حسين سرمك حسن: الجواهري مركب النار؛ النرجسية الضارية والقصيدة المفتاح (7)

ولكننا قلنا بأن النمو النفسي لا يحصل قفزاً وانقطاعاً بل من خلال تراكم وامتداد وتشابك.. اي أن الحال الجديد (حالة النرجسية الملتحمة بالمجموع أو التي تعكس وتنعكس في علاقة تبادلية خلاقة) لاتلغي الحال القديم (حالة النرجسية الاولية المتعالية) ولا تلغي الحال القديم الجديد (نرجسية ما بعد الفعل الخلاق في الجماعة ذي الفعل الراجع)، إن كل هذه الأشكال تتفاعل في لا شعور الشاعر ويرفع أي منها هامته بارزاً فوق سطح السلوك والاستجابة حسب الوضع النفسي للشاعر، إحباطاته ، نجاحاته ، الظروف الاجتماعية والسياسية ، الغربة ، الوسط المحتضن.. ألخ .
فإذ يستفز في مصر يرد رداً مغلفاً باصول الضيافة أمام (طه حسين) ولكن حازماً فهو يعد نفسه ممثلا للعراق بأكمله هنا :
وهنا يكاد بمصر يسأل أهلها   هل في العراق أعاجم أم بربر؟
ويكاد يجهل أن (بغداداً) بها   كانت يد الدنيا تطول وتقصرُ
أو أن (كوفاناً) و(بصرة) منهما  كانت إلى الأمم الحياة تصدر
(إلى الشعب المصري – 1951)  
وفي دمشق، عام 1957، يهتف في ذكرى الشهيد العقيد عدنان المالكي :
( أنا العراق لساني قلبه.. وفمي – فراته.. وكياني منه أشطار))ُ
ولا ينسى قبلها أن يعلن بأنه لم يأت إلى دمشق بسبب ضيق ذات اليد (فضرع دجلة لو مسّحت مدرار) كما أنه لو شاء استطاع تصريف مثقال من شعره بقنطار من الذهب الأبريز. لكنه الكبت الفكري وفقدان الحرية وحصار المدعين.. وكان قبلها قد تشكى من المحاصرة في أكثر من مناسبة ومثل هذا التشكي حفلت به قصائد بعدها :
هل صك سمعك أنني   من رافديّ بلا  نصيب
في كربةٍ … وأنا الفتى الممراح فراج الكروب
أنا “عروة الوردي” رمزُ مروءة العرب العريب
(لبنان ياخمري وطيبي – 1961)
وتحت أستار التوحد ببغداد والجهر بهمومها وتحمل التشريد والآلام والسغب والسجون وعذاب العائلة في سبيل (بغداد) الحبيبة بلا جزاء ولا شكور غير الثمار النفسية التي اثقلت شجرة النرجسية التي نمت وتطاولت وتفرعت حتى أصبح يرادفها شعور باطن بأن (الرعية) تستظل بفيئها وتجني من ثمارها المعنوية الكثير الكثير .  وفي هذا الشعور المستتر والذي انفلت في بعض المناسبات، الكثير من الصحة ، فإذا كانت الرعية المسحوقة وقياداتها تبذل النفس والجهود الخرافية لايصال صوتها إلى مضطهديها فأن صوت الجواهري كان يرعب هؤلاء المضطهدين ويقظ مضاجعهم ، فهو حتفهم ، يلج البيوت عليهم… وإذا كانت الجهود المضنية تبذل لإيصال أنين المسحوقين إلى أطراف الأرض المحلية فان صرخة الجواهري المجلجلة تصل إلى جميع أطراف الوطن العربي وتجد إستجابة لها، وفوق ذلك فقد كان لصوت الجواهري محافله العربية (غنى لمصر ولبور سعيد وللجزائر وليبيا وسورية ولبنان ….ألخ) وصداه الأممي وحضوره العالمي أيضاً. هل تعالى المناضل على قضيته ؟ هل سبق الشاعر جمهوره ولم يعد يراهم بل يراهم مقصرين في اللحاق به ؟ هل تضخمت ذات الشاعر فلم تعد تتسع لها قضية البلاد؟ وبعد أن كان الجواهري يتساءل في الثلاثينات:                                                 أحاول خرقاً في الحياة فما أجراً – وآسف أن أمضي ولم أبق لي ذكراً                 ويؤلمني فرط افتكاري بأنني – سأذهب لا نفعاً جلبت ولا ضراً                              مضت حجج عشر ونفسي كانها     –      من الغيظ سيل سُدّ في وجهه المجرى      (المحرّقة – 1931) 
وهي لوعة تذكرك بدعوة (جلجامش) لخله (أنكيدو) بأن يذهبا ليقتلا وحش الغابة (خمبابا) كي يتركا لهما ذكراً على حد تعبير الأول . أقول بعد حيرة الجواهري هذه هل أن نجاحه في ضمان ذكره وصدى صوته على مرَ العصور جعله يشعر بأنه صار قضية بذاته ؟ وأن كل القضايا الأخرى تأخذ جذوتها من إحتراقه وتألقه ؟ وإذا اضفنا إلى ذلك عامل العمر هل ستتعزز أجوبة تلك الأسئلة بالإيجاب ؟ فالجواهري، كما يقول (البرادعي) هو (ملحمة العراق) ، ويمكنك أن تفهم من هذا الوصف أنه أصبح كذلك بعد أن كان العراق ملحمته ، أنه شاعر أشبه بالإسطورة ، كلما ظن قراء الشعر أنه انتهى يبتدئ ، إنه عنقاء الشعر ، ومن حيث ما يظن أعداء القصيدة الاتباعية أو الزاهدون فيها أنه أفرغ مخزونه كله ، ينبع كالمارد ليفاجئهم بإنشاء جديد كله بوارق من التجديد . لو قدر لفنان أن يحمل آلة تصوير عاقلة، تحسَ وتدرك، وتجيد هي التقاط الصور وانتقاء اللقطات . ما أظنها لاهي ولا حاملها، قادرين على تسجيل أحداث العراق بخيرها وشرها ، على امتداد ما يقرب من ثلاثة ارباع القرن قد تتلف أجزاء منها، وقد يصاب بالشيخوخة أو ضعف البصر حاملها.. بيد أن شاعراً عراقياً فعل ذلك . حول ذاته إلى ملحمة ، بدأت سطورها الشعرية في أواخر العقد الثاني من هذا القرن ولا تزال تضيف إلى صفحاتها المزيد. وربما تمتد بها اليد الكاتبة، والعقل المتجدد، وتشبثها بالحياة، وحرياً للشعب، لتصبح ملحمة مئة العام، ملحمة القرن الكامل).(49)
هكذا كان يتمنى البرادعي عام 1982، أن يمتد العمر بالجواهري مئة عام.. لكن الجواهري عاشها وقطّع أعمار النقاد والشعراء والأحزاب والرؤساء والملوك والأمراء والدول الكبرى والمتوسطة والصغرى. أليس في هذا العمر الطويل، وهو عمر فاعل لا سلبي، هو امتداد في الزمن الموصل إلى الخلود حتى ولو كان بالمقارنة النسبية بأعمار البشر (العاديين) ؟.. وإذا أعدنا تكرار حقيقة أنه (خالق) بما يعزز حظوظه في الخلود الإبداعي بين البشر فهل نغفر له ذم بغداد حتى لو لحقتها توبة وشوق وتعلق ؟.. وعندما يسخّر فرد (وهو نرجسي وخالق وأسطورة) المائة عام النادرة من عمره لخدمة هذه المدينة – الأم في التعلق الرومانسي المبكر وفي عقود النضج وفي عقود ما بعد النضج ولا يبقى من كأسها سوى السم الزعاف والتشهير والتنكر بما يحولها إلى الأم- الميدوزا الخاصية الملتهمة ، ألا يحق لمثل هذا الفرد (النرجسي الخالق الأسطورة) أن يتعرض سلباً (وهو سلبٌ بطانته الحب والحرقة في الكثير من الحالات) أن يفكر في لحظة شعرية ساخطة ناقمة ويصيح (واحرّ قلباه) مستعيرين تعبير انموذجه المتنبي ، منك أيتها الأم التي أشبعني أخوة قابيل فيها الضيم والجوع والتشرد والاعتداء ؟
خزيت بغداد من بلدٍ   كل شيء فيه مقلوب
فلق الاصباح غربيَ   ونعيق اليوم تشبيب
والخناغنمٌ ومحمدة   والنهى جلد وتعذيب
خزيت بغداد.. حنّكها   في المذلات التجاريب
الفرات العذب لوثه   انّه بالذل مقطوب
ومشى في دجلة خنثٌ  لم تعوّده الرعابيب
(كم ببغداد ألاعيب – 1957)    
وبانتفاخ نرجسي حاد صادم يطلق غيضه وغضبه ونقمته تجاه الغبن والحيف الذي يشعر به عام 1961 في براغ بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس اتحاد الطلاب العالمي :
يا شباب الدنا وأنتم قضاتي  في شكاة تطغى، وأنتم شهودي
أنا في عزةٍ هنا غير اني  في فؤادي ينز جرح الشريد
لي عتاب على بلادي شديد  وعلى الأقربين جد شديد
افصقرٌ طريدة لغرابٍ   ونبيغ ضحية لبليد
يا لبغداد حين ينتصف التاريخ من كل ناكر وجحودٍ
حين يروى حديثها وحديثي  وتوازى نحوسها بسعودي
يا لها إذ يقال كان على العقم لديها مالم يكن لولود
وُهبته محسودةً، وذوو الحرمان أدرى بنعمة المحسود
جحدته فعاش أي ضنيك  ورمته فعاش أي طريد
(أنتم فكرتي)
أما في قصيدة “يا غريب الدار” فإنه ، بعد استعراض نرجسي طويل يصل إلى إطلاق صيحة مماثلة للصيحة الشاكية السابقة :
يا غريب الدار لم تكفل له الأوطان دارا
يا (لبغداد) من التاريخ هزءاً واحتقارا
عندما يرفع عن ضيمٍ أنالته الستارا
واصطفت بوماً وأجلت عن ضفافيها كنارا
وأرته الضحكة الصفراء عن خبث توارى                                                 فهي كالشوهاء ألقت  تستر القبح الخمارا
( ياغريب الدار – 1962)
ولكن الجواهري شاعر وفق الوصف الذي قدمناه (نرجسي خالق مؤسطر) وتعتمل في داخله موجات النرجسية الثلاث التي أشرنا إليها في صراع لا يكل حسب العوامل التي حددنا بعضها.. وضمن تصارع هذه الموجات تجد الجواهري يعلن، قبل هذه القصائد، وبينها، وبعدها أنه لا يقوى على فراق العراق وأن لا شيء قبل بغداد  ولا شيء بعدها مثلما أنه المستهدف الأوحد لأنه أمسك جمرة السواد المسحوقين :
يا شباب الغد هذا وطنٌ  كله فضل والطاف ومن
ليس ندري من خفايا سحره  غير اطياف وأحلام تظن
عجبٌ هذا الثرى تألفه  وإلى أتفه ما فيه تحن
كل ما عندك منه أنه   كوكب يبزغ أو ليلٌ يجن
وهو إذ تستوبئ الأرض شذا  وهو إذ يقبح كل الكون حسنُ
وهو حتى ان تجافى عنك خدن  وهو حتى أن تخلى عنك حصن
يُفتدى إذ يرخص الفادي به  وبه إذ توهب النفس يصننُ
فاستمنّوه بما تعطوه   من دمٍ أن الحمى لا يستمن
( أزف الموعد – 1959) 
تنتقل عدوى مصداقية هذه القطعة الغنائية  العذبة إليك بهدوء وترجف أعماقك بما تحمله من حب هذا الثرى الطهور، حب دافئ عصي على التفسير والعقلنة، وصدق من قال أن الوطنية حبَ قبل كل شيء آخر وإنها كملامح وجوهنا وكأسمائنا التي تعلق بنا منذ الولادة .
هذه القطعة التربوية تعبر عن نرجسية الجواهري الملتحمة بالحضن الأمومي معبراً عنه بالثرى المقدس، ورغم أن موجة احتجاج مرة في قصائد لاحقة لمناسبات مختلفة تعقب هذه النوبة السامية المنزهة عن كل يوميٍّ زائل، إلا أنه يعود ليتغنى بحب العراق من جديد :
سهرت وطال شوقي للعراق    وهل يدنو بعيدٌ باشتياق
(بريد الغربة – أطياف واشباح – 1967)
هكذا هي صلة الجواهري ببغداد، صعود يعقبه صعود، بمعنى أن هناك نوبة إنفعال إيجابية تعقبها نوبة إنفعال سلبية، وقد تتناوب الموجتان في نفس القصيدة كما حصل، مثلاً في قصيدة (يا غريب الدار) كما نلاحظ أن هذه النوبات أو الموجات العالية تتخللها، وبنسبة أكبر أحياناً، نوبات أو موجات ذاتية حارة من الفخر أو من الشكوى التي تعزز جبروت المستهدف من خلال جسامة الكيد والاستهداف، وهذا التناوب وتلاحقه ونبرته يوحي إليك وكأن الجواهري في سجال مع ندٍ يخشى أن تثلم نرجسيته بسبب وجوده الطاغ.
هل يمكننا القول أن العراق هو الكفء الوحيد لنرجسية الجواهري ؟
… وربما يكون هذا واحدً من أهم أسباب موجاته السلبية الصاخبة تجاه بغداد – الأم.. فحتى الموت ظل في قلب الجواهري غصّة… غصة رغبة التاريخ الشخصي والعمر الأسطوري الممتد المحبطة أن يتوج على عرشه في أحضان بغداد وعلى ضفاف دجلة الحانية.. أن يدر الصدر الأمومي الذي واجه الأهوال من أجله في فم الشريف وأن يصدّ الخسيس المداجي… الجواهري هو (خليفة الأدب المصفى ومنارة البلد السليب).. هذا ما هو مؤكد وحقيقي لمئة عام وليس لسنةٍ أو سنتين كما يقال.. والسؤال الذي ظلت نرجسيته العظيمة عصية عن استقبال جوابه هو: لماذا تنفيه بغداد؟ لماذا يسرح شاتموه فيها في كل العقود والعهود؟ لماذا يُنبذ في العراء بلا نصير ولا معين؟ لقد شُرد من بغداد وحورب وحوصر وسجن في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ليموت غريباً ويدفن في مقبرة (الغرباء) بدمشق؟ شرد في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية المختلفة؟.. حتى عام 1985 وهو يتقلب على جمر العذاب بعيداً عن ماء دجلة غريباً وحيداً  ولا يجد جواباً لسؤال المائة عام المدمر :
وما برح السؤال بلا مجيب   ولم تزل الرؤوس على الكعوبِ  
أيُنهض مقدمي ستين ألفاً             ينطّ بها البعيدُ على القريبِ
تلقفَ ما أصوغُ لها وقوفاً           تصيخُ الى صدى الحرف الذهيبِ
ويُعملُ كي أُمسّح عنه طفلٌ           كما مسّحَ((المسيحُ))على الصليبِ
وأُنبذ بالعراءِ بلا نصيرٍ               نبيلٍ أو أديبٍ أو أريبِ
فيالك أعزلا وله جيوشٌ               بأن تطوى الضلوعُ على القلوبِ؟
ويالمؤلّه فيها غريبٌ                  وبالتعاسةِ البلدِ العجيبِ
   (برئتُ من الزحوف-1985)
ياإلهي،ما الذي فعله هذا الشيخ لبغداد وما الذي أقترفه بحقّها من جرائم الولاء والحب والتشرد والعذاب ؟ أليس من حقه أن يسخط عليها ؟ ألم يكن سياسيوها في العهود المختلفة بحاجة الى جلسات تحليل وعلاج نفسي تعدّهم لتقبّل وتحمّل نرجسية مبدع عظيم مثل(أبي فرات)ملحمة العراق وإبن كوفتنا الحمراء ؟ هل كل ذنبه إنه كان رائياً ؟ تلك التي رأت مرة واحدة وحذرت قومها فلم يسمعوها لازلنا نشعر بالذنب الخفي تجاهها..فما بالك بشيخ راءٍ يمضي مائة عام وهو يحذر ويحذر:
سيلحقون فلسطيناً بأندلسٍ       ويعطفون عليها البيت والحرما
ويسلبونكِ بغداداً  وجلّقةً        ويتركونك لا لحم ولا وضما
                                                   (فلسطين الدامية-1949)
أبغداد وهي القحمةُ السنِ خبرةً
                               تلهى بألعابٍ كطفلٍ محمّقِ
توقع باليمنى صكوك انعتاقها
                              وتومي لها اليسرى بأن لا تصدقي
                                                   (بريد الاشواق-1929)

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *