عادل كامل: الدخول الى عالم منعم فرات.. (ملف/3)

ما قبل ـ وما بعد : التدوين
هل نفترض ان مجسمات منعم فرات (1900 ـ 1972) تنقلنا إلى زمن التحول من عصر الصيد إلى عصر تأسيس القرى البكر، وضمنا ً، عصر الزراعة.. والانتماء إلى المكان..أم .. على العكس من هذه القراءة المفترضة، تمتلك موقفها النقدي لعصر تلاشى فيه دور الفرد ـ الجماعة ـ داخل ممرات ودروب كافكوية يمكن أن تسمى بعصر نهاية الحداثة ـ وبدء ـ مشروعات ما بعد التاريخ، أو،

تطبيقات العولمة بأشكالها التجريبية، وبثمارها التي مازالت لا تخفي جذور عصر الصيد ـ الزراعة ـ والاستيطان في أشكاله الجنينية ..أم .. ثالثا ً : إن هذه المجسمات ـ الاستغاثات في ذرى تأملاتها المكتومة ـ تبقى تحمل عمل أنظمة مقاومة للقطيعة..أم .. رابعا ً : ليست نظرية العبث، واللعب، واللهو، أو النشاط وقد اكتسب خاصية التخصص، لها مغزاها في قراءة دوافع الصياغات، لغة للاتصال، أو موقفا ً لا يكف يعلن عن ( سخطه) إزاء التحولات، وإشكاليات التكيف.. وأخيرا ً، في تجنب الإفصاح عن معنى ما للانغلاق .. ؟
هذه ليست أسئلة ..مع أن المتلقي، والكاتب نموذجا ً، لا يتجنب دكتاتورية الحكم، وإنما هي مساحة ـ فجوة ـ للانشغال بما تم تنفيذه، قهرا ً أو خلاصا ً أو اختيارا ً، حتى يبدو انه، هو، الذي يذكرنا ـ ككائنات خارج التقسيمات القسرية للتنازع ـ بان النحت ـ وكل فن جاوره ـ يحثنا على هذه الممارسة: إن جذور التدشينات البكر، ليست سارة، وإنها مازالت تشتغل، وربما تؤثر، في عمل أنظمة ما بعد كل حداثة ـ في عصر الاقتصاد الحر: العشوائي بنظام بالغ الأحكام ـ وتسمح للمتلقي العثور على حنين لخطابات تمتلك أكثر من فعل ورد فعل تجاه مصائر الحياة، والممتلكات الحضارية، معا ً.
لنتوقف عند:

[1] ما قبل ـ المغارة :
لنتساءل: ما الذي دفع ذلك الكائن إلى إنجاز دماه الطينية: المنحوتات الخالصة، وليست الفخارية .. المنتمية إلى عصر الصيد: الكائن المشرد، ولكن، بفعل الصيد، سيشكل آليات جمع (قواه) ومشروع رأسماله ـ وفكرة حفظ ذلك الجهد ـ في المكان ـ الكهف..؟ إن عصر الاقتصاد العشوائي، المحكوم بالكفاح اليومي الخاص بالضرورات، ربما، عند لحظات أو ساعات اللاعمل، ولدّ بذرة ( الحدث) التي تمثلت، ضمناً، بالقطيعة عن عناصر التكوين: ذلك الفراغ بين الجسد والفضاء الذي لا يمتلك إجابات، بل، دوافع الخوف، الذعر، وحتمية الدفاع ولدّت هذا المسار. فليس ثمة مودة بين الكائن وعالمه، بأي شكل ما من الأشكال، حيث، نفترض إن تلك الدمى، ـ والغريب أنها تكاد تكون من صنع أكثر الذهنيات حداثة ومعاصرة ـ كانت تمتلك ( سرـ جسر ) العلاقة بين الكائن ومكوناته. فهي مازالت، على صعيد الخامة، جزءا ً من الطبيعة، مثلما، هي، على صعيد التعبير، تخصها، مثلما، إلى حد ما، تخص الجماعة، والذات. فالمجسمات، في هذا الاحتمال، يمكن أن تشكل أقدم نواة لرأسمال ذلك الكائن البري: رمز قوته.. وضمناً، خطابه الملغز، والمشفر، وغير القابل للانغلاق.
ومنعم فرات، لو أعدناه إلى العصر الحجري القديم، ووضعت منحوتاته مع تلك الدمى، لمنحنا فرصة انه تمسك بموضوعات الجسد ـ الوجه. فهو سينفصل عن الغريزة باتجاه الحواس: العين والفم والأصابع والأنف والإذن.. حيث الفزع سيبقى يشتغل مع الجميع ـ ولكنه لن يغادر رصد التجمع / التكتل ـ وأهداف التعبير. فمنحوتاته تبقى تعمل ككتلة. فيما كانت منحوتات عصر الصيد، في الغالب، فردية: دمى بأثداء مترهلة وبطون كبيرة وأفخاذ مكتنزة. فهي تخص مخاوف حفظ النوع، وليس جمالياته، مع أنها ستشكل نموذجا ً لحداثات عصرنا. بيد أن منحوتات فرات تنتظم بوعي سيقطع صلته بالأنظمة العفوية.. فهو يركب، ويوزع، إضافة إلى القصد. فالنحات ينحت في عصر ما بعد الكتابة.. وليس في عصر الأصوات ـ الإشارات. لكنه سيبقى ( كتأويل) يحافظ على أصوات ذلك العصر: أصوات لا تتحول إلى صمت، بل، تمكث داخل كتله حد الاندماج. فالمنحوتات تتكلم بصمت أصواتها. ومغزى هذه (الإشارة) تنقلنا إلى: حداثات تجاور آثار عصور عشوائية جمع الغذاء، وتمركزه، في مغارات القرى البكر.
لا تشير المعلومات الوثائقية أن الفنان فرات كان يحفل بتجارب الرواد، أو يعيرها أدنى أهمية. بيد أن سؤالا ً آخر نتوقف عنده: لماذا اختار منعم فرات فن النحت.. ومن ثم أن يكرس حياته كلها له..؟ إن فرات واكب، في الحياة، تحولات البلاد، بعد الحرب العالمية الأولى، فتعلم القراءة والكتابة خارج المدارس الرسمية، وعمل في مهن مختلفة بصفته عاملا ً.. وليس ثمة إجابة .. ولكنه مارس فن النحت مبكرا ً إلى جانب الكتابة. فتذكر ابنته انه ألف أكثر من ثلاثين كتابا ً .. حمل احدها عنوان ( العاجزون في الأرض).. كما كان مطاردا ً من السلطات لأنه نحت شخصيات وطنية ومنهم السيد عبد المحسن السعدون ـ رئيس الوزراء المنتحر احتجاجا ً على سياسة الإنكليز الظالمة ـ .. وفي مرة أخرى أحيل إلى المحكمة بتهمة (النحت) لكن القاضي أطلق سراحه.. الخ
هذا المسار يوضح أن فرات ـ الذي اختار لقبه الفني احتراما لحضارة العراق بدل لقب العائلة ومنتقدا ً الطائفية ! ـ كان يمتلك ذهنية كتابية إلى جانب حاسة سمع بالغة الرهافة .. فلم يكن (فطرياً) أو عمل لمحض الكسب. لأنه طالما تألم ـ بحسب كلماته ـ بسبب الظلم والقسوة حتى انه كان يسال الخالق لماذا تذبح الحيوانات الأليفة وتترك الحيوانات الشرسة..؟ فلا يقارن بهنري روسو مثلا ً.. ولكنه ينبهنا ـ في رؤيته وفي فنه ـ انه كان يمتلك وعيا ً بما يعمل. فالنحت ـ ثقافيا ً أو معرفيا ً ـ يغاير الساق الشفوي، إلى جانب الكتابة التي مارسها، لكنه، كنحات، كان يشتغل بالحدس ـ ويتعلم بالخبرة ـ إن فنه محمّلا ً برؤية نقدية حد (الاحتجاج) . فلقد اختار النحت ـ كأسلوب ـ يماثل اختيار الكتابة.. موظفا ً المعنى بأسلوب يرجعنا إلى الأصول العراقية القديمة للنحت والتي تم الكشف عنها حديثا ً. فمنعم فرات كان قد استقى الساق، بالدرجة الأولى، من (حداثات) الخطابات القديمة، كما فعل رواد أوربا في إغفال تاريخ خمسة قرون من التقاليد الرسمية, بيد انه لم يستند إلى مبدأ المحاكاة، والاستنساخ، أو الإضافة. بل، على العكس، كان يستلهم المضامين والأشكال ويعيد دمجها بصياغة لا تسمح لآليات الحرفة والثقافة من تدمير تلك الأسرار الكامنة في التعبير. انه عمل أن يكون هو ذاته قبل أن يكون إضافة لتراثه القديم، مع انه خرج منه، بتحرير عمله من الصناعة ومن التكرار. فأي سياق هذا الذي منحه تجاوزا ً للحرفة ـ والمعرفة ـ تحت مفهوم ( البدائية ـ الفطرية ) كي يغدو علامة خاصة في الحداثة الوطنية ـ المعاصرة..؟
بدءا ً، لا تنفصل نماذجه النحتية عن الإيحاء بانتمائها إلى عصور البرية ـ الصيد .. ولا عن عصور تكوّن القرية ـ الزراعة والتدجين وعقد علاقة مع النار ـ إلى جانب : عصر النحت بوظائفه الموازية للتجمعات المدينية البدائية ـ المبكرة. إن موضوعاته المختلفة، بطابعها الحيوي، لا تكرر ثيمة واحدة. فقد نحت الوجوه والطيور ومختلف الحيوانات، إلى الكائنات الخرافية، والموضوعات ذات الطابع العائلي، الاجتماعين والإنساني…الخ توضح مدى تفهمه للمنجز النحتي العراقي القديم.. وصولا ً إلى إطلاعه على الفخاريات الشعبية. ففنه لا يقارن، بالفنون الفطرية، بل سيبقى مقيدا ً بإرث النحت العراقي وعلاماته ورموزه وأشكاله وتشفيراته أيضا ً. وسيشكل هذا البعد، في مجسماته، لغة مزدوجة ـ وتركيبية: اختيار الأشكال بصفتها علامات توصيل.. إلى جانب بحثه في المعاني الأبعد : تحرير المنطق المباشر والدخول في إشكاليات تكوّن الأسئلة. فالفنان، العنيد كهنري روسو، لا يمتلك إلا كلمات (أيوب) السومري أمام الإله، بعد أن نزلت به النازلات: المشكلة، أيها الإله، ليست مشكلتي! وسيجد النحات، في النحت، لغة أن تبقى اقل تعرضا ًللاندثار؛ لغة دلالة ابعد من سياقها البدائي، وأعمق من استعراض تاريخ الشراسة، والافتراس.

[4] ما ـ بعد ـ التدوين:
في هذا السياق، تخضع تجارب فرات، وما ماثلها، تحت تسمية: الفنون البدائية. بيد أن إعادة دراسة النصوص النحتية، بمسوياتها التنفيذية، ومضامينها، ومشفراتها، ستنقلنا إلى تيار يجد في الذين لم يدرسوا الفنون أصالة تغيّبها الدراسة، والاحتراف، والمعرفة. إن (نيتشه) وحده عارض هذا الافتراض، بحجة أن الفن سيبقى كالسر الكامن في السر، يحمل شرارة الانبثاق. وفرات، عمليا ً، لا علاقة له بالخبرة، والمعرفة، إلا في حدود من علمّ نفسه بنفسه، لفترة تمتد إلى أكثر من نصف قرن. بيد انه تعّلم، أن لا يقع ضحية الانغلاق: ضحية صياغة ما لا يتلآم مع شخصيته.. فقد جعل فنه، حداثوياً، وان لا يتخلى من الذهاب بعيدا ًفي المعالجة: إن فنه الضاج بالعويل، يتخلى عن الإفصاح. فالمعنى لا يتحدد بالعنوان أو بالموضوع أو بالأشكال. فالنحت، وفي أية حقبة من الحقب، ذاته، شكّل لغة بين الكائن والآخر، وبينه وبين ذاته العليا أو الخفية. انه علامة اتصال تتجاوز الآخر، وتتجاوز الذات في حوارها الداخلي. فثمة ( ميتافيزيقا ) لا تغادر مفهوم انبثاقها بعواملها كافة، ومنها، تلك التي تبقى تنتج وجودها ميتافيزيقيا ً. لكن مصطلح (نحت) عنده، ليس نصبا ً تذكاريا ً، أو منجزا ً للاستذكار ـ كما ذكر هيدغر بصدد فن النحت ـ وليس علامة مدينية، أو رمزا ً للنصر ..الخ انه، كما نشأ، قبل عصر الزراعة ـ ومعها ـ مكث يحمل قطيعته ـ مع ـ عناصره البكر. فهو خامة انصهرت بمكوناتها مجموعة عوامل في مقدمتها تلك التي مكثت لا تقبل المحو. إن منعم فرات، بوعي ما بعد ـ تدويني، يتمسك بسلوك (مثالي) تجاه قضايا الظلم والعدالة. فالنحت، هنا، بحث إشكالي قبل أن يصبح (علامة) اتصال: فالأشكال تسمح لمضامينها بمغادرة حدودها. إنها ـ واستذكارا ً للمعري؛ فيلسوف الموت ـ تحاول مغادرة الجسد. فثمة ما يماثل (الطيف) أو حبيبات الزمن ، أو لا متناهيات الذرة ـ يمكث عاملا ً: يغادر، كقراءة تستند إلى باثات الخامة، وما مكث فيها من كيان النحات، كانسان عمل برهافة جعلته يدوّن، نحتا ً، خفقان أسرار خلاياه كافة.

* مقارنة: البدائية
البدائية، يذكر كيركغور، ليست موهبة أصيلة، بل يجب أن تكتسب. ومع أن تحديد المصطلح، يتضمن تعقيدات متعددة، بل مبهمة، مثلما لدى المتلقي، فان تعريفا ً أخيرا ً يبقى عنيدا ً. لكن الإشكالية ليست تاريخية، كالإشارة إلى كائن بدائي، في عشيرة تعود إلى ما قبل العصر ألتدويني، أو إلى عصر مازال القوم يعيشون فيه بعيدا ً عن الحضارة، وتقنياتها. فالبدائيون متوحشون وشرسون، وهم، في الغالب، يؤسسون طقوس الصيد، وشعائر الافتراس، لا للطرائد، بل للنوع البشري نفسه. هل هؤلاء القوم (بدائيون) أم (متوحشون) .. كي نغادر هذا التصّور، ونتعرف على مفهوم: أصالة..أو تدشينات مبكرة للإبداع..؟ نلاحظ أن الرؤية (البدائية) لا يمكن سحبها على الأقوام البدائية، مع أنها ـ تلك الأقوام ـ أنتجت معظم النماذج الفنية، كتماثيل الآلهة الأم ـ عشتار؟
إن نماذج منعم فرات، لا يمكن أن توضع إلا في زمنها. وهي فترة تحولات اختتمت برحيله بحادث دهس، وكان الثالث. ولكن ما المقصود بـ (تحولات) ؟ هل لأنه عاش نهاية العهد العثماني.. ومن ثم .. الحرب العالمية الأولى .. والاحتلال البريطاني.. الذي ولدّ لديه رؤية عميقة للظلم..أم لأنه مكث يجد في الفن قدرة ما لتوازنه الشخصي، وقدرة تجعل من منحوتاته علامات مشاكسة؛ غاضبة، أو : نقدية..أم أن (التحولات) ـ وهي سمة جدلية لا تختلف إلا في الدرجة ـ منحته فرصة اختيار وبناء تجاربه بانسجام مع رؤيته لقوانين الوجود، وانعكاسها على مصائر البشر، والكائنات الحية الأخرى..؟
إن الصمت المتراكم، داخل نصوصه النحتية، وحده يمتلك قدرة النطق. انه صمت يخفي عويله. ويمكن لكل قراءة، إن لم تلتفت لهذه الإشارة، الذهاب إلى تأويل آخر: كالاعتراف بمناورة عدم البوح. مع أن منعم فرات، كما اعلم، هو الفنان الوحيد الذي أحيل إلى المحكمة بتهمة ممارسة النحت.. فضلا ً عن الدلالات السياسية المتكررة والمقترنة بإعماله الفنية. فأية(بدائية) أو(وحشية) بإمكانها أن تكون بديلا ً عن بدائية ـ توخّت عنده ـ : الذهاب عميقا ً في عصور سحيقة، ضمن نصوص الحاضر..؟ أم لأن منعم فرات، في الأسلوب، لم يختر نموذجا ً من التجارب الشائعة أو التقليدية.. ومكث يعمل بحرية استثنائية خارج هذه التقاليد.. اختار فرات، في النهاية، تقنيات يصعب حتى تقليدها.. فقد كان استنساخ أعمال الرواد، أمرا ً لا يثير الشبهات، ويمر. ولكن إذا ما تم محاكاة أعماله،بنسبة متقدمة، فعلى الآخر أن يمتلك شخصيته بالكامل. وهنا تصدمنا الصعوبة. فأعماله سهلة الاستنساخ، بحسب المنهج والأسلوب والموضوعات، ولكنها ستبقى من صنع أخر، وليست أصيلة.
إن بدائيته، في هذا السياق، تمتلك وعيا ً مرهفا ً ليس باختيار الموضوعات فحسب، وإنما في تنفيذها. فليست ثمة مهارة أكاديمية أو حديثة تقارن بأعمال أساتذة النحت، ولكن ثمة مهارة، كالتي عند هنري روسو: إن لم يذهب فرات أعمق في استنطاق الخامة، وليس أشكالها حسب: مهارة مثيرة للجدل. فأعماله النحتية لم تنجز للتزيين. والفنان لم يفكر في ذلك مع انه كان قد احترف النحت، ولم يصغها كنصب أو علامات لأحداث سياسية.. فلم يفكر بجماليات تتوازن مع هذه الأهداف. بل على العكس، ترك يده تعمل بفكر غير مقيد. فهو، غالبا ً، عالج كائناته بخيال لم يضع فاصلا ًبين الواقعي والخرافي..أو بين الأجناس. فانشغاله بالتعبير سمح للموضوعات أن تأخذ مداها في تحرير الوعي، والذهاب حيث الأزمنة تتداخل، وتندمج، كي تبلغ حقيقتها في (المجسم): النحت.
فالبدائية، هنا، ليست رؤية تبسيطية أو ساذجة، أو فطرية، أو غريزية، أو تلقائية، أو عفوية …الخ وإنما هي، مع أنها لم تتخل عن هذا الجسر، مع الإشكاليات المعالجة، رؤية تركيبية تجعل الموضوعات المعالجة تحت الأضواء: مجسمة ومرئية بما تمتلكه من إستحالات في الإجابة. فثمة شك يتجاوز الدهشة أو الفزع أو الخوف نحو (القلق) بمعناه الانطلوجي. ولكنه (القلق) الذي يتميز بيقين لم يفكك بعد، وإلا، لكان المنجز قد بلغ درجة الصفر أو انعدام المغامرة أصلا ً. فالنحات يتمسك بالعمل الإجرائي، في حدود موضوعات التنازع، والتآكل، كشكل من أشكال الأنظمة البيولوجية ـ السائدة. وستمثل تجارب النحات الحياتية مظهرا ً متصلا ً بتجاربه الفنية، كتذمره العنيد ضد الظلم، الذي استحال إلى موضوعات تذهب حيث الموضوعات المعالجة، لا تتحول إلى محض(إعلان) أو(موعظة) أو تتبنى وجهة نظر منغلقة وأخيرة. إن هذا الاختيار غير المقيد، لن يصبح مطلقا ً، بل مقيدا ً بموضوعات الحياة ذاتها: بخرافات دمجت أشكالها في دوامة التنازع والتناحر حد الفناء. إن هذا البعد (الموضوعي) لا الذاتي، في تفسير مشهد الكائنات عبر الحقب والأزمنة، لم يلغ فردية، وتشخيصية النحات، بل عززها بالتنفيذ: خمسون سنة من الاحتراف، ولكن الاحتراف الذي ضمن له ان يكون فنه مضادا ً للسلطة، مع أن الأخيرة، بحد ذاتها تمتلك مزايا ملغزات الصانع. بمعنى انه ثابر في الحفاظ على دوافعه في المعالجة ـ وفي اختيار الموضوعات، ولم يكن فنه، في هذا السياق، تعبيرا ً جمعيا ً، وإنما كانت ذاته قد تبلورت بسماتها الواعية ـ وهي تتقصى تدشيناتها في الأزمنة السحيقة. فالذات تمثلت بوعي ـ يمكن مقارنته برواد الحداثات وهم يتقمصون أشكال الماضي أو موضوعاته، أو وهم ـ كمنعم فرات ـ يتقاطعون مع مفاهيم حضارية قائمة على التراكم، أو على التدمير. لأن ذاته، حتى النهاية، لم تقنط من الذهاب عميقا ً في تفحص المحركات ـ وأشكالها: ذلك الكائن الهارب، والمذعور، أو الباحث عن سكينة داخل جدران المغارات، أو المهدد بالرحيل الجمعي، وصولا ً إلى فوبيا مثيرة لأسئلة ـ آنية. إن نماذج النحات لا تسحبنا إلى موضوعات اندرست أو عفي عليها الزمن، وإنما تبقى تستمد (لغتها) من أساليب حملت سمات خاصة، وفي الوقت نفسهن تواجه عالمها برؤية تاريخية غير تكرارية. فهو لا ينتمي إلى قبيلة ما قبل كتابية، أو مغلقة، أو خارج التاريخ، بل ينتمي لعصر الثورات الكبرى كغزو الفضاء وتعقيدات الحرب الباردة. فوعي النحات لم يكن قائما ً على(الدهشة) والأسئلة وغياب منطق تحليل جدلية الأسباب.. بل كان، كما في الوثائق التي تركها والمتوفرة، متقدما ص قي رؤيته النقدية للظلم البشري. فقد كان لا يؤجل الرد في قضايا تخص المعتقد بل وحتى الثوابت كالأسباب التي سمحت باصطياد الحيوانات الأليفة وترك المتوحشة أو القوية.. واختياره للنحت بما يتمتع به من قوة في التعبير على خلاف الرسم.. ونقده للظلم الاجتماعي وطبائع البشر. إلا أن الأستاذ شاكر حسن، بعد أن تعرف عليه وأجرى مقابلة معه ، يراه منغلقا ً. يقول : ـ ” وهكذا يبدو منعم فرات.. كائنا ً متناقضا .. فهو يحاول أن يخفي نواياه ولكن بصورة مفضوحة.. انه لكي يكمّل شروط العمل الفني كإبداع يحاول أن يصل به إلى حد استحالته.. وهذه هي عين الصيغة الفطرية له كما يبدو.” كي يضيف ـ ” ويستأنف حبه لعزلته ضمن منهج كوني يوضحه في استخدامه لمفردات حياتية تجمع ما بين الإنسان والحيوان وربما النبات..” فالفنان لا يتناقض حتى عندما يدلي بشهادات متناقضة، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى.. ذلك لأنه حرص بالحفاظ على عالمه الداخلي، وحصّنه، مكتفيا ً بجعل (النحت ـ الحجر) صندوقا ً اسود أو بيتا ً للأسرار، بدل الانشغال بما هو ضار أو غير نافع على حد تعبيره. هكذا يكتب الأستاذ شاكر حسن ـ ” حينما تعرفت بمنعم فرات لأول مرة لم أكن لأتوسم فيه أية عبقرية. كان يبدو إنسانا ً اعتياديا ً كمزارع، أو عامل وليس كمثقف” إنها شهادة بالغة الوفاء لنحات كان قد حدس ـ بخبرة يومية دقيقة ـ مغزى التراكم ـ والتزامن ـ لقضايا إشكالية في جوهرها.. وإن مهمته، كفنان، تبقى في حدود مهمته الإنسانية، وليس الوعظية، مع انه، في مناسبات مختلفة، لم يكن سلبيا ً في اختيار وسائل الدفاع عن الظلم الذي كان يتعرض إليه. بيد أننا لا ندرسه بصفته كاتبا ً، وإنما لا يمكن إغفال كلماته المختزلة و(العامية) والمشفرة في دراسة عالمه الفني. فالنحت غدا خطابا ً لا يتاح للفنان الفطري التقليدي ـ الذي لا يتمتع بسيرة تعليمية أو معرفية ـ إلا أن يحيلها إلى إشكاليات احتواها وتمثلها وجسدها فن النحت. إنني لا أقول انه كان يزيح القشرة، كما قال مايكل انجيلو، كي يحرر نماذجه القابعة داخل الكتلة، بل كان يحرر ذاته، بالدرجة الأولى: فقد كان النحت يمتلك استحالة إبعاده من الخطاب البشري، مثلما كان يجد فيه توازنا ً نفسيا ً وحرفة حافظ فيها أن يبقى كائنا ً يقاوم الهزيمة. فبدل أن يبقى مزارعا ً أو عامل بناء، فلسف خاماته وتصوراته بضرب من الرهافة، بدل التواري. وراح يكّون سكنه و(سكينته) في أقدم معمار: الكهف كذاكرة اخفت مصيرها ـ وتركته ـ يمتد إلى كل حاضر يتجدد بعمل نبضات مكوناته البكر: انه فن صياغة علامات تتجاوز عصور الصيد ، والزراعة، ومدن الحداثات الشفافة ـ وعولمة الإبادة ـ كعلامة مركبة ـ بتزامن إشكالياتها ـ خارج منطق البدائي أو الساذج، أو الفطري، أو اللاتاريخي..الخ تمتلك، بلغة قرن من الحداثات الأوربية ( منذ هنري روسو وغوغان وماتيس وبيكاسو ..) ولكن، بلغة قرون من مهارات الشعوب كافة، إدارة القفل، لا للدخول، بل لاستحالة الاعتراف بالهزيمة. إن منعم فرات، في هذا الدرس، يسمح بإثارة نقد يوسع قراءاتنا التأويلية للأثر، خاصة، بما يتضمنه من إشكاليات لا تسمح للبدائي، حتى في منتصف القرن العشرين، أن يقترحها كي تمتلك هذا العناد في الاقتراب من ملغزاتها: عمليات الزوال التي كفت أن تكون خارج ذاكرتنا ـ الحضارية، أو الجمالية!

* ما بعد ـ وما قبل
إن مفهوم (التزامن ـ التراكم) ـ والتزامن : الحدث الذي يجمع أحداثا ً تحدث بعيدا ً عن العشوائية( المصادفة).. والتزامن الذي يفضي إلى نهايات متجاورة … الخ تدفع بالذات لإخفاء تعرضها المتواصل للهتك، ومحاولة عنيدة للعثور على توازن يتخطى السلوك المعتدل. إن ظهور تجارب منعم فرات( مع عدد آخر من المولعين بهذا المنحى في التعبير في النحت العراقي) لا يمثل قفا النحت الحديث، أو معادله، أو الوجه المقلوب له، بل ضميره. فإذا كانت هناك تجارب: جواد سليم /خالد الرحال/ محمد غني حكمت/ إسماعيل فتاح/محمد الحسني/ عيدان الشيخلي/ طالب مكي/ صالح القره غولي/مقبل جرجيس/ اتحاد كريم/ سهيل الهنداوي/ عبد الجبار البناء/ ناطق الالوسي/ عبد الجبار ألنعيمي/ صادق ربيه/ عبد الرحيم الوكيل/ عبد الرحمن الكيلاني ..الخ فان منعم فرات لم يغامر ، في اختيار أسلوب يرتد إلى عصور سحيقة، ولا أن يحاكي أو يتمم ، أو أن يتباهى بحداثات أشكال، أو إقامة أنصاب تذكارية، أو واقعية..الخ بل اختط لنفسه منحى تداخلت فيه (النصوص) كي يصهرها، ضمن كتله الحجرية، وقد كفت أن تكون إلا ذاتها: هذا الذي تتواصل داخله رؤية الذي يقبع في الداخل. وكان من الصعب أن يتحدث الفنان بأسلوب خال ٍ من التشفير. قال لشاكر حسن، ردا ً على سؤال يخص رؤيته الفنية ـ
” اهجس واحد يشاورني” !

* من البرية إلى المأوى
تركت البرية خزينها مدفونا ً في قاع الذاكرة: خزين شكلت أحداثه رغبة بالنجاة؛ المأوى، ماديا ً ورمزيا ً معاً. ولما لم تكن عملية الانفصال من متاهات البرية إلى الكهف، إلا مرحلة أولية للانتقال من الكهف إلى (السكن) ـ من جمع القوت إلى صناعته ـ : فثمة، في المسار التطوري، انتقالة من ( التلقائي) إلى (الحدث) : تدشين القطيعة مع الطبيعة، وما تثيره من فزع متواصل. كانت الذاكرة حاضرة وكانت أفعال نواة (الدماغ) تعمل عمل الساحر: السيطرة.. وهي، عمليا ً، ستنقل المجهول (البري) في ماضيه، إلى (المجهول) في مستقبله. فما الذي سيشكله (السكن) عدا السكينة في عملها المؤجل؟
إن منحوتات منعم فرات، تنقلنا، منذ البدء: من الصخرة إلى الفعل. فالمجسم ليس إلا خامات(علامات) الصانع. فالنحت ليس وسيلة قتالية مباشرة، إنها، تعويذات للإرضاء، واستعادة لذائذ الرحم. ألا تبدو معظم تشكيلات النحات وكأنها داخل هذا الحيز الأول: المأوى. ولكن، في عمليات الاستذكار، تحدث القطيعة. فالارتداد يتوازن مع فعل الحاضر. فهو سيدمج الرحم بالجسد، في كتل متلاصقة، تكاد تفقد علامات الاختلاف. فالإشكالية مازالت توضح المسافة بين الكهف ـ و ـ المأوى.. وبين الداخل والفضاء الحر أو غير المقيد. فالصمت العاج بالعويل يكاد يستعيد لحظات المغادرة: الآم الوضع، ولكن، عند الوليد بعد أن فقد حمايته. إن مفهوم البدائية يتسع لدلالة: الابتداء.. مع الانشغال بما بعدها. فالتكوينات تبقى تحتمي بعضها بالبعض الآخر، كمجموعة من الأجنة يهددها خطر الانفصال أو المغادرة. وهي أجنة ترتد إلى المشترك بين الكائنات، ولا تتميز إلا بعلامات مبهمة بين البشر وأصولهم التكوينية البكر. فالنحات يوازن بين صدمة الولادة، وصدمة المتاهة. فالأشكال ستبقى في حالة ذعر، وكأنها لا تعمل إلا على استعادة مأواها القديم: الرحم، ولكن، ليس عصر البرية أو الصيد. هذا الرحم، يتهدم، وسيخفي أبوابه. فالكهف غدا مدينة ضاجة بالصخب والرياء. والكائنات لن تجد، غريزيا ً، إلا فعلا ًمستحيلا ً للارتداد: التجّمع. فهل ثمة حالة نكوص تسمح للمتلقي اكتشاف، عند استحالة التكيف، فعلا ً كهذا: أي، ضمن الذعر، باستعادة غايات لم يجتزها الكائن. إن معالجة (سلبية) الأجنة، في وجودها الآمن، يكتم قطيعته. لكن عندما لا تجد هذه قدرة المقاومة، والتواصل، ستعمل على استعادة فردوسها اللاشعوري ـ الواقعي، وإنما بتشفيرات تتضمن المسافات والانتقالات والتصدعات كاملة. فالعودة ستبقى وهمية، إلا أنها، مع ذلك وهم (التحديث) وفوضى المدينة التي لا تفتقر إلى حلول مناسبة: الحلم. فكائناته التي غدت مزيجا ً من الحجارة واللحم؛ من الصمت والعويل، من الفزع والرجاء… الخ لا ترتد إلى الخلف فحسب، بل ستجد في المجهول: مأوى معرى: واقعا ً تكونه متضاداته، وليس تجانساته أو وحدته. وهمه وقد غدا ربحا ً لا وجود له. فالموقف الفني جعله يكمل عملية [التتابع] كقدر مشّفر بآليات عمل مزدوجة بين الاستذكار ـ والتخّيل. إن نصوصه، من هذه الزاوية، تعيد قراءة سياق: الولادة ـ الموت كاملة. فالدراما المنغلقة للأشخاص (الكائنات المبهمة بل والمرتدة إلى أجنة قيد التكوين) لا تمتلك قدرة تحطيم عالمها المحاصر: عالم الرحم المستعاد .. وعالم المدينة الوهمي، المشحون بالغش والرياء والأقنعة. فالوعي المرهف، حد الشعر، والتفرد، والتصوف كخلاص من قواعد أقنعة اللعبة منحه قدرة اكتشاف، استحالة العثور على القدرة. انه ليس الإحباط، أو الشروع بنقد شرعية ما بعد صدمة الولادة، أو لا معقول العثور على معقول، بل الامتداد بما هو حاصل، والاكتفاء بصناعة لغة خارج الاستهلاك، والمداولة. فثمة، عند منعم فرات، رهافة حضارية ـ شعرية ـ مضادة للتداول. انه لم يكن يفكر بصناعة سلع للربح، وإقامة تعاملات مع الآخر بهذا الدافع، وإنما، على العكس، جعل خاماته مأوى للإقامة. وهنا يظهر أسفه البالغ لضياع أعماله، وتحولها إلى[أشياء]. لقد اظهر هذا الأسف، لأنه حلم أن تتجمع منحوتاته في مكان امن، كأنها، وفق حلمه، حيوات لا يرغب أن تقذف إلى المجهول: أسواق المدينة في ظل الاحتلال، واستحالة تمتع الناس، إلا بحياة الأقنعة. لقد كان وعيه، وحساسيته، وتلقائية عمل أصابعه، كلها، تجتمع في صياغة ذاكرة تنتج أفعالها، لا أن تستهلكها. وهذا الموقف، سيبقى يحمل فعله[التحديثي] كامتداد لصدمات كامنة، قديمة، مخفية، وحاضرة، في الخامة. فالنحت وحده سيحمل ذريعة ـ وقوة ـ الشاخص: إن الميت، وقد اندثر، وتدثر، لم يفقد زمنه. فهو سيبقى ـ كجلجامش ـ يجد في العمل، علاماته: حاضرة في حاضر لا يرتد، بل ينبثق. فالنكوص، والعزلة حد العزلة، والتوحد حد الفناء، لا يترك ـ كما يفعل الميت ـ إلا شاخصا ً يكتم كتمانات يستحيل كتمانها.

*سنوات التكوين أو عصر فرات
هل كان ثمة نحت، في العراق، حتى منتصف القرن الماضي، كي نتساءل: كيف اختار منعم فرات أسلوبه.. وكونه.. وليس لماذا اختار النحت…؟ انه لغم. لكن الناقد الايطالي البرتوجاتيني يكتب، وكان منعم فرات ظهر في أوربا ” ومنعم في قابلياته المتفوقة على غيره من النحاتين تعكس أعماله الفنية حضارات مختلفة، وهو مقبل على أن تكون قطعه اقل خشونة وأكثر حيوية، وبذلك تكون على مستوى عالمي كمستوى النحات الألماني ارنست بارلاخ ” وكان قد كتب أيضا ً ” ومما يثير الإعجاب حقا ً مثابرة فرات التي لا تعرف الكلل في سبيل العثور على تعبير جديد ملحمي وارضي في الوقت نفسه، معتمدا ً بالدرجة الأولى على الإنسان نفسه ” إن الإشارة الأخيرة، بضعفها، تذكرنا بحصول تحديثات [ما] كانت تجري بعد الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية، ومنها إقامة معارض زراعية وصناعية ضمت أجنحة للفن. ففي عام 1931 م أقيم أول معرض للأعمال الفنية في جناح متواضع من (المعرض الصناعي الزراعي) اشترك فيه بعض الأساتذة والطلاب الموهوبين. وقد نال جواد سليم في هذا المعرض، وكان عمره 11 عاما ً، أول جائزة فضية للنحت، بينما نال النحات فتحي صفوة، معلم الرسم في دار المعلمين الجائزة الذهبية. ولكن هل كانت هناك حركة فنية في بغداد؟ تسمح للفنان أن يختار (أسلوبه)…؟ يقول البرتوجاتيني ” منعك فرات، وهو النحات العراقي، اختار بمفرده طريقه الذي يقوده نحو غاياته الفنية؛ هذا الاختيار انبثق من أعماق نفسه الأصيلة. وأمل عمل قام به هو رفضه لأي شكل ولأي تأثير أوربي، سواء كان ذلك في التكنيك أو في الشكل الظاهري، ففضل في عمله الفني الرجوع أدراجه، مستوعبا ً الماضي كل ما فيه من جلال “! لكن هل كان ثمة ماض ٍ يسمح لفرات أن يرجع إليه..؟ وقبل ذلك، أية حداثة أوربية كان يمكن أن يكون لها تأثير .. ما.. كي يرفضها..؟ إن فرات، في المجال الأول، وجد شيئا ً ما في تأملاته لبعض الآثار المكتشفة توا ً، بعد أن كانت غائبة تحت الأرض لأكثر من ألفي عام.. أي أن الوعي بالماضي الفني لم يسمح بتقديم خبرة كالتي ستظهر في [بدائية] منحوتات منعم فرات.. وفي المجال الثاني، كيف تسنى لفرات أن يشاهد شيئا ً ما من الحداثة الأوربية.. كي يرفضها..؟
إن منعم فرات لم يجد، في زمنه، لغة (نحتية) محلية (وطنية) تمكنه من الاختيار.. كما ان تجارب رواد الحداثة في العراق، لم تظهر إلا بعد منتصف القرن الماضي. وفي الحالتين ـ كما يستنتج الناقد الايطالي ـ ” الجواب على ذلك يعتمد بالدرجة الأولى على الفنان نفسه وعلى أي مدى يستطيع ان يكون أصيلا ً حينما يعتمد على أعماق نفسه، حيث تكون هناك القوة الخلاقة لكل فنان أصيل ” . هذا الاستنتاج، في الحالات كلها، لا يلغي ما سيذكره ألبرتو .. فقد ” ظهرت لمنعم فرات دروس تعبيرية في المنحوتات السومرية والبابلية والآشورية وحتى في الآثار الموجودة في اليمن وفي جنوب الجزيرة العربية، فأنارت أمامه ماضي حضارة شبه الجزيرة العربية. فكانت هذه القطع الفنية خير مدرسة له ـ ( لنتلمس التناقض في الحكم التالي ” وهي إشكالية جديرة ان تدرس مستقبلا ) ـ : ” استطاع منعم أن يتلقى هذه الدروس من الأجداد، وهو لا يزيد عن كونه راعي مواش، وفي مناطق بعيدة عن كل شيء يمت إلى حضارة اليوم بوشيجة، اعني انه لم يكن بأي حال من الأحوال مثل الفنان الذي يعيش في باريس أو برلين أو لندن، حيث لديه الحضارة متصلة الحلقات، ومع هذا استطاع منعم أن يبعث الفن إلى الوجود، وان يواصل ذلك الفن الذي بقي معطلا ً ومفقودا ً لمدة تعد بمئات السنين على اقل تقدير ” ثم يتابع ” لذا يمكننا القول بان منعم شبيه بيكاسو وبراك وديران وماتيس، أولئك الذين فتحوا الطريق أمام التجديد في الفن الأوربي فنهضوا بهذه المهمة باكتشافهم الفن الزنجي والاوقيانوسي واستخلاص النتائج من ذلك ” وبهذا المعنى فان منعم فرات ليس رائدا ً، أو متمما ً، أو مجددا ً، إلا لأنه لم يتخل عن ابتكار أسلوب في التعبير: لقد كف ان يكرر، أ, يستنسخ، أو يعمل لأقل المكاسب قيمة: الثروة والشهرة. ذلك لأنه لم يكن قرويا ً، أو ساذجا ً، وإنما كان ـ كما كان جواد سليم يتمتع بذلك ـ يقاوم محوه. فهل ثمة [بدائية] معاصرة ـ منذ أقدم تجاربه ـ كانت تمتلك حساسية المراقبة، والتنظيم، جعلت النحات لا يعتد بفنه فحسب، بل بكرامته. ففي منجزاته انحياز لأرقى درجات الصدق: عذرية التعبير.. والسماح للأشكال في موقف الاستجابة لنبضات القلب، وعمل ما فوق الإدراك. فأعماله لا ينقصها التنظيم، ولا الهدم، ان ما ينقصها، هو الرداءة. فالحرية التي عملت بها أصابع النحات، لم تخضع إلا لاستجابات نائية: أسئلة شبيه بالتي راودت سقراط، وقبله، جلجامش: ما الذي يجعل الكيانات الزائلة تتمتع بعناد ـ وسر ـ ولغز الديمومة..؟ انه ليس الخلود.. ولكنه، عند منعم فرات، كما عند أقدم كائن اشتغل بالمراقبة: التأمل، وإعادة البناء، لا ينفصل عنه.هذا الضرب من الأفعال التي كانت تنتمي إلى (السحر) ولكن، تذهب ابعد منه: الفن. ومنعم فرات، بأقل الدروس استطاع أن يصغي إلى منطق الصخور، قبل أن يصدم بالمشهد البشري ـ الذي مازال يحمل مخالب كائنات الليل ـ ويستلهم، بفعل تأملاته، بشذرات فنية حديثة، ما تضمنته الحداثة من مآزق، واشتباكات داخل خطابها، كي ينسحب إلى ذاته، ويعقد صداقة كالتي أنتجت الدمى الطينية، وتماثيل عشتار، الفنون التي قاومت قيود تدميرها، أو تحجيمها. لان منم فرات لم يدخل ذاكرة أسطورية، أو حتى خرافية، بل صفعها، وتركنا نعمل على إدارة مفاتيحها. إنها أسطورة اللازمني ـ في الزمن: هذا الذي يتلاشى، ويذوب، ويندثر، وقد انتظمت في أحجار لا تتوخى أكثر من حضورها العنيد.

* في المعتقد: الرؤية والفن
نبقى ندين للأستاذ د. أكرم فاضل لا في اكتشاف منعم فرات، أو تسليط الضوء عليه، والتعريف بفنه عالميا ًفحسب، بل في فك مغاليق فن وحياة هذا الذي ” كان ينحت في البيت وينحت في دروب المحلة وينحت في المقاهي ” ووضع تجربة فرات في موضعها الذي أهمل، حتى كاد يكون غائبا ً أو بلا وجود. إن كتاب (منعم فرات) ـ نحات فطري ـ الذي آلفه نوري الراوي وأكرم فاضل، مازال يعد الوثيقة الأكثر، ضمن الوثائق القليلة النادرة، مدخلا ً لإعادة اكتشاف منعم فرات مرة أخرى، بعد أن تعرضت الثقافة العراقية الحديثة لشتى محاولات التخريب والتغييب والإهمال.
فلماذا كان منعم فرات ينحت، وحتى آخر أيام حياته، في حقبة زمنية كاد الفن فيها ان يكون خاصا ص بالجماعات الفنية..؟ حقبة عاشها فرات وأثرت عميقا ً في [معتقده] الخاص؟ إن الأستاذ د. أكرم فاضل يستنتج، بعد تعرفه بمنعم فرات ودراسته لفنه والتعرف على أفكاره، انه: ” إنسان حاد المزاج غريب الأطوار متنمر متمرد لاذع اللسان ” بيد ان أكرم فاضل يوثق بأمانة ” ولكني لم اسمع منه كلمة بذيئة أو شتيمة ” وإنما، يقول ” كان حر التفكير ” و ” له رأي خاص في المعتقدات”.
والاستنتاج الأخير له حكاية. فقد وعد الأستاذ شاكر حسن آل سعيد، مع عدد آخر من الفنانين، بدراسة تماثيله، كي تشكل نواة كتاب حول حياته وفنه. وقد اختلى شاكر حسن بتماثيل منعم فرات، يذكر أكرم فاضل، وسجل عنها ملاحظات.. وبشره بقرب كتابة البحث الموعود. يقول متابعا ً ” غير انه أصر أخيرا ً على مواجهة الفنان بلحمه وشحمه. فجمعت رأسيهما في مكتبي وتركتهما ـ منتظرا ً نتيجة الحوار ـ في الغرفة المقابلة.. ولكن ما شد استغرابي حين رأيت الأستاذ شاكر يخرج هاربا ً من وجه منعم، وقد فر لونه وزاغت عيناه، ليخبرني بأنه يعمل كل شيء لوجه الله، ونظرا ً لأنه وجد فرات يسير في غير هذا الاتجاه فانه يعتذر عن نكوله عن وعده! فقال أكرم فاضل لشاكر حسن : ” هب أن هذه التماثيل قديمة كسائر آثارنا القديمة، فهل كنت تطلب استقدام نحاتيها لتستنطقهم فتسألهم عن أمور دينهم ؟” لكن الأستاذ شاكر حسن سينشر حوارا ً مع النحات ( الرواق/ العدد13/ نيسان 1982) تحت عنوان [ منعم فرات ورؤيته الفنية] يوثق فيه بعضا ً من أراء فرات التي لها أهميتها في فك بغض مغاليق معتقداته ورؤيته الفنية. اقتطع من الحوار ما دوّنه الأستاذ شاكر بهذا الصدد:
[ ـ هل قتلت أحدا ً..؟ هل اختصمت، هل ذبحت دجاجة؟
ـ صمت.
ـ هل تعرف السباحة”
ـ أنا تبدور لا اغرق.
ـ هل تعبد الله؟
ـ أنا مذهب سز، دين سز” ] لكنه يقول لشاكر حسن ” أنا شيطان أنا ملك.. أنا سماوي أنا ارضي الجن خيالات ” ويعترف له ” اهجس واحد يشاورني ” كي يقول الأستاذ شاكر ” وهكذا يصل بي إلى (اعلامه الشخصي) كأي فنان مؤكدا ً انفراده بالقيم الإبداعية ومعلنا ً عن عبقريته ”
وتوضح كلمات الفنان لولده احمد، جوابا ً عن سؤال: ماذا تعمل يا أبتي من منحوتاتك هذه؟ فيجيبه : ” إن هناك إنسانا ً يبحث عني وابحث عنه، واراه يهيم في عالم الغيب من حيث لا يراني. ويوم يقع بصره علي ّ سيبرهن للناس على عظمة أبيك ”
لا يمكن عد هذه الإجابات، صادرة عن عقليه لا كتابية، أو بدائية. فمنعم فرات، شخصيا ً ذاق مرارات في مقدمتها سرقة ارث العائلة، وتحوله، من فرد في اسره لها شانها، إلى نحات [!] في ثلاثينيات القرن العشرين؛ أي شبه عاطل عن العمل، كان، بالكاد، يبيع تماثيله وسط السوق، بمبالغ زهيدة. هذا الفنان عاش نهاية سنوات الإمبراطورية العثمانية، واحتلال البلاد، وتعاقب الانتفاضات… فكان رأسه يزدحم، كما يقول ” بالسعالي والغيلان والأفاعي والعفاريت والطناطل ” فهل هذا الاعتراف محض كلمات فلاح لا يمتلك رهافة بالغة في استيعاب المشهد الواقعي وتحولاته؛ المشهد الذي آذاه شخصيا ً، فضلا ً عن انطباعات الفنان الخاصة بالحياة والتي لخصها ” حيوانات… ناس تفترس ناس. أنا لا اعمل شيئا ً مفردا ً بل عدة أشياء. هذا قافز على هذا. هذا قاتل هذا. هذا صاعد على هذا..” انه إحساسه بالمرارة دفعه للقول: أجمل شيء الحيوات.. خلو الإنسان على حاله..” وتبلغ الرهافة به حدا ً ـ كما جاء في نص دوّنته ابنته ـ انه كان يضع إناء ًفي سطح المنزل كي تشرب منه الطيور و ” يخاطب الله في كل وقت لماذا حللت ذبح هذه الحيوانات الأسيرة الضعيفة ولم تحلل ذبح الحيوانات المفترسة. يكره الحرب ويقول لماذا تزهق هذه الأرواح لولا الطامعون ” إن منعم فرات الذي مارس النحت وهو في سن 18 وزار المتحف العراقي، فقد كان معجبا ً بحمورابي وشريعته.
ولكن منعم فرات يعترف لشاكر حسن ” أعرف نفسي.. إنسان مخلوق ولا عبره.. يدخلني بسرداب ما بيه درج…” من ذا، غير كافكا، يمكن تصّور دخول العالم، إلى [قصر/قلعة/ محكمة] كانت عبارة عن سرداب الحياة وخالية من السلالم! فهل يقودنا هذا التصّور إلى رؤية منغلقة لـ : عالم مسدود.. في حدود ذهنية بدائية..؟ وما هو موقف النحات.. الذي قال ” أنا تبدور لا أغرق…”!
إن إعادة تذكر كلماته، وإرجاعها إلى موضعها من الكلام، وزمنه، تفصح عن رجل حذرن لدرجة ” لا يجلس بجوار احد في المقهى ” كما دوّنت ذلك ابنته. وكما دوّنت ” … هو منعزل فريد ليس له صديق.. يقول احذر أصدقاء السوء..انه يغدرك .. أو يسرقك.. أو يخون عرضك ” ولكنها تدّون ” كان منعم فرات مؤمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر..” وتقول أيضا ً ” لا يحسد احد.. يكره (التزييف) والحيلة والغش والفتنة …” تجنبا ً لخوض حوار في قضايا خاصة، وشائكة، خاصة انه لم ينس انه تعرض للاعتقال لأنه نحت بعض الشخصيات ومنها عبد المحسن السعدون والملك فيصل الأول .. حيث مكث (التابو) أو التحريم مزدوجا ً بالمفهوم العام وبالمفهوم السياسي. بيد ان تحليل ذبح الكائنات الأليفة أو الضعيفة وترك المفترسة له إشارة في محاورة عراقية قديمة. ففي محاورة الثري والفقير يتكرر السؤال ذاته.فيقول الغني للفقير ان الأسد وحده يفرض سطوته: الأسد ـ الأقوى ـ فما هو شان الآلهة بالأمر..؟ ان فرات، برهافته، وبتأمل مسيرة المظالم التي تعرض إليها، وشاهدها، لم يجد أكثر من الاعتراف بأنه وضع في [سرداب] خال ٍ من السلالم.. وانه لا يستطيع إلا أن يصّور واقع الاشتباكات والمتناقضات.. وهي، مثلما تحافظ على وحدتها بين الأشكال والمحركات، وبين الرموز والمرموزات، وبين الخارج والداخل، فإنها لا تغادر موضوعه: الافتراس..والعدوان. وستتداخل هذه الموضوعات بموضوعات الجنس المكشوف. فلم تصر(القبلة) على سبيل المثال ـ علامة للحوار والمودة ـ وإنما مكثت تحمل ذكراها الأولى: الافتراس! والخصب، لم يصر علامة حضارة في ديمومتها، بل تتمات لا تنتج إلا ما حدث في البدء. لان منعم فرات ـ يقول أكرم فاضل ـ لجأ إلى الفن المكشوف في منحوتاته، فأوغل في معالجة الأوضاع الجنسية فأخذت هذه التماثيل طريقها إلى فرنسا! ولما سأله احدهم عن سر انغماسه في هذا الموضوع أجابه بخشونة: ” ولماذا لا تسال الواقع ؟ ” إن فرات لا يجد ضرورة لستر أكثر الجوانب واقعية، كما لم يجد ضرورة بتجنب المشاهد الوحشية عبر الصراع في وحشيته وقسوته.. فهو، لم يعد محض فرد، بل، على حد قوله ” أساوي ألف إنسان! ” فلم يعد يناور، أو يرجع إلى الأقنعة، والغش، في الكلام، أو المناورة. فكان قد ارتقى بالرؤية (البدائية) حدا ً جعل الناقد الايطالي (ألبرتو جاتيني) في مقالة له أن يفضله فيها كفنان بدائي على بيكاسو, فثمة، في هذه (البدائية) قدرة التمسك بـ (وهم) المخيال الفني تتفوق على (واقعية) الإنسان الحديث.. فالمخيال ينتج حداثته البكر؛ ولا يتستر على حداثة معاصرة كانت قد صاغت مسرحا ً للموت والخراب عم ّ أوربا والبلدان التي غدت (سراديب) بلا سلالم، ومستعمرات غدا مصيرها يحدق في المجهول: إن عبقرية منعم فرات، لم تر عالما ًمنغلقا ً، بلا أمل، وإنما سكن فنه كموقف من وجد استحالة الذهاب ابعد من ذلك. فغياب الأمل لم يصر انغلاقا ً، أو ارتدادا ً ( وان كان الفن يتحرك طليقا ً ـ مع ـ وخارج ـ تاريخانية الزمن ) بل مشروعا ً لصناعته. والنحت عند منعم فرات، يكمن في مصائر كائناته: الإفصاح عن تصدع، وغربة، وتصادمات بلغت حد (التوحش ـ والأذى البالغ). فقد صّور الطبائع، خارج كل رقابة، وبحرية تامة. أما كلمته( دين سز) فإنها تجعلنا ندرك مدى معرفته لحدوده: الإنسان. فمنعم فرات لم يدرس المنطق، واللاهوت ـ والفلسفة، والفن في كلية، بل استلهم شتى المبادئ من ( المتحف) ومن دروس الواقع: الطبائع. فمعتقده، ليس مبهما ً، وملغزا ً، وارتداديا ً (نكوصيا ً)، وإنما، على العكس، راح يصّور عذاباته، ومحنته، بفن لا يستدرجنا للدفاع عن حقائق راسخة، عدا، كائنات قذفت في سرداب بلا سلالم! فالإنسان لم يختر أن يأتي، ولم يختر أن يرحل. انه، هنا، يتحدد بين مجهولين. وفرات، لا يشغلنا بهما. انه لا يشغلنا إلا بكائناته وكأنها قد حكمت بأبدية العقاب. فالحياة ليست سارة: إنها حفرة، حفرة يخرج منها الكائن، كي يرجع إليها. فالحرية، لا تغدو أكثر من مسافة.. حلم.. وكائناته (حيواناته بكل أشكالها الخرافية ـ الطوطمية ـ الإنسانية المدمرة) لا تروي سوى وجودها داخل هذا [السرداب]: الحياة. ان نفور الأستاذ شاكر حسن، من اعتراف منعم فرات (دين سز) لم يلغ إعجابه به، حد التحدث عن عبقريته. فقد وجد شاكر حسن فيه نزعة خاصة تتجاوز الشكلانية، بل ومنطق الخطاب السائد. وكما ذكر د. أكرم فاضل ( له رأي خاص في المعتقدات) فان هذا الرأي، لا يأخذ بحذافيره، كقوله ( أنا منعم فرات، النحات على كل نحت قدير !” إلا لأنه بلغ ذروة الاغتراب، وفقدان الأمل، لكن، لم يدفعه هذا (الحال) إلى اللاعمل، أو إلى: اللافن. فـ (القدرة) ستبقى بشرية: قدرة ترجعنا إلى كفاح مرير مر به الإنسان، في عصر الصيد، وعصر المغارات، وعصر الزراعة.. وها هو يبلغ ذرى عصر ما بعد: التدّوين. أي، كما قال: السرداب الخالي من الدرج. فالفنان تمسك بفنه، كما فعل أسلافه بحثا ً عن غاية تقع وراء الغايات. فلم يعد الهدف مجهولا ً، إلا بصفته هدفا ً قيد الانجاز. فالذي رآه؛ من شعوب تبتلع شعوبا ً، وتدحرجها إلى الحفر.. وما لمسه من ظلم، وما عاناه من قسوة، لم يدفعه إلى الصمت، بل، إلى صمت كائنات و صرخت لملأت الفضاء دويا ً. فالنحات وقف إلى جانب كائناته، وقد جعل من النحت مأوى وسكنا ً. فهو (قادر) و(قدير) بحدود حريته بين ماض ٍ بلا ماض ٍ .. وآت ٍ يمتد إلى ما لا نهاية. إنها معرفة شائكة عالجها بطقوس تستحضر خبرة واعية كامنة في لا شعوره السحيق: كائنات وجدت سكنها بعيدا ً عن الأذى. لكنها لم تتحجر. أي لم ينزل بها العقاب. لأنها مكثت تبث (لغزها): مكثت مضادة لموتها. فهي تعيد صياغة (أملها) وجمالياته: منحوتات لا تؤكد فعل الخيانة، ولا تزوّر أشكال التعسف. لأنها لا تنحاز للرياء ولا تقود إلى التدمير، بل تتمسك بضعف القلب البشري وسر قوته معا ً: طيور تحدق فينا، كأنها تتضرع: لا لذّة في القتل. وكائنات أخرى قيد الولادة. فأية علاقة لا زمنية ـ في عمق الزمن ـ سمحت لنحات قروي كان يضطر أن يبيع منحوتاته كي يشتري بثمنها الخبز لعائلته، أن يدرس ذبذبات النبض ويكّون أشكاله النحتية تبعا ً لدوافعها الخفية.. فكم كان صادقا ًعندما اعترف، لولده، بكلمات لا زيادة فيها ـ ” إن هناك إنسانا ً يبحث عني وابحث عنه، واراه يهيم في عالم الغيب من حيث لا يراني. ويوم يقع بصره علي ّ سيبرهن للناس على عظمة أبيك “.

* لماذا النحت..؟
[1] لماذا اختار منعم فرات النحت وليس لماذا وجد نفسه نحاتا ً؟ أكان كهؤلاء الذين وضعوا الواقع جانبا ً وسكنوا فجوات المخيال، حادسا ً ـ عمليا ً ـ انه أعلى مرتبة من الراضخين لعاداتهم، وفكريا ً، وأخلاقيا ً، وانه يود لفت النظر إلى جذر النفي؛ والبحث في: لا شرعية الشرعية..أم كان يجد لذة، ما، كالمطهر( الأرسطي) في إعادة صياغة المشهد الدرامي لكائنات تخلى عنها الجميع: الطبيعة، والمجتمع، والمؤسسات…الخ: كائنات وجدت إنها تتراصف في بناء اسمه: السرداب، الخالي من السلالم؟ ولماذا اختار، في سياق تابو شعبي يحرم التجسيد، والتشخيص بوعي ألي، كالقدر الذي جعل قدر السرداب قدرا ً، وذهب ابعد من ذلك، ابعد من القدر، ليس في جعله اختيارا ً(كاختيار الموت الحرـ السعيد) فحسب، بل تخيّل اللامحدود محدودا ًفي الضيق، واستحالة الفرار، أو الاستدارة، أو الارتداد، بل في مصاهرته، والانصهار بمكوناته، وبما هو، في النهاية، يكمن في سره المستحيل..؟ لماذا ترك أصابعه تلعب، بإيقاع حياة البرية، وبعزيمة فلاح لا ينبت نباتاته، بل يسكنها، ليكّون احتفالا ً للصمت، بعد أن علمته الخرافات: إن حضارته برمتها قائمة على ماض ٍ مدفون، وهي، في الواقع، متحفية، وان حياته، في مجتمعه، ومنذ صدمة الاحتلال البريطاني، لا تحكمها شرعية الخلاص، بل أقنعة الموت، وحياة مفرغة، وآمال لم يبق منها إلا أطيافها الغامضة. لقد أدرك منعم فرات أن (التحولات) بفعل تدشينات التحديث في المجتمع العراقي ـ كما لم تكن الهجرة من الريف إلى المدينة قد شكلت تصدعا ً تاما ً ـ ذاهبة ابعد من حدود السيطرة على شروطها التنظيمية. فأعماله ستكتم ـ وهي ستظهر ـ مفهوم النزاع ـ والتنازع ـ والخلخلة: إن مفهوم الحداثة يعمل على امتلاك الآخر، فيما كان الآخر، ليس أكثر من منسحب. انه غدا أكثر وعيا ً بغيابه. فالتحديث الأوربي الذي امتد ـ ببدائله ـ لم يحفظ له ذاكرته. ومنعم فرات سيسمح لأصابعه ـ وعقله ـ ببناء أبجدية لا تخفي، ضمنا ً، حتمية الاغتراب.
[2] ان موضوعاته النحتية، لا تُروى: لا تسرد قصة. إنها ضد السرد. لأنها تدوّن. فهي تكتم الصوت وتدفع به إلى بيت مغلق: بيت بلا أبواب. فالذي يريد ان يقوله، سيبقى مجمّدا ً، كي يبقى متحركا ً: إنها ليست مفارقة، وإنما استحالة. فالأسئلة التي شغلته، لم تعد مناسبة لعصر تخلى عن انسنته. لان واقع الإنسان المعاصر، ضمن التراكم ( الربح/ الحروب/ والمهيمنات الكبرى) غدا مالكية للتداول والاستهلاك. لكن رؤيته [ البدائية ] منحته قدرة مغادرة الصوت الجمعي: الحضور داخل غياب الكتلة. فالنحت لم يعد علامة للتداول السلعي، بل مقبرة في شاخص ـ علامة. فهو يحدّث نفسه، بصلابة حكماء لا يعّولون على الدائم، بل على المتحرك، انه يجمد الصرخة كي تبقى.. كأنه يعيد صياغة كلمات (أيوب) السومري الأخيرة، وهو يخاطب الإله، حول العذاب الذي تعرض إليه ـ وفيما بعد غدا امتحانا ً أو رهانا ً! ـ إنها مشكلتك! فمنعم فرات ليس مصلحا ً، كما لا يمتلك قدرة إصلاح حرب (الجميع ضد الجميع) وما خلفته الأزمنة، عامة، من: وزوالات متعاقبة؛ وزوالات لا تزول، وإنما اختار النحت كي يسكنه، كما يصبح القبر، في حالات، ملاذا ً. إن هذا الاختيار، يرجعنا إلى: المكان.
[3] فالمكان، بداهة، كالشكل، يتميز بالمفارقة، والتجاوز. بيد أن النحات، الذي تأمل عالما ً قيد التحولات، جعل صخوره قوة نفسية للمقاومة، وليس للاندثار. فلم نجد كلمة واحدة قالها أسفا ً أو ندما ً أو حزنا ً، بل عنادا ً. لقد كان يمتلك، بالفطرة، رهافة بنظام عادل. لكن هذا النظام، سيبقى قوة محركة لإرادته الإبداعية: أن لا يكرر نموذجا ً واحداً. فهو لا يستنسخ تماثيله. انه يصنعها لأجل بناء مضاد للقسوة. فتماثيله تبلغ حد كتمان تاريخ القسوة، مع إنها تبقى تتحدث عن بشر يجددون الأسئلة. فالمكان علامة حدود.. واختياره النحت ـ ربما ـ كان حدا ً يفصله عن عالم وجد نفسه فيه صفرا ً.
[4] إن اختيار منعم فرات للنحت، في مرحلة لا توجد فيها تعددية للاختيارات، تجعلنا نتساءل: هل هؤلاء الذين، في مرحلة ظهور الدمى الطينية وأدوات القتل، كانوا أسيادا ً.. وان منعم فرات، في اختياره (الصخور) استعاد حلما ً غاطسا ً، لا شعوريا ً، لم يختف من وعيه المستعاد..؟ إن شخصية منعم فرات (القوية ـ الصلبة) واعتداده بذاته، وعناده، وصلابته، وجرأته..الخ كلها لا تسمح لهذه الإشارة أن تكون ممحوة.
[13] لن نقلب المعادلة، ونتساءل: هل اختار النحت النحات، في سياق المنهج الحيوي، كي نفند: أن منعم فرات كان محض علامة لنحات ينتمي إلى سلالة الفنانين الفطريين..؟ لان تاريخ الفنان، يفصح، على مدى نصف قرن من المثابرة حد العشق، انه اختيار ـ بعناد مادة التعبير وأسلوبها. وانه لم يختر، أن يكون عضوا ً في قبيلة، أو فردا في جماعة داخل مدينة قيد التحديث.. لأنهما، ببساطة، لا يتمتعان بتعريف واضح يحدد هوية هذه العلاقة. فالقبيلة قيد التفكك، والمدينة قيد الإنشاء. فهو لا ينتمي إلى كتلة، بل، على العكس، أمضى حياته منعزلا ً ووحيدا ً وشاردا ً، عدا أن مشروعه النحتي، بهذا الزخم والكثافة، منحه ثباتا ً في مواجهة تحولات الموجودات وزوالاتها.
[14] ولم يكن اختياره لخامة النحت، الحجر بأنواعه، بلا مغزى. انه أرجعنا إلى النحت العراقي: عصر بدء تدشينات اللغة/ صهر المعادن/ التشريع/ والمدرسة … الخ وكأنه ـ منذ نهاية الإمبراطورية الآشورية ـ ليس إلا فجوات غياب. ولم يكن منعم فرات بحاجة لدراسة آثار تعود إلى ثلاثة آلاف سنة، دراسة منهجية، كي يبلغ ـ في فنه ـ درجة الصفر: درجة النحت. بل الوقائع ذاتها منحته معرفة لم تجرح كيانه وجسده وروحه وكرامته فحسب، بل حضارته. فكان اختياره للحجر، لغة: يحاورها وتحاوره حرية توازي لغز الضرورة. الم يكرر، انه كان لا يعرف أيشاوره احدهم ، ام كان احدهم يشاوره؟ فالرجل لم يكن يعاني من الفصام (الشيزوفرينيا) ـ كما يمكن اتهام أي فنان مرهف يتمتع بحدس فضائح الواقع وأقنعته ـ أو أطيافها، بل القهر سمح له ان يتمتع بحكمة العثور على حلول عملية وعميقة: لكن لماذا لم يختر خامة الطين، بدل الحجر، مادامتا تنتميان إلى الأرض؟ إن منعم فرات، هنا، لم يبعد النار، والعجلة، وكيمياء الخزف ..الخ عن ذهنه فحسب، بل ـ ربما ـ كان لا يجد تجانسا ً مع ذات الخامة التي جعلتها أساطير متعددة أصل الإنسان. وربما كان مطلعا ً في: أن آلهة بابل قد انفردت بعجنها بدم ( تيامه) وليس بالماء، وربما ـ ثالثا ً ـ كان قد سمع عن أسطورة لم تجعل الطين النقي، بل ( الوحل القذر) مادة كونّت كتلة اسمها (الإنسان) وهو لا يمتلك إجابة خاصة حول مغزى هذا الخلق..؟ ولقد كان الأستاذ شاكر حسن، برفضه تلبية طلب الدكتور أكرم فاضل، بالكتابة حول فن منعم فرات ـ لإعداد كتاب حوله ـ له مغزاه. لكن فرات حسم الأمر وقال لشاكر حسن ـ نقلا عن أكرم فاضل ـ بأنه يعمل كل ” شيء لوجه الله ” وهي كلمة، في نهاية المطاف، تمتلك ضميرها الجمعي. فلم ينشغل فرات إلا بفنه، والمضي بعيدا ً بجعل خامات الحجر، تتمثل كيانه، بدل الطين أو الخشب أو أية خامة متاحة أخرى. ففي الحجر ثمة استذكار لأزمنة قديمة، ليست جبلية بالضرورة، ولكنها مكثت تمتلك قدرتها في المقاومة. وفي جانب آخر، قد يكون قد وجد طهارة ما، ونقاء ً، في خامة لم تلوث، فضلا ً عن تمتعها بمقاومة ضد التلف والاندراس.
وقد تكون (الحجارة) ـ التمثال ـ إشارة مشفرة لصلة بأقدم استخدامات الحجر ـ الإلهة الأم ـ التي ترجع إلى أزمنة سحيقة؟ فإذا كانت انشغالاته، في معظمها، متوازنة بين الوعي والعمل الحر لشعوره الدفين ـ الغاطس، فقد تكون أقدم أداة للصيد .. وأقدم باب للمغارة ـ الكهف ـ مازالت تقاوم حضارة: الاستهلاك، تمتلك طهرها، الرمزي في الأقل. كما إنها مازالت المادة الوحيدة غير المركبة، أو المختلطة، أو الهشة. يضاف إلى ذلك: إنها ليست من صنع البشر، بل كانت قد خرجت من نار الكون.
قد لا تكون هذه القراءة التأويلية، إلا تمهيدا ، أو قد لا تبدو إلا تبريرا ً للاعتراف بما أنجزه منعم فرات، في قرن مازال فيه سكان البلاد لا يمتلكون رؤية متوازنة في النظر إلى الماضي ـ أو في النظر إلى الغد. ً فكلماته التي تحفر في الصخر، وليس في الذاكرة فحسب، تعمل أكثر من عمل المدية في القلب.. كلمات تقول” ناس تقفز على ناس… هذا قافز على هذا.. هذا قاتل هذا. هذا صاعد على هذا ” وإنما هذه الكلمات تبقى تحيلنا إلى تماثيله، بصفتها زاوجت بين منطقه الذاتي، ورؤيته لزمن بلا حدود. فالحجارة ليست وسيلة للدفاع، أو المقاومة، بل ستذهب ابعد من عملها في البناء، إلى: البناء نفسه. فالعالم، من وجهة نظر البدائي ـ الحداثوي ـ منعم فرات ـ شيّد مجسمات معمارية، وليس محض تماثيل تحمل ذكرى آلهة عفي عليها الزمن. فالبدائي الحداثوي ليس وثنياً، كما انه لم يفكر بإقامة علامات لها، بعد أن فند عمل (السلعة) كعلامة نحتية. انه صاغ معماره كخطاب تزامنت فيه روافد لا تحصى، وصاغه بحكمة جعلت من الحجر بناء ً، وليس محض وظيفة ينتهي عندها النحت، أو تنتهي عندها الوظيفة. انه راح يتحرك داخلها ـ وليس من الداخل ـ : انه قاوم السكون ـ سكونه وسكونها ـ بحثا ً عن سكينة مستحيلة، سكينة تتقاطع مع: ثبات كل زائل، ولكنها لا تتخلى عن ديمومة الزوال. فهو تمتع بذهنية لم نجدها، على سبيل المثال، إلا عند جايكومتي، ولكن لماذا يرد جايكومتي ـ هنا ـ هل لأنه أعادنا إلى خمسة آلاف سنة، والى مصر القديمة.. أم لان النحات المعاصر، كمنعم فرات، لم يفقد جدلية: الصدق ـ الأمل، ضمن الحلول التي تختار نماذجها باستثناءات حد الاستحالة؟ إن رؤية تتمتع بهذا التدفق، تمتلك، في ذات اللحظة، قراءة مثابرة: لقد صاغ النحات فنه، ككل القضايا التي لا تمتلك إلا حضورها في الوجود. وان الفنان لم يجد في منحوتاته، إلا تكثيفا ً لأزمنة سمح لها أن تكون مأوى للأطياف، ولديمومة لا تدوم، إلا بزوالها! بمعنى: إنني عندما أموت، لا يكون الآخر، المنبثق، إلا موتا ً وقد دفن ذكرى موته، حد المحو، في (صدق) خال ٍ من الشوائب؟ فهل اشتغل لا وعيه بحدس غدا ـ بفعل وعيه ـ ملغزا ً ولا يسمح لنا، إلا بالمزيد من القراءات، والتدشينات الخلاقة؟

*عن الحوار المتمدن

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *