السجن في رواية (شرف)
د. قيس كاظم الجنابي

ـ1ـ
أصدر صنع الله ابراهيم رواياته : ( تلك الرائحة – 1966م، نجمة أغسطس – 1974م، واللجنة –1981م)؛ وقد عُدت هذه الروايات ثلاثية كتب عنها عبدالحكيم قاسم كتابه (ثلاثية صنع الله ابراهيم)، وروايته (شرف) تتكون من ثلاثة أقسام ، سرد القسم الأول منها على لسان الراوي الغائب (هو)؛ بينما شارك (شرف ) بطل الرواية في رواية الفصول الأخرى،. فالرواية تتكون من (19) فصلاً ، وكانت البداية بالفصل الأول وعلى لسان الراوي بقوله:” من المؤكد أن الحذاء ليس هو المسئول عن المصير الذي آل اليه أشرف عبدالعزيز سليمان (أو شرف كما أَلفت الأم أن تنادي حبّة عينها)؛ فقد كان مبرمجاً ، بحياته الداخلية”.[ص7/ دار المدى، ط4 ،دمشق، 2005م].
ويستمر سرد الكاتب لهذا الفصل حتى لحظة وقوع الجريمة في نهاية الفصل الأول، نتيجة مشاجرة أدت الى مقتل رجل أجنبي اسمه (جون) فأصابته الضربة بالذهول حيث هوى بالزجاجة على رأسه الأشقر المخضب بالدماء.
ثم يبدأ الفصل الثاني على لسان (شرف)، بقوله:” أسلمني الرقيب في صمت الى حارس وقع باستسلامي على دفتر”.[ص 23] وبهذه البداية يستمر الكاتب في متابعة حياة (شرف) على لسانه وعبر ضمير المتكلم أو عبر ضمير الغائب ، حيث تتعامد رؤيتان :داخلية وخارجية، حيث يجري الكشف عن طبيعة النظام السياسي ،ومنهج الدولة وفسادها في التعامل مع الشعب.
وفي الفصل (3) الذي يسرده الكاتب وعبر ضمير الغائب (هو)، بشكل يجعل الاسلوبان الداخلي والخارجي، يتعاونان في بناء الدولة ،وكذلك الفصل (5) يجري السرد عبر ضمير الغائب أيضاً؛ وكان (شرف) يعلق آمالاً واسعة على محاكمته للتخفيف عن أزمته، وكذلك كان الحال في سرد الفصل (7)، والفصول:( 11، 16 ، 18). يمثل هذا الأسلوب نوعاً من الرؤية التي تحكم رؤية المؤلف الخارجية لكي يشكل الاطار العام الذي لا يتوغل الى قاع المجتمع ،وانما يترك ذلك الى السرد عبر ضمير المتكلم على لسان (شرف) الذي يشرح معاناته في السجن ، ليكشف عن الفساد المستشري في هيكل الدولة وسيطرة مافيات الفساد، والتهريب والمخدرات والمتاجرة بالأغذية الفاسدة.
-2ـ
لقد كان صوت (شرف) أو السرد على لسانه يترشح عبر رؤية ذاتية / داخلية تعبر عن نوع من التبئير لأعماق الشخصية وتصوراتها لعرض معاناتها، وبالتالي معاناة الانسان المصري في زمن الفساد ؛ولعل اختيار اسم (شرف) له أكثر من دلالة خاصة للتعبير عن أزمة الضمير الانساني ، فبعد الفصل (2) الذي سرده على لسان (شرف) يأتي دور الفصل (4) ليكشف عن وضعه فيقول:” وألفيتني عاجزاً عن التنفس إذ كان جو الزنزانة خانقاً مكتوماً”.[ص73]
أما الفصل (6) فكان تتمة لصوت (شرف )وهو يسرد الأحداث على لسانه حين يبدأه بقوله:” أخذني الحارس مع عم فوزي الى المطبخ لنحلَّ محل مسجونين خرجا الى محكمة الاستئناف”.[ص119].
وكذلك يسرد الفصل (8) على لسان (شرف)، حيث يقول فيه:” خرجت الى الفناء فشعرت كأنّي خرجت الى الطريق العام. كان مزدحماً بالرائحين والغادين من النزلاء في ملابس متنوعة الأشكال والألوان”.[ص156] وهذه لقطة مهمة لقراءة واقع السجون من الداخل ،وبيان عدم الانسجام وطبيعة الاضطهاد فيها، في وقت يصدر هذا السرد من الجانب الذاتي لقراءة الرواية ،وهو سرد محمّل بعبق الذات المنكسرة والمهانة. كما يبدو في الفصل (10) الذي يسرده على لسان (شرف) حين ينادي عليه لمقابلة زائره المحامي ،وكذلك حين يسرد الفصل (12) مع نوع من الميتا سرد من خلال قراءة (شرف) لقصة بوليسية . أما الفصل (7) فإنه يسرده حين تحول من سجين الى رقيب على زملائه ، فيقول:” رقدت في النور أغالب النعاس. أردت أن أنقلب على جانبي الأيسر لكني تذكرت تعليمات سيدة الضابط خضرة لي بألاّ يغيب عمّ حسين عن بصري طوال الليل وأن أستدعي الحراس اذا اختفى فجأة”.[ص491] ثم يكون الفصل (19) خاتمة للرواية على لسان (شرف)؛ مما يعني أنّ الرواية بدأت بضمير الغائب ،وانتهت بضمير المتكلم ، أو من الجهل الى معرفة الحقائق التي تدور في أقبية السجون.
وهذا ما يجعلها واحدة من الروايات التي توثق حياة السجون، وتكشف عن النظام السياسي والاجتماعي الذي يهيمن على مصر قبل عام 1997م، حيث صدرت الطبعة الأولى من الرواية في هذا العام.
ـ3ـ
اذا كان الاسلوبان (ضمير الغائب وضمير المتكلم) قد عبّرا عن علاقة الغياب والحضور ، في الرواية، وفي الواقع، الا أن الكاتب سرد نحو ثلاثة فصول ( 13، 14، 15) أو أجزاء منه بطريقة مختلفة؛ فقد سرد الفصل (13) من الرواية ، بصفة تابع للقسم الثاني من الرواية، من خلال اللصق (الكولاج)، وذلك بعرض العديد من الوثائق التي تكشف عن الفساد المستشري في البلاد، تحت عنوان (أوراق رمزي بطرس نصيف)، أو بعنوان (قصاصات)؛ وهو نوع من الميتا سرد لتشخيص السرد والأحداث، منها وصول سفينة قادمة من أمريكا في 30 يناير 1991م ،وعلى متنها (8) رسائل من الكبدة وفيها مادة سرطانية سامة ،وما جرى من تلاعب ،وذكر معها قصاصات من صحف ومجلات وسطور وملحوظات ومقالات .. وغيرها.
وهذا يكشف بشكل مثير لأوضاع البلد، أما الفصل (4) فكان بعنوان (أوراق رمزي بطرس يوسف) أو (مسودة لمذكرة الدفاع)، وهذا نوع آخر من الميتا سرد على لسان (رمزي) وهو يشارك (شرف) في السرد على لسانه؛ بحيث يمكن أن يشكل سردها نزعة حوارية داخلية، أو نوع من التعدد في الحوارات والتصورات. أما الفصل (15) فكان بعنوان (عرض العرائس الذي أقيم بمناسبة ذكرى الانتصار العظيم في حرب اكتوبر1973 أعده وأخرجه الدكتور رمزي بطرس يوسف)، وهو استكمال للفصل (14)، في السرد على لسانه ، يبدأه بسرد عن حال المسجونين المتفرجين ، ثم يتحول الى حوار بين رجال باتوا في حرب اكتوبر فيما بينهم، أو بين المتفرجين؛ مما يجعل الرواية مسحاً لواقع اجتماعي واقتصادي مهم يستحضر أصوات الأموات والمعوقين ،وهو بالأحرى عرض مسرحي عن الحرب بطريقة استفزازية وساخرة، يستخدم فيه الدمى (العرائس) ولكنه صرخة احتجاج على التضحيات التي كان من نتائجها إيقاع البلاد في مستنقع الانفتاح ،ولهذا يقول جماعة من المتفرجين:
” نحن لم نذهب الى الحرب،
ولم نتعرض لشيء من أهوالها.
لم يمت منّا أحد،
ولم نفقد عيناً أو ساقاً أو يداً.
ولا حتى شردنا من منازلنا،
أو هجرنا الى أماكن بعيدة عن القنال.
لكننا دفعنا ثمن الأسلحة:
ثمن الهزيمة والنصر،
ولم نعرف بعد الحياة الحرة الكريمة التي تتحدثون عنها”.[ ص 369] ثم يعرض للعلم الاسرائيلي والعرائس الاسرائيلية والأمريكية والخليجية، ثم يهجم المشاهدون من السجناء على العرائس لحرقها حتى يخففوا عن أزمتهم ويعودوا الى عنابر السجن.
كانت الطريقة التي استخدم بها الكاتب الأصوات والرؤى الداخلية لإزاحة الرماد عن سطح الواقع وكشف أبعاده، محاولة ذكية في تنوع الأساليب السردية في بناء الرواية ، وهو ما يمكن ان ندعوه بالأسلوب الشمولي(البانورامي) القادر على كشف آلام الانسان من الداخل، ووضع النقاط على الحروف؛ ذلك أن رواية (شرف) تعد من روايات السجون مهمة بعد مرحلة السبعينات حيث حصل نوع من الانفراج السياسي في مصر، بعد صدور رواية عبدالرحمن منيف ( شرق المتوسط).
ـ4ـ
أهم ما تعبر عنه هذه الرواية هو قدرتها على كشف واقع السلطة الحاكمة، من خلال متابعة حياة السجين (شرف)،وسرده لحياته فيه عبر ضمير المتكلم ، في المكان الضيق المحكوم عليه بالعقوبة، حيث تتوقف عربة السجن وهي تحمل السجناء الى داخله ،” أمام بوابة ضخمة مقوسة من الخشب الثقيل تعلوها لافتة تعلن عن رسالة المؤسسة بكلمتين مقتضبتين هما ” التأديب والاصلاح”. ولم يكن ثمة محاولة للتضليل ، فالكلمتان عبرتا بدقة عن الغرض المستهدف وهو المحافظة على تدفق المنح الأمريكية الموجهة للغرض نفيه”.[ص47] يعمل الكاتب على وصف الجوانب الخارجية كالغرف والعنابر والأروقة.. وغيرها، لكي يكشف لنا بأنّ السجن يتكون من طبقتين: الأولى تسمى الملكية ،وهو لكبار الموظفين والاغنياء والتجار ،فثمة سفراء وأطباء وتجار كبار يتلاعبون بمقدرات المجتمع. والطبقة الثانية للعامة، الفقراء والمضطهدين ، كما أن النزلاء يختلفون باختلاف أوضاعهم وجرائمهم، وعادة يكون الفقراء أقل حظاً، وغالباً ما يكون سرد الحكايات لديهم نوعاً من الانتقام من سجانيهم، فيصفون أسرهم بالتهتك والابتذال ،لأنهم يعيشون في مكان بذئ ينضح برائحة البول والخوف.
ولعل من أبرز ملامح المرحلة تشخيص الكاتب للمد الاسلامي، ووجود جماعات الاسلامية جهادية في السجن؛ يجري تهريبهم بذكاء ومساندة بعض سلطات السجن، واستغلال الاخوان المسلمين لأوضاع السجناء واحساسهم بالظلم لتسويق فكرهم، مما يشكل وجود تمايز بين السجناء بوضوح من حيث الخدمات، وثمة سجن للشيوعيين يسمى (الأوردي)،وكما يوجد ثلاثة جواسيس يعملون لصالح اسرائيل ، لا يسمح لهم الاختلاط بالسجناء الآخرين.
ـ5ـ
كان السجن مكاناً مغلقاً ، يمنع من فيه من رؤية العالم الخارجي، يشعرهم بالنفي والاغتراب، والاضطهاد الجسدي، وفيه تشكل جدران العنابر والغرف والأسوار والأسلحة والقمع والاساءات النفسية والاجتماعية والحرمان من أبسط متطلبات البقاء لعيش الكريم؛ لهذا يبدو الفضاء المكاني سيد الموقف، المكان بوصفه الاطار العام للانتماء والعيش والامان، على خلاف الفضاء الخارجي المتمثل بالشوارع والمدارس والمساجد والاسواق.. وغيرها، كلها تشعر الانسان بالاتصال بالآخر، فضلاً عن نمطية الحياة في السجن؛ لأن الحركة هي جزء مهم من ملامح الحرية وجمالها.
أعتقد أن من أصعب الأمكنة التي تواجه الكاتب في كتابة الرواية ، هي الأمكنة المغلقة كالسجون والمعتقلات والمعسكرات وخنادق الحروب، ولكن الكاتب ركز جهده كله على المكان (السجن)، فاستطاع أن يكشف عن مواطن الوهن بالمكان نفسه، وفي قاطنيه والقائمين عليه ، لهذا عبرت الرواية عن جدل الأفكار بطريقة حوارية، لأن واقع السجن مختزل من مشهد كبير وشامل من الحياة، ومن كل الطبقات والأديان والثقافات، حيث بدت السجون مرايا للأنظمة السياسية الفاسدة، وسردياتها عن الأمكنة الموحشة، والطاردة للسكان ،لأنها سرديات مغلقة ، لكن صنع الله ابراهيم جعلها تنفتح عبر السرد من خلال المزج بين تعدد الرؤى والأفكار وضمير الغائب/السرد الملحمي؛ أي أنه دمج السرد الملحمي بالسرد الذاتي الذي يتحول بالتدريج الى سرد متعدد النوافذ، يسهم في ذلك الحوار الذي جاء غالبه اللهجة العامية المصرية، حتى تتناسب مع طبيعة تفكير الانسان البسيط والطبقات الدنيا في المجتمع المصري.

شاهد أيضاً

ارتقاء الأرواح
النقد الأدبي الجاد والتحليل المنطقي
أحمد لفتة علي وعصمت شاهين دوسكي
بقلم: الصديق الأيسري- المغرب

يعتبر الكاتب والأديب أحمد لفتة علي من بين الأدباء المرموقين ومن ضمن المثقفين الطلائع الذي …

عجز التّاريخ عن أن يكون معلّماً مثاليّاً
مادونا عسكر/ لبنان

يقدم الروائيّ المصري باسم جبرة في رواية “أحمس” الجزء الأوّل المعنون بـ “الوباء” رؤيته من …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (02)

احتفالـــية كـــورونا : حقيقة وليس وهْما ولا تخاريف بأن فيروس ” كورونا ” أيقظـنا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *