وما هي الا دقائق حتى اخبرتنا حسيبة بأن مديرة المكتبة الوطنية الجزائرية الاستاذة حياة قوني بانتظارنا في مكتبها، حثثنا الخطوات بإتجاه مكتب مديرة المكتبة الذي وصلناه سريعا. استقبلتنا مديرة المكتبة بكل حفاوة واحترام وتقدير، تجاذبنا اطراف الحديث وسريعا تعارفنا وسادت الالفة بيننا، وكالعادة كان لاية ابنة العشر سنوات ولابتسامتها الدائمة الاثر البالغ في ذلك. في الحوار مع مديرة المكتبة حياة قوني وبعد ان إطلعت المديرة على اسباب زيارتنا لهذه المكتبة اطلعتنا ابتداء على وظيفة وطبيعة عمل المكتبة ومهامها واهدافها، وابدت استعداد المكتبة الوطنية الجزائرية لاي عمل يخدم القضية الفلسطينية ويساعد ويساند في خدمة ذلك الهدف وتلك القضية، فاتفقنا على ذلك وعلى امل الوعد بالتواصل والمتابعة. هنأتُ الاستاذة حياة على هذه المبادرة نصرة لفلسطين وقضيتها، وقلت، لقد كان الراحل الكبير ياسر عرفات يقول لنا دائما: إذا ضاقت بكم الدنيا فاذهبوا للجزائر، فإن فيها شعبا وقيادة يحبون فلسطين كحبهم للجزائر. ابتسمت حياة وقالت: قد يكون من الجميل ان اخبرك ان مدير المكتبة السابق كان اسمه ياسر عرفات، تعجبت بفرح غامر وقلت لها، اعرف ان هناك مدير مكتبة اصبح رئيس دولة، وهو محمد خاتمي فقد كان مديرا للمكتبة الوطنية بطهران، وما ان نطقت بذلك الاسم او بتلك الصفة لا اعرف، لكن المهم انفجرنا جميعا من الضحك، واخذت مديرة المكتبة حيزا من الوقت لتستعيد قواها وتقول لي: لا لا، لا اريدها انا سعيدة هنا ولا اريد اكثر من ذلك. اختتمنا زيارتنا لمديرة المكتبة بأن قدمنا لها نسخا من كتبي الصادرة حديثا (الجرمق وتحت ظل القلم) حيث قمت بالتوقيع عليها واهدائها للمكتبة ومديرتها الفاضلة، حينها اخبرتني الاستاذة حياة بأن لهذه الكتب الموقعة بخط يدي قيمة تأريخية وارشيفية كبيرة لديهم! حيث افادتنا بأن كل الكتب التي يقدمها مؤلفوها واصحابها الى المكتبة الوطنية تحظى باهتمام وتقدير بالغين، اذ يتم عرضهن ضمن ارشيفات خاصة وفي عروض وبرامج خاصة، هذا عداك طبعا على انها تعتلي رفوف وزوايا مخصصة لذلك. اسعدنا واطرانا هذا التقدير للكتب المهداة وبالذات كتبي وعبرنا عن سعادتنا الغامرة بذلك، مما دفعنا لاخذ صورة تذكارية مع المديرة والكتب، فتوسطنا العلم وتوسدت اذرعنا جميعا نسخا متعددة من كتبنا الصادرة حديثا؛ الجرمق وتحت ظل القلم.

ودعتنا مديرة المكتبة الاستاذة حياة عند باب مكتبها وانتظرنا بمعيتها ثوان معدودة حتى حضرت فتاة اخرى، عرفتنا عليها مديرة المكتبة وعلى اسمها(نبيلة) الذي اضاف علينا لمسة من الدفىء ومسحة من الضحك، تداركت الفاضلة نبيلة عياد الموقف بعدةٍ من قبلات طرحتها على وجه مضيفتنا الجديدة قائلة لها: تشرفنا بيكي، انا ايضا اسمي نبيلة، داعبتهن مديرة المكتبة بقولها: يخلق من الاسم اربعين، واتبعت تلك الكلمات بقولها لنا: الاستاذة نبيلة ستأخذكم في جولة لتطلعكم على مرافق واقسام المكتبة المختلفة ولكي تطلعوا عن كثب على طبيعة عمل المكتبة، سررنا اكثر بهذه الحفاوة وهذا الاهتمام وودعنا مديرة المكتبة وانطلقنا في جولتنا بصحبة مضيفتنا الجديدة الاستاذة الفاضلة نبيلة. لخصوصية الاسم بين النبيلتين محاسنه والتي اضفت على زيارتنا جوا جديدا من البهجة والمرح، تمثل بكثرة الهرج والمرج فكلما نادينا على اسم نبيلة ردت الاخرى، وغالبا ما تكون المستجيبة للنداء ليست المقصودة، على العموم تحملت معنا مضيفتنا الجديدة الاستاذة نبيلة عبء التجوال والسؤال والتعريف بالمرافق والاقسام، وكان لها اطيب الاثر في ذلك. لم تمهلني مضيفتنا كثيرا لاكمل لها طلبي برغبتي بالحصول على مطوية او نشرة تعريفية بالمكتبة ونشأتها وتاريخها واقسامها وطبيعة عملها واهدافها، فكان ان فتحت مغلفا كان بيدها لتخرج لي منه اوراق مطبوعة تحتوي على نبذة عن المكتبة الوطنية الجزائرية، وكان اهم ما جاء فيها: تعتبر المكتبة الوطنية الجزائرية أقدم مؤسسة ثقافية بالجزائر، حيث يعود تاريخ نشأتها إلى يوم: 13 أكتوبر 1835 بموجب مرسوم من وزارة الحرب آنذاك التي كان على رأسها “جانتي ديبوسي”. وكانت المكتبة حين صدور أمر تأسيسها لا تحتوي أي رصيد، إلا أن المرسوم مهد لعمليات البحث والجمع التي أسندت مهمتها لأول محافظ للمكتبة “أدريان بيربروجيه” الذي كان يرافق الحملات العسكرية الاستعمارية إلى كبريات المدن الجزائرية ، فجمع ما يقرب من 700 مخطوطة في بادئ الأمر من مدينة قسنطينة والتي كانت النواة الأولى لرصيد المكتبة الوطنية الجزائرية، وأودع هذا الرصيد بمقر المكتبة الأول في بيت سكني بشارع “صولاي” سابقا بباب الواد ثم نقلت سنة 1838 إلى ثكنة عسكرية انكشارية بباب عزون، حيث بقيت هناك إلى سنة 1848. ومع ازدياد رصيد المكتبة ضاق بها هذا المقر أيضا، لذا كان من الضروري البحث عن مكان أوسع، فوقع الاختيار على قصر مصطفى باشا الواقع بشارع ” اميل موباس ” سابقا بالقصبة وكان ذلك في سنة 1863 و إلى غاية 1958. استمرت رحلة المكتبة الوطنية إلى أن فتح مقرها الجديد بشارع فرانس فانون بتليملي في أعالي العاصمة سنة 1958و لأول مرة منذ إنشائها تربعت المكتبة على مبناً يليق بها ، حيث قدرت مساحتها ب: 4800م بقاعة مطالعة تتسع ل : 450 مقعدا أما المخازن فكان مجموع طولها يقدر ب : 17 كلم ، تحتوي على 600.000 كتاب ، أما السعة الإجمالية للمكتبة فيمكن أن تصل إلى 2 مليون كتاب. وعلى إثر حرق المكتبة الجامعية في : 07 جوان 1962 في خضم أحداث التخريب من طرف جيش السري دخلت وحدات من الجيش الفرنسي على المكتبة لحمايتها من اعتداءات المنظمة السرية وفي هذه الأثناء كان العمال الأوروبيون قد غادروا المكتبة. بعد الإستقلال وفي شهر سبتمبر 1962 أسندت مهمة تسيير المكتبة الوطنية الجزائرية لـ: محمود بوعياد الذي قام بعملية هيكلة واسعة حيث أصبحت المكتبة الوطنية مقرا للإيداع القانوني وبدأت بنشر البيبليوغرافيا الوطنية الجزائرية . ومع تزايد عدد الباحثين وكثرة الطلبات لم يكن من الممكن أن يلبي هذا المقر حاجة القراء ، مما جعل السلطات تفكر في بعث مشروع لبناء مكتبة وطنية جديدة وفقا للمواصفات العالمية وتجهيزها بمرافق أفضل ، فتم اختيار حي الحامة جنوب العاصمة لتشييدها. فتحت المكتبة أبوابها للجمهور يوم 16 أفريل سنة 1996 بمناسبة يوم العلم ويتميز هذا المقر بمساحة ضخمة وهندسة عصرية حيث تبلغ مساحته 67000 م تتوزع على 13 طابقا وبلغت سعة مخازنها 10 ملايين مجلد وهي الآن تضم بين رفوفها مليون كتاب . ومع توفر هذه الإمكانيات والمرافق ازداد نشاط المكتبة فلم يعد مقتصرا على المطالعة فقط بل تعداه إلى احتضان الملتقيات والمحاضرات وتنظيم الندوات وإقامة المعارض وغيرها من النشاطات الثقافية، وعند هذه السطور بالذات بدا صوتي يعلو بالقراءة، وهو ما فهمت الاستاذة نبيلة مغزاه وقالت: قد يكون من المفيد اطلاعك على ان هذه الاروقة استضافت من جملة فعالياتها امسية كانت ولا اروع في ذكرى اربعين محمود درويش، حتى ان رواق الاداب والعلوم الانسانية دشن في ذلك اليوم وسمي بإسمه، هذا اضافة الى اقامة معرض مختص بفلسطين والكتاب الفلسطيني في تلك الامسية. تنهدت والفرح يغمرني خاصة عندما استرسلت مضيفتنا وهي تخبرني بأن هذه الاروقة والقاعات شهدت الكثير من الفعاليات التضامنية مع فلسطين في مناسبات عديدة، لكن كانت سعادتي الاكبر عندما وصلنا الى احد القاعات لتخبرني نبيلة بأن هذه القاعة ايضا شهدت حفلا كان الاضخم والاجمل والاكثر تأثيرا وكان ايضا لشاعر كبير أحب الجزائر كحبه لفلسطين وكان مدعاة فخر لي ان كنت مشرفة الحفل في ذلك الوقت من عام 2008، صمتت نبيلة لبرهة واستعادت دمعة كادت ان تفرّ من مخدعها وقالت: كانت تلك الامسية للشاعر الراحل اسماعيل شتات المعروف بابن الشاطىء… وتابعت نبيلة حديثها بصوت تحشرج وطلبت شربة ماء من القارورة التي تحملها اية، فشربت قليلا حتى ارتدت الدموع، وعادت لتقول تلك الجملة في تلك الامسية التي ما ان استذكرها حتى تنتابني نوبة من الحزن لا تنتهي إلا بالبكاء، استدرت وابتعدت خطوات قليلة لامنح نبيلة مواساة نبيلة الاخرى والشد من عضدها، لكن وما ان سمعت نبيلة بصوتها المتحشرج تنطق بتلك الجملة ” تقاذفته المدن وسكنته جيجل ” خُيل لي اني سمعتها قبل هذه المرة، عادت تلك الجملة ”تقاذفته المدن وسكنته جيجل” تتردد في اذني من جديد لا اعرف اهي ايقاعات الصوت والصدى ام هي احجية الموت الذي يلاحق الفلسطيني في آخر المدى…

استلمت زمام الحديث لاخفف من وقع الموقف على نفسي وعلى الجميع، وقلت لعلنا بحاجة جميعا لنوبة بكاء جماعي، قاطعتني نبيلة بالقول، انتظر حتى تسمع ذلك الرثاء في ذلك اليوم وتناولت جهازها الخلوي من جلبابها وبعد برهة اسمعتني
مقتطفات من حفل تأبين الشاعر اسماعيل شتات ابن الشاطىء:

“ابن الشاطئ الشاعر الذي حافظ على فحولة الشعراء وأنجز وحده مدن الكلمات، البحر عندما تحتجزه الشواطئ وتمتص أمواجه الرمال لا يجد هناك من شيء الا شاعر تبناه الشاطئ وقيده في سجل ميلاده الخالد، هو ذا الشاعر الفلسطيني الذي أحبته الجزائر وأحبها وكانت وحدها الشبيهة بفلسطين في قامتها التاريخية، ابن الشاطئ في يوم الأربعين من رحيله استوقفت المكتبة الوطنية الجزائرية روحه الصاعدة واسترجعت معه البدايات الأولى من قرية الجسير الواقعة بين مدينتي غزة والخليل ومنها إلى لبنان، سورية، القاهرة، ثم الجزائر سنة 1966 وكانت جيجل هي المدينة التي سكنته واحتضنته بعد ان تقاذفته المدن…
حينها هزتني الدموع، فبكيت …

لم تراعي نبيلة دمعاتي ولا حشرجتها، فلذت باية الصغيرة احتضنها لعلي اخفي بعضا من دمعاتي، لكن نبيلة استمرت في الحديث وفي التنقيب في جوالها عن مقطع آخر يهز ما تبقى فينا من دمعات، تدخلت نبيلة الاخرى بتادب جم بغية اخراجنا من هذا الوضع، لكن نبيلة الاخرى لم تترك مجالا لذلك ، وشغلت ذلك المقطع الغارق في الحزن والدموع :
” اسماعيل شتات الشاعر الذي تبناه الشاطئ..الشاعر الذي لم يجد وطنا فتبناه الشاطئ، تبناه ليكون قريبا من البحر، بحر الشعر، بحر العودة إلى فلسطين، في الشتات كسائر الفلسطينين أو أكثرهم، مزق الروح في شتات الاسم وابتعاد البلاد، فجاءه الموت اذ خانته العودة فكان يتكلم ولم يسكت إلى أن أغلق قلبه وعلى عرش السماء جلس… وعندما طلبوا منه أن يسكت مات …”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *