زمنٌ لا بدّ أن يَغرُب في (إنجيل زهرة) للروائي نبيل ملحم
عبد المجيد محمد خلف روائي وناقد- سوريا

هواجس الروي
هواجس كثيرة تنتاب بطل الرواية (يوسف) – (في رواية إنجيل زهرة، للروائي نبيل ملحم، إصدارات رياض الريّس للنشر، الطبعة الأولى، 2019، وتقع في 366 صفحة من القطع المتوسط) – الذي يبدأ بسرد حكايته مع امرأة هي (سلمى) التي ربما جاءت في اللحظات الأخيرة من عمره إليه كهبة ربانية ليكمل المشاهد التي كانت يوماً ما موجودة في حياته، وقد تحوّلت بمرور الزمن إلى ذكريات سكنت في أعماق قلبه، وروحه، ورفضت أن تغادره لحظة واحدة، فيشعر بأن الحياة توشك أن تنتهي، وأنه لا بدّ من أن يقول كلمته الأخيرة قبل أن يمضي في دربه نحو النهاية التي فتحت ذراعيها له لتحتضنه بقوة، فتخلصه من تلك الذكريات التي كان يحملها معه أنّى مضى، وأن الوقت قد حان ليخرج كل ما في قلبه للآخرين، من خلال محاورات كثيرة بينه، وبين سلمى التي جمعته بها صدفة لم يكن يتوقعها، مثلها مثل جميع الأحداث التي جرت معه، لتنضم هي أيضاً إلى قافلة تلك الأحداث، وتصبح جزءاً من الرواية التي كانت تنتابه هواجسها لرويها، ليبدأ يوسف بسردها، ليرتاح من الهموم التي كانت تثقل كاهله بقيود ثقيلة، وتلحّ عليه كل مرة ليستعيدها في روحه، ولتكون سلمى هي المفتاح، والسبب الذي دفعه بعد كل ذلك العمر إلى فتح باب الذاكرة لينهل منها، ولتساعده في إخراجه من دوامة العمر التي عاش فيها، فيخرج بالكلام كل شيء، ويرتاح بذلك الكلام، و”يقايض الكلام بالوقت” على حدّ قوله، ويتمكن به من التخلّص من الآلام التي كان يعاني منها في زمن مضى، جعلته يعيش في زمنين، وغير قادر على تجاوز عتبة أي منهما، على الرغم من أن سلمى نبّهته إلى ذلك مراراً، فهو لا يعرف طريقاً للقتل، و(زهرة) التي سميت الرواية باسمها لا تزال حيّة، إلا أن المشكلة عنده هو فقط؛ لأنه يعيش في ركام الذاكرة، وزهرة لن تتذكره، وهو وحده يشكل الزمن الذي لا بدّ من أن يغرب، ويغادر الحياة، إلا أنه لم يكن يستطيع الاستماع إلى صوت العقل منها، ويصرّ على التمسّك بتلك الذكريات التي كان مسيطرة عليه، حتى جعلته تمثالاً جامداً، ولا حياة فيه: “زهرة لم تمت يا يوسف… أنت لا تعرف طريق القتل، غير أن الجريمة لا تأتي على الدوام من طيف القبر… زهرة لا تزال حيّة، تعبث بحياتها، وأنت قتيل العزلة، أنت تقيم بين زمنين، زمنك وزمن زهرة بعد ذلك أنت تمثال…”.
رغبة أخيرة
كانت تنتاب سلمى رغبة عارمة في أن يكتب يوسف حكاية (زهرة)- ابنتها من (عازف الترومبيت) في الملاهي الليلية، والذي تركها، وسافر إلى (أمريكا- شيكاغو)، وترك ابنته زهرة معها، لكنها لم ترض أن تعيش مع أي واحد منهما، وقررت أن تخط درب حياتها لوحدها، فتعرفت إلى (المفطومة- بلسم العاهرة)؛ (زهرة) التي لم تكن تشبه أياً من نسائه اللواتي عاش معهن، ومارس معهن الجنس بقولها: “التي لا تشبه نساءك اللواتي ضاجعتهنّ يوماً”- وذلك من خلال أن يخبرها (يوسف) بالوقائع التي حصلت منذ أول لحظة تعرّف فيها إلى ابنتها، وحتى لحظة وفاتها مسمومة بلدغة عقرب، وكانت تطلب منه بين الفينة والأخرى أن يكمل كلامه، ومن دون أن يتوقف، وذلك لأن الكلام يريحه، ويزيح عن قلبه كابوساً طالما أرّقه، وآلمه، لدرجة أنه كان يعتبر نفسه السبب الأول والأخير في موتها بهذه الطريقة المفجعة، وعلى الرغم من أنه كان يدرك تماماً عبث محاولته في نسيانها، وعدم القدرة على ذلك، ولكن فليحاول، بمساعدة سلمى التي كانت تدفعه إلى الكلام، ومنذ بداية الرواية؛ ليقول كل شيء، ويبوح بما في صدره؛ لعله يحظى براحة البال: “نعم يا يوسف، استمر، أخبرني… أخبرني بالوقائع كما هي… حرّر صوتك، سيكون ذلك كافياً بالنسبة لي”.
وما كانت محاولاتها إلا من أجل أن تتمكن عن طريقه من معرفة الحكاية، وتخليد قصة ابنتها على لسانه، بفعل البوح، والحديث، فيمنح نفسه الوقت الكافي لذلك، وتحاول هي فعل أي شيء يمكنه من ذلك: “ما بالك، تعتذرين من بندر، وتطلبين مني أن أكتب إنجيل زهرة؟ كل ما في الأمر أنني أرغب بتجميعك… أنت رجل لا يمكن تجميعه سوى مع البنت العابثة زهرة”. لذلك كانت تقوم بزيارته بين الحين والآخر، وتطلب منه الاستمرار في الكلام عن أي حادثة؛ ولو كانت صغيرة توصلها إلى نقطة البداية التي تعرّف فيها إلى زهرة، التي أرادت أن تعلم عنها كل ما كان طيّ الكتمان، ومخفياً بين ثنايا الماضي الحزين، والروح المتعبة مثله، وما كان عملها ذاك إلا لتدوين الرواية التي انتهت بفعل الكلام، وتمت على أكمل وجه، بعدما طلبت منه أن يكتبها، ويفي بوعده لها، ليردّ هو بقوله لها: “لقد وفيت بوعدي وكتبتها: إنجيل زهرة”، ويوضح لنا الراوي طلب سلمى منه بقوله: “لقد وعدتني، أن ترسمها بالكلمات، أن تعيد خلقها، جرّب أن تحلّ محلّ الله… أعرف أنها مهنة شاقّة… أطالبك بأن تفي بوعدك… اكتبها يا يوسف… اكتب: (إنجيل زهرة)”.
أحداث تناسلت من رحم الكلام
يروي يوسف القصص التي جرت معه منذ اللحظة التي أراد فيها أن يكون له حضور لافت في الحياة، فيبدأ برغبته في دراسة المسرح، وفي أن يصبح ممثلاً مشهوراً، وفصله بعد ذلك من المعهد المسرحي، ومن ثم ينتقل بين المدن والدول (لبنان- مصر- العراق)؛ ليروي التفاصيل التي حدثت معه في تلك الأسفار، وبدايات قصصه الغرامية التي كانت مع نعمة، جميلة، وزهرة، زهرة وحدها التي بقيت ذاكرته محتفظة بها، وبصورتها، ويتحدث لسلمى عن تلك الأيام؛ بعدما صار في الستين من عمره، وكيف تعرّف إلى زهرة، وتعلّق بها، حتى آخر لحظة من عمرها، ليعيش على صدى صوتها، والحديث مع أمها عنها، أمها التي كانت تمدّه بالرغبة في الحديث، لأنها كانت تشبهها في كل ملامحها، ليتطرق عبر تلك الحوارات إلى الحرب الأهلية اللبنانية، الصراع بين الطوائف الدينية، القاهرة، بغداد، ويوري عن الأشخاص الذين تعرّف إليهم: السنوسي، عبد الهادي، جميلة حرب، بندر، سليم، عرفان، أمّ كلثوم، بلسم (مفطومة)، نعمة، ويشاركهم كل ذلك الماضي الذي كان يرفض أن يبقى طيّ النسيان بناءً على طلب من سلمى.

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *