ميرنا ريمون الشويري: سماتُ الأدبِ الماسونيّ

لا توجد قوى اليوم أخطر من الماسونيّة، لأنّ قوّتها غير مرئيّة، وهي متغلغلة في كلّ الأماكن .
تعرّف موسوعة البريتنيكا الماسونيّة بأنّها التعاليم والممارسات لأكثر منظّمة سرّيّة منتشرة في العالم.
تعتبر بريطانيا من أكثر الدول التي ساعدت في نشرها ، ويبلغ عدد أعضاء الماسونيّة في القرن الواحد والعشرون بين مليونين وستة ملايين.
بالتأكيد قوى بخطورة الماسونيّة تدرك أهمّية سلطة الكلمة على الرأي العامّ، و بالتالي أهمّية الأدب أيضًا وتأثيره. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل هناك أدب ماسونيّ ؟
إنّ مصطلح الأدب الماسونيّ استخدم لأول مرّة من قبل الكاتبين ن ك بيكسنوف و ب ن سوكلين. لكن غالبًا ما يشير هذا المصطلح إلى كلّ كتابات الماسونيين.
إنّ البعض مثل الكاتب أندريس أونرفورس يشكّون بدقّة هذا المصطلح، لأنّ معظم روّاد الفكر في القرن الثامن عشر أي عصر التنوير كانوا ماسونيين، وأهمّهم الكاتب فولتير.
على الرغم من أنّ هذا المصطلح مثير للجدل، لكنّي أعتقد أنّ للحركة الماسونيّة أدبًا خاصًّا بها، ولها خصائص تميّزها عن المدارس الأدبية الأخرى.
السّمة الأولى : هي ارتباط هذا النوع من الأدب بالسلطة السياسيّة، ففي روسيا مثلًا، أيام كاترين العظمى، منع نشر كتب الأدب الماسونيّ وخاصّة للكاتب نيكولاي تيانوفيتش، وهكذا اختفت كتابات الماسونيين، وبالتالي الأدب الماسونيّ من المشهد الثقافيّ في روسيا. لكن في عهد الإسكندر الأول لعب الماسونيّون دورًا مهمًّا في المشهد الثقافيّ في أوروبا، وذلك بعد خسارة نابليون بونابرت، والسبب الأساسيّ هو أنّ روسيا لعبت دورًا قياديًّا في خسارة نابليون، وأنّ دخول الجيش الروسيّ إلى باريس عزّز احتكاك الماسونيين الروس بإخوتهم في فرنسا، وهكذا كان للكاتبين الماسونيين الروس نيكولاي تيرغنيف والكسندر ديمرتريف تأثير كبير على معظم الكتّاب الاوروبيين.
السّمة الثانية لهذا الأدب: أنّه يتضمّن الأسرار غير المكتوبة للتوراة، وتدعى كابالا ، و تعرّف البريتانكا الكابالا اليهودية بأنّها ” تعليمات تشرح العلاقة بين الله و المجهول والمخلوقات غير الخالدة “.
لقد أعجب الكتّاب الألمان بالبنية اللغويّة للكابيلا الماسونيّة، فاعتمدوها أساسا لبنية اللغة الشعريّة. وفي سنة 1799 قال الفيلسوف والشاعر فريدريك سيدجليغال Fredrick Schlegel ) الكابالا هي الرّوح الفنيّة للشّعر.  (Onerforos, 50) 
السّمة الثالثة: هي اهتمام الكتّاب الماسونيين بالأرقام وربطها بالكابالا . وكانوا يستعملون الأرقام لتبادل الرسائل الخفيّة بين أعضاء الماسونيّة . فكان مثلًا عندما يزور الكاتب ألكسندر بوشكين بلدًا أوروبيًّا ما يضع الصحفيون الماسونيون خبرًا ما على رقم معيّن من الصحيفة متّفق عليه، فيعرف الماسونيّون بقدومه.
في رواية ليو تولوستوي “الحرب والسلام” يكشف أحد الماسونيين الرواية النبوءة المتعلّقة بنابوليون، وهي أنّ “الوحش” أي نابوليون مجموع أحرف اسمه إذا رقمت الأحرف الفرنسية كاليهودية ف هو 666.
إذًا بالنسبة إليهم فإنّ نابليون هو “الوحش” الذي تنبّأ به القدّيس يوحنا.
إنّ ربط الكابالا بعلم الأرقام أدّى إلى ارتباط الأدب الماسونيّ بالقمار. ففي رواية بوشكن ملكة السباتي تسأل إحدى البطلات بطل بوشكن بيار: ” لديك ثلاث جدّات وأنت لم تتعلّم مبادئ الكابالا؟”  (Pushkin, 8)

 إنّ انجذاب الأدب الماسونيّ إلى الأرقام يظهر في قصّة Segeliel للكاتب فلاديمير أودوفسكي إذ إنّ الطبيب الفيزيائيّ لديه قوى شيطانيّة تخوّله أن يملأ الغرفة بالأحرف والأرقام، فيسحر موسيقيّ بتعليمه أرقام الكابالا بعد أن أقنعه بأنّ هذا سيزيد من فهمه بتناغم الموسيقى وانسجامها . لكن النتيجة كانت سيّئة، لأنّ الموسيقيّ عندما يتعلّم أسرار الأرقام يخسر مشاعره البشرية .
في سنة 1830 إنّ لفظة كابالا ارتبطت بالسّحر الأسود ، ففي رواية نيقولاي غريتش المرأة السوداء تتّهم البصارة اليهودية بأنّ الشّيطان يعيش تحت لسانها، ويتكلّم عبر الكابالا.
السّمة الرابعة: أنّ الأدب الماسونيّ يعكس مجتمعات هي يوتوبيّة يقول المؤرّخ الروسي Grigorii Gukouskii عن الأعمال الماسونيّة :”اخترعوا في كتاباتهم  يوتوبيات عن بلاد رائعة يحكمها قديسون، والجميع سعداء، ولا يوجد فقر و لا ضرائب”(Morris,40) 

 السمة الخامسة هي: ذكر رموز الماسونيّة ، مثلا حرف الG
النّجمة السداسية و الزاوية والفرجار، ففي مغامرات شارلوك هولمز يذكر الخاتم الماسونيّ، وهذه المغامرات تعكس انتشار الماسونيّة بين أفراد الطبقة الوسطى في عصر الملكة فيكتوريا التي تولت العرش سنة 1837
السمة السادسة للأدب الماسونيّ، هي تنوع أنواعه. يؤكد الكاتب A.I.Serkov إنّ للأدب الماسونيّ أنواعا مختلفة عن الآداب الأخرى وهي كالتالي:
1أدب تعليميّ للأجيال الماسونيّة المستقبليّة
2الأعمال الماسونيّة التي تكتب للأخوة الماسونيين، وتقرأ فقط في المحافل الماسونيّة.
3الكتابات النقديّة التي تعرض في المحافل الماسونيّة
أوافق الكاتب أنّ ما ذكره يعتبر من ضمن الأدب الماسونيّ، إلا أنّه لم يذكر الأنواع الأخرى كالروايات التي ناقشتها، ولم يذكر أيضًا المسرح الماسونيّ وأهمّها كما يقول الفرد دود مسرح وليم شكسبير.
أوافق ألفرد دود بأنّ شكسبير كان ماسونيًّا” وأيّ قارئ للأدب الإنكليزيّ يدرك أنّ حياة شكسبير كان يحيطها الغموض، وكما يؤكد دود أنّ في مجموعة أعمال شكسبير كلّ مسرحياته تنتهي بالأرقام 157 أو287 ، ومن المعروف أهمّية الأرقام في الماسونيّة. ويعتمد دود في دراسته على الكثير من مقولات شكسبير التي تتقاطع مع الفكر الماسونيّ، وأهمّها في مسرحية هاملت إذ يقول: “سوف أجد الحقيقة مع أنّ الحقيقة مخبّأة في الجوهر”
كما أنّ سيركوف لم يذكر شيئًا عن الأغاني التي وجدت في مركز كانونبيري الماسونيّ، والذي كانوا يغنونها وهم يمسكون أيادي بعضهم حول طاولة دائريّة، و عندما ينتهون من الغناء كانوا يقفزون عاليًا.
من إحدى الأغاني التي كانوا يبدؤون بها طقوسهم ، تقول:
أيّها الناسُ الجيّدون اسمعوا
لأنّ الحقيقةَ ستظهرُ
بالرغمِ من احتقارنا لظلّ الحقيقةِ، لكن
لا يظهرُ احتقارُنا على وجوهِنا
لقد تكاسلْنا كثيرًا
و التهينا بأمورٍ تافهةٍ
لكنْ نحنُ ماسونيّونَ أحرارٌ
STEWART 8
إحدى الأغنيات نشرت في سنة 1763 في ديفن تغنّى بعد انتهاء الطقوس في المحفل:
بعد أن ننتهي من أشغالنا
نحن نفرحُ ونغنّي
والمعلّمُ الكبيرُ يشربُ نخبنا
وملكنا هو جورج الثالث
(Stewart 8)
هنالك الكثير من الأنواع الأدبيّة، لكن أعتقد بأنّ الأدب الماسونيّ هو الأخطر، لأنّه مرتبط بسياسة الماسونيّة الخطرة، لذلك إنّ ملامحه غير واضحة، وأهدافه سرّية، و ربّما لذلك يتّهم بعض الكتّاب أحيانًا زورًا بأنّهم ماسونيّون، كالكاتب باولو كويلو مثلًا الذي اتّهم بأنّه ماسونيّ بسبب اقتباس الكثير من الكتّاب الماسونيين من كتابه الخيميائي بالرغم من أنّه ليس ماسونيًّا.
هذه هي الخطوط العامّة للأدب الماسونيّ، وتحتاج كلّ نقطة منها إلى التوسّع و الاستفاضة ، لكن نظرًا لقلّة المراجع والدراسات في هذا المجال فإنني أكتفي بهذه الخلاصة التي ترسم الملامح العامّة لهذا النوع.

 

Arthur, Fredrick. Masonic References in 20th Century prose. Grand Lodge.

Dodd, Alfred. (2001). Shakespeare Creator of Freemasonry. London: Rider.

Stewart, Trevor. Canonbury Papers. (2003) . Freemasonry in Music and Literature.

Morris, Brent.( 2014). Freemasonry in Literature. Scottish Rite.

Önnerfors, Andreas. (2009). Freemasonry and Fraternalism in Eighteenth-Century Russia. The University of Sheffield.
Pushkin, Alexander. (2005). Wildside Press.

شاهد أيضاً

ثورة الإحساس وصرخة الضمير والشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم الأديب والإعلامي: أحمد لفتة علي -بغداد

* الطاقة الفكرية الجمالية تحرك الراكد . * ما هي عقلية القرون الوسطى التي ينبغي …

الإبـــــداع الشعــــري والطـاقــة المحـبوسـة
د. خـيرالله سـعـيد*

قـراءة في القصيدة الملحميّـة ” باطـن منـكب التيـس” للشاعرة الهـولندية أنّــامــاري إســتر . ترجـمة المسرحي …

ميثم سلمان: المعمار السردي في رواية (حجاب العروس)

الرواية لا تعتمد على قوة الحكاية فقط، بل تعتمد أيضا على كيفية سرد تلك الحكاية. …

تعليق واحد

  1. لقد اعجبني موضوعك الا وهو الادب الماسوني لقد بحثت كثيرا ولكن المصادر قليله جدا واني افكر بان تكون اطروحة الماجستير عنه
    هل بالامكان اعطاء معلومات اكثر عن الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *