الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » طلال حسن: صفحات مطوية من الحركة المسرحية في الموصل (1)

طلال حسن: صفحات مطوية من الحركة المسرحية في الموصل (1)

مقدمة

في أواسط التسعينيات ، إن لم تخني الذاكرة ، اتصل بي الفنان جبار صبري العطية من البصرة ، وقال لي أنه بصدد إعداد بحث موسع عن المسرح في بغداد والبصرة والموصل ، وقال أنه أنجز ما يتعلق بالمسرح في بغداد والبصرة ، وطلب مني أن أكتب له عن المسرح في الموصل ، لعله يستفيد منه في بحثه الموسع .
لم أشأ أن أعتمد على ذاكرتي ، رغم أنني واكبت الحركة المسرحية في الموصل ، منذ أواسط الستينيات ، فلجأت إلى نقابة الفنانين ، وكان مقرها حينذاك في قاعة الربيع ، وفوجئتُ بأحد المسؤولين الإداريين يقول لي : ليس لدينا أي شيء عن المسرح في الموصل .
وقدم لي ملفاً لأحد الفنانين ، ليس فيه ما يسمن من جوع ، إلى تاريخ ومسيرة وفناني المسرح في الموصل ، هذه المدينة التي ولد فيها المسرح العراقي .
وفي أواخر الستينيات ، كتب أحد الأدباء ، وهو الأستاذ خضر جمعة حسن ، كتاباً نشره على حسابه ، عنوانه ” حصاد المسرح في نينوى ” ، وجوبه الكتاب بفتور ، وانتقادات كثيرة ، لكنه مع الزمن ، ورغم فقره ونواقصه العديدة ، صار مصدراً من مصادر الكتابة عن الحركة المسرحية في الموصل .
ومع مرور السنين ، وتقدم الحركة المسرحية في الموصل ، رغم كل الصعوبات والعثرات التي واجهتها طوال مسيرتها الشاقة ، والتي لعبت ظروف العراق ، وظروف محافظة نينوى بالذات ، الدور الأساس في تشكيل ملامحها المضطربة ، وخلق العقبات أمام استمرارها ، وتطورها بشكل طبيعي ، إلا أنها ظلت تفتقر إلى البحوث والدراسات الموضوعية الدقيقة ، التي تواكب هذه المسيرة ، وتقيل عثراتها ، وتساهم في رسم الطريق الصاعد لها ، عدا بعض الدراسات القيمة التي قدمها الفنان موفق الطائي ، من داخلها فهو واحد من الفنانين الجادين ، وقد ساهم مساهمات فعالة ومبدعة في هذا الحراك المسرحي ، فهو يعمل في مديرية النشاط المدرسي ، وشارك في العديد من المسرحيات ممثلاً ومخرجاً مبدعاً .
وكتابي هذا ، إذ لا يدعي الإحاطة بمسيرة المسرح في الموصل ، في العقود الهامة التي تناولها ، إلا أنه يسعى إلى المساهمة ، ولو بقدر ضئيل ، في تعريف الأجيال المسرحية القادمة ، بجهود وانجازات من سبقهم من الفنانين المسرحيين ، كما أرجو أن يحفز المسرحيين الجدد ، المسلحين ليس بخبرة الماضي فقط ، وإنما بدراساتهم وتجاربهم في معهد الفنون وككلية الفنون ، على المضي قدماً ، على طريق بناء مسرح متقدم ، يكرس قيم الإبداع والتقدم والحرية .

ما قبل البداية

البداية ، مهما كانت ، لا تأتي اعتباطاً ، إنها قد تأتي مبكرة ، وقد تأتي متأخرة ، لكنها في جميع الحالات تأتي ، إذا توفرت الاستعدادات الكافية لها .
إنني الآن ، في نظر الكثيرين ، مسرحيّ معروف ، ليس على نطاق الموصل فقط ، وإنما على نطاق العراق ، وربما الوطن العربي أيضاً ، فقد أتيح لي أن أبدأ مسرحياً ، وكانت البداية مشجعة ، وإن اكتنفها الكثير من العثرات والعقبات والصعوبات .
لكن ما قبل البداية ، كانت تجربتي متواضعة جداً ، فأول مسرحية شاهدتها على المسرح ، كانت مسرحية طلابية ، وباللغة الانكليزية ، وكنت وقتها في الصف الرابع الثانوي ، مثلها مجموعة من الطلبة ، ومثلها معهم أستاذ اللغة الانكليزية ، وكان شاباً وسيماً خجولاً من انكلترا ، يشبه الممثل الأمريكي المعروف جيمس دين .
أما أول مسرحية قرأتها في حياتي ، فكانت مسرحية ” سالومي ” ، للكاتب الانكليزي المشهور اوسكار وايلد ، ومن غرائب الصدف ، أن ابنتي ، وهي تحمل شهادة الماجستير في الترجمة ، قامت بترجمة بعض القصص عن الانكليزية ، وكانت أول مسرحية تترجمها ، وتطبعها في كتاب ، هي مسرحية سالومي .
وبعد تخرجي من الصف الخامس ثانوي ، عينت مباشرة معلماً مستخدماً في مدرسة ابتدائية في قضاء القيارة ، التي تبعد حوالي ” 50 ” كيلومتر عن مسقط رأسي في الموصل .
وبذلك أتيحت لي فرصة كبيرة للمطالعة ، ووقع بين يدي وقتها ، كتاب صغير أنيق من مطبوعات دار التقدم في موسكو ، عنونه ” الشقيقات الثلاث ” ، وكان مسرحية للكاتب الروسي المعروف أنطوان جيكوف ، الذي لم أكن قد قرأت له من قبل أي شيء .
ولعلي اقتنيت الكتاب ، لجمال شكله وطباعته ، ولأني أيضا أحب الأدب الروسي ، ممثلاً بكتابه العظام ، أمثال ليو تولستوي ، وتورجنيف ، وفيدور دستوفسكي ، ولرمنتوف ، وبوشكين ، وغوركي ، مؤلف رواية الأم ، التي كانت لها شهرتها العظيمة يومذاك .
وقرأت المسرحية ، وانتابني الملل منذ الصفحات الأولى ، وتوغلت في صفحاتها ، لعلي أجد فيها ما يثير ، أو يبعث على التشويق ، لكن لا فائدة ، فالأحداث ـ كما رأيتها ـ بطيئة باردة ، والشخصيات عادية ، لا تقارن بشخصيات تولستوي أو دستويفسكي أو غوركي .
وفي العطلة الصيفية ، وقعت في يدي مسرحية بعنوان ” عربة اسمها الرغبة ” وكانت لكاتب أمريكي اسمه تنسي وليمز ، لم أقرأ له أي شيء من قبل ، وقرأت المسرحية ، ورغم أنني لم أتفاعل مع صفحاتها الأولى ، إلا أن الصفحات التالية ، بشخصياتها المثيرة وأحداثها الساخنة ، المليئة بالصراع والتشويق ، جذبتني إليها ، وحببت المسرح لي ، حتى أنني ذهبت في اليوم التالي إلى شارع النجفي ، شارع المكتبات في الموصل ، واشتريت كلّ ما وقع تحت يدي من المسرحيات .
وأذكر أن من تلك المسرحيات ، التي ابتعتها من المكتبات ، مسرحية ” الخال فانيا ، ومسرحية سيرانو دي برجراك ، ولم تعجبني كلتا المسرحيتين ، وخاصة مسرحية ” الخال فانيا ” ، التي لم يكن رأيي فيها بأفضل من رأي في مسرحية الشقيقات الثلاث .
وبعد سنين عديدة ، وبعد أن عرفت المسرح على حقيقته ، عدت إلى جيكوف ، فقرأت مسرحاته القصار ، ثم قرأت النورس ، وروح الغابات ، والشقيقات الثلاث ، والخال فانيا ، ثم جوهرته الخالدة بستان الكرز ، التي قرأتها مرات عديدة ، وقرأت ما كتبه عنها مخرجها الفنان الروسي العظيم ستانسلافسكي ، وعرفت أن أنطوان جيكوف لا يقل عظمة عن شكسبير وابسن وبرناردشو وبكت وبرخت ويونسكو واونيل ، إن لم يكن أفضل منهم على الإطلاق .
وفي أول الخريف ، من ذلك العام ، على الأغلب ، وقعت في يدي ، مسرحية مذهلة رسخت عشقي للمسرح ، ودفعتني للغوص في أعماقه ، ألا وهي مسرحية ” الذباب ” للكاتب الفرنسي الوجودي جان بول سارتر ، لكني في الحقيقة لم أفهم المسرحية أول الأمر ، فأخذت أبحث عما كتب عن الوجودية ، ووجودية سارتر بالذات ، وقرأت المسرحية ثانية ، فازداد إعجابي بها ، وأدركت ما يرمي إليه بها ، خاصة وأنه كتبها أثناء احتلال النازيين لعاصمة وطنه باريس .
هكذا عرفت المسرح ، وانخرطت في أواره ، فكتبت بعض المسرحيات للكبار ، ثم كتبت للأطفال والفتيان ، وقد عُرفتُ ككاتب أطفال ، حتى كتبت عن مسرحياتي للأطفال والفتيان رسالتا ماجستير وأطروحة دكتوراه ، والعديد من البحوث والدراسات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *