مقداد مسعود: تعاضد الدلالة في (مكابدات الشجر) للشاعرة بشرى البستاني

الشاعرة بشرى البستاني
إتصالية اللوحة والنص الشعري
                                      -1-
الشاعرة والناقدة الدكتورة بشرى البستاني ،طاقة ابداعية بمديات بعيدة وعميقة وهي تواصل توسيع مديات منتوجها عبر التنويع على المستويين الشعري والنقدي ،تلتقط الحقيقي الجاد وتنصفه
من خلال ألإشتغال النقدي بمنهجية دقيقة ،واجمل مافي هذه المنهجية،خلوها من جهامة القيافة ألأكاديمية،هل لأن الناقدة
تحبر مقالاتها من حدائق قصيدتها ؟ وهي في قصائدها تلتقط
ألألم العراقي، وتغسله بحنو ألأمهات العراقيات، اللواتي يفتحن
كل ألأقفال بالعفو والمغفرة،وحين تتأمل في المرايا،لاترى ناصعا
وكريما مثل الغد،وهو يضع يده على كتف الوطن ليقوده الى ابواب
لايطرقها غير صديق حميم…
                            *
يتأطر إشتغال قراءتنا، في تفعيل إتصالية بين هدب من أهداب النص،والهدب  المعني هنا وجه الكتاب،المتكون من لوحة الغلاف والمسطور عليها،وبين قصائد
المجموعة الشعرية، ونرى ان ألإتصال يتضافر  لينتج ضفيرة واحدة متماسكة
ورشيقة….
 
..تلوين ثريا المجموعة الشعرية (مكابدات الشجر)للشاعرة الدكتورة بشرى البستاني
باللون ألأحمر ،له وظيفته العلاماتية الدالة.والعلاقة بين الدال (مكابدات) والمدلول توحي بهذا اللون .فألأحمر هو المفعل في العنوانات الفرعية :
(قصيدة العراق /ألأسوار / بأنتظار القصف / أحزان الغضى / موسيقى عراقية / قصيدة بابل /) ..نلاحظ أن أسم جمع المؤنث السالم ،لايكتفي بنفسه ،بل يكتمل بالمفردة التالية..(الشجر)..ذلك لأن مكابدات وحدها نكرة،لكن مجيء كلمة (الشجر)
بعدها،تجعلها : معرفة..اذا بالمضاف اليه (الشجر) يعرف المضاف النكرة
(مكابدات )
..بعد ألإنتهاء من قراءة المجموعة الشعرية،نرى أن هذه ال(مكابدات )
ليست بالمنفعلة بل هي فاعلة و تدعو الى النقيض ألأيجابي فهي بألإنساني (الشعر)
ترد على الوحشي :القصف.فالبشعر وبالشعر وحده لابالهيمنة الكونيالية،نكمل نقص
العالم،الذي نحيا فيه،ومن أجله..ومايجري في غابة العولمة ،لايعني أن غدا أو بغد
ستكون نهاية العالم..
أن الذات الفاعلة تتحكم بالمعنى،وفي ذات الوقت تمسك بكل المعاني المحتملة.
 
 
-2-
بألأخضر ألإنساني كما هي منكتبة مفردة (شعر) تحت ثريا المجموعة الشعرية..
في لوحة الغلاف،ولتدوين المفردة (شعر) وظيفة أجناسية فهي تكشف للقارىء عن
أجناسية العمل ألأدبي،حتى قبل أن يقرأ..بألأخضر يكون الرد على الرصاصي في
كل تدرجاته اللونية ،ذات ألأزدواج القيمي،فهناك تدرج في كمية الضوء وتدرج في القيمة اللونية.
-3-
العنوانات الثلاثة:
*أسم الشاعرة…
*.. المجموعة الشعرية..
* ..جنس العمل ألأدبي…
 هذه العنوانات ..تفترش الجزء ألأعلى من لوحة الغلاف..اللون الرصاصي هو فرشة اللوحة ،في الجزء ألأعلى اللون الرصاصي..صريح لاشائبة تشوبه..في الثلث
الثاني من اللوحة ..اللون الرصاصي يشوبه السواد..في الجزء ألأخير..تشوبه الصفرة..
أن المعنى ألإيحائي للتدرج اللوني المزدوج يجعلنا نستروح ألأغبرة التي تبثها ألأسحلة الفتاكة أثناء الحرب..فالسماء رصاصية ..ومن الرصاصي المشوب
بالصفرة تطلع مائلة جرداء وحيدة :شجرة صلعاء تمد بقية أصابعها نحو ألأرض الجرداء..اعني ألأرض المجردة من الخضرة بفعل القنابل.
على جذع الشجرة..لطخة خضراء كالأمل..لاأحد مع الشجرة في مكابداتها سوى ظلها النحيل على ألأرض..علاماتيا هي شجرة مفردة..لكنها مفردة بصيغة اشجار..هي الشجر العراقي كله,
-4-
من هذا التجسيد الكلي ينهض السؤال التالي: ثريا المجموعة الشعرية..هل تجسد
قصائد المجموعة؟..ونحن نقرأ عنوانات القصائد ،لم نجد قصيدة تحمل عنوان المجموعة…اذا الثريا ليست بالعنوان الملفوظ،لكننا سنعثر على عنوان مجاور لذلك
في قصيدة(أحزان الغضى) والغضى كما جاء في المعجم الوسيط: شجر من ألأثل خشبه من أصلب الخشب وجمره يبقى زمانا طويلا ولاينطفىء،والغضا أسم الجمع
مفرده غضاة وأحزان الغضى هي أحزان نوع واحد من الشجر،أما المكابدات فهي المعاناة الشديدة وهي تشمل الشجر كافة..لو كان العنوان(مكابدات شجر) لبقي الشجر مجهولا بالنسبة للقارىء!! أي شجر هو المعني؟..لذا جاء (ال) شجر
لالينقله من حالة النكرة الى المعرفة وحسب،بل لينقله من الخاص الى العام.
-5-
تحاول قراءتنا العثور على المعنى ألإيحائي للعنوان الرئيس،من خلال أنتخابنا لنماذج شعرية:
*(الجبال صبايا
   تجز ضفائرها الطائرات ):————– اشارة الى وحشية آلاخر/الكونيالي
*(فيا شجرا لايهادن
ياشجرا يستفز الرياح).————- —- — دلالة المكابرة
*(أتهاوى الى القاع
   أصعد عبر الجذوع ) —————– الشجر هنا وسيلة يعين على ألإرتقاء
*(في جذع لوز
يخبىء تاريخ آشور)———– الدلالة هنا تشير الى زمن جماعي مشرق.
*(أبصر تاريخ حبي على السنديان )—– اشارة الى زمن شخصي خالد
*(أعطتك هذه السنديانة ذاتها
   وهبتك عرشا ) ——– نرى القوة ذاتها مع اتساع مدياتها ذات التميز الحضاري  …ثم تنتقل الشاعرة بشرى البستاني من التميز السالف ،الى تفرد الهوية الوطنية
  (عراقية السعفة الشاردة )
 
-6-
من خلال ما أنتخبنا من أسطر شعرية، نرى ثمة آصرة اتصالية ،أفردت تعاضدا دلاليا،بين صورة الغلاف وبين العنوان الرئيس،لقد رأينا الشجر، متألما ومكابدا
حد التفرد في مكابداته..
فنيا نرى أن السمة السائدة شعريا هي أن ذات الشاعرة مند مجة ،بل متماهية في الذات الجمعية..لم نعثر على ألأنا أو على بروزاتها الخاصة.
الشاعرة بشرى البستاني حاولت أن ترصد مايواجهه الوطن آلآن وفي الوقت نفسه
مارست حفرا عموديا في الزمن الماضي..لتتضوع رائحة الوطن الزكية.
إذن.. كان الرصد مزدوج القيمة، من الجهة الفنية ان هذا الرصد المزدوج
بث غوايته الشعرية، وأصبح التراكم الشعري وظيفة الدوران حول المعنى
الواحد،بأستثناء:(ألأسوار) (بأنتظار القصف ) (أحزان الغضى) فقد أتسمت
هذه القصائد بالتكثيف الشعري الجميل.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.