الشعرالعربي بين الحداثة والمعاصرة (15)
السيكولوجية الشعرية بين الحداثة والمعاصرة (3)
د. فالح نصيف الكيلاني

ثم ولدت قصيدة النثر او ما يسمى بالسطر الشعري بالشعر الحديث او المعاصر والتي أثبتت في نهايات القرن العشرين وبدايات هذا القرن حضورا متميزا في الساحة الشعرية العربية على الرغم من شدة المعارضة – من اصحاب عمود الشعر او الشعر التقليدي (التقييدي) او الذين شكّلوا دافعاً قويّاً لاستهداف التغيير والحط من قيمته ومكانته – غير عابهين بهم او غير مستمعين – للتطور الزمني الرافض لهذه الحالة والسائر في مسيرة متقدمة نحو المستقبل بنزعاته وارهاصاته وفيه تقول الشاعرة المغربية فاطمة المنصوري في قصيدتها (آهات قمر):

على جناح الطير الشادي

سافرت ….

الى الورد الجوري

وكتائب البوح تنادي

من اعماق النيلوفر

خرجت حكاية

ترويها الحواري

على نغمات اليمام

وجرس الحمام

رعد في قلوب الجبناء

يغتال العنجهية

على نغمات الاوتار

وحفيف الاشجار

شددت تلابيب عمري المندلق

ازحف بين الافاعي

ارسم طريقا

اجتث شوكا

فالشعر الحديث صمد أمام تيارات الرفض هذه وبدأت هذه المعارضة الرافضة تضعف رويداً رويداً أمام رغبة الأغلبية في حتمية التغيير والتحديث وذلك لان الشعر عالمٌ يختلف كليا عن عالمنا المرئي فهو عالم ملئ بالسحر والجمال والطقوس والرمزية (المعاصرة) في بعض الاحيان بعيداً ومتجرداً تماماً من المادة

راجع كتابي – (الموجز في الشعر العربي) –

الرمزية في الشعر المعاصر\ ج 4 صفحة\632 وما بعدها)

اما الشعر الجيد فهو الكنز الثمين والوجه الحقيقي للواقع الإنساني ولطالما حلم الإنسان به منذ أقدم العصور بأ ن يكون شاعرا او يولد شاعرا . لذا استطيع ان اقول ان الشعر حالة روحية او نفسية تكتنفها العاطفة الحقة و تتأ رجح بين التأمل والالهام والحدس فالانسان الحديث ربما كانت له حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي فهو غير الانسان العربي القديم الذي كان هائما في الصحراء ينشد الكلآ والماء ويتغنى بما يجيش في نفسه من مشاعر واحا سيس في حدود امكانيته وظروف طبيعته فالإنسان العربي الحديث ربما تعتريه حالة او مجموعة حالات متناقضة بما تمليه عليه نفسيته والواقع المعاش في الوقت الحاضر وتناقضات المجتمع الانساني المختلفة المحيطة به .

والشاعر الحقيقي هو هذا الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية عالية ومشاعر مركبة ومعبرة عن طموحات نفسية الشاعر ومدى تأثيرها في الاخرين و ابداعات خلابة وطموحة . فالقصيدة الحالية تمثل كائنا حيا او هي أشبه بالكائن الحي حيث يمثل شكل القصيدة او بنيتها جسده . ومضمونها روحيته فهي تمثل الصدى الذي تنبلج منه اسرار روح الشاعر واراؤه ممتزجة بعواطفه واحاسيه .ومن المفيد ان ابين ان الشاعر الحديث المطبوع شاعر تتمثل فيه غزارة الثقافة في امتدادات عميقة وكأنه وارث الحضارات كلها ومطلع على ثقافات الامم المختلفة .

لذا اصبح متمكنا من استخدام مفردات اللغة لتصوير افكاره وارائه وعواطفه وخلجات نفسه دون تاثير من خارج او امر من احد و يرتكز على فلسفة عميقة غنية تحصنه عن القول الضحل الفاني او الركيك الى القول العميق والرصين فهو اذن يمثل فيضا هادرا وتلقائيا للمشاعر النفسية القويَّةِ المنبثقة من اعماقه يَأْخذُ بها مِنْ العاطفة المتأملة المتجددة المنطلقة نحو الافضل متألقة متناغمة تنشد الحياة والانتشاء فيها والحب للانسان المثالي ونحو الافضل في توليده للافكار والابداعات الشعرية الجميلة ومحـــاولة خلـــقها مـــن جــديد واختم بحثي بقصيدة الشاعرة الفلسطينية المعاصرة (ايمان مصاروة) وهي تغني لمدينتها المقدسة القدس قصيدتها (تنهيدة عشق):

على أعتابِ حزنكِ قد مَضَينا

فُرادىً في المنافي نُستباحُ

أيا فجرَ الأماني في عيوني

أيا وجعاً يُناجيهِ الصباحُ

تَسيلُ دماؤُنا حِيناً فتَروي

على أعتابِها جُرحاً يُباحُ

ألا يا قدسُ يَبكي الشعرُ مِنّي

دماً يُشفَى إذا حُمِلَ السلاحُ

عروسٌ تَستقي مُرَّ النوايا

وتأنَفُ مِن هوانٍ لا يُزاحُ

أكلّمُ تربَها شوقًا كأنّي

ملَكْتُ الروحَ أن هبّت رياحُ

لِمَن هذا الشهيدُ ومَن يُصلي

هو القدسُ العتيقةُ والبِطاحُ

أيا وطنَ الجنائنِ أنتَ قلبٌ

تُكبّلُه السلاسلُ والجراحُ

*

. امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق – ديالى – بلـــــد روز

شاهد أيضاً

عباس خلف علي: لعبة الاستعارات وأوهام الكتابة

يستعير ايكو الغابة ليتأمل النص السردي وقضايا بنائه وتلقيه و تأويله ، فهو لا يريد …

روايات مترجمة: (4) صاحب الفخامة الديناصور
(من الأدب البرتغالي) خوزيه كاردوسو بيريس
ترجمة: فاضل العزاوي
قراءة: ناطق خلوصي

يتوغل الروائي البرتغالي “خوزيه كاردوسو بيريس ” في عمق الماضي البعيد ويخرج بنسخة من الكائن …

ثامر الحاج امين: تداخل السِيَر في رواية (رُقم الغياب)

ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر مؤخراً رواية ( رُقم الغياب ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *