الرئيسية » نقد » ادب » هاتف بشبوش: صباح محسن جاسم صرخةُّ صامتةُّ , تمتد من فم الجوع حتى سيماءِ جباهِ الخشوع

هاتف بشبوش: صباح محسن جاسم صرخةُّ صامتةُّ , تمتد من فم الجوع حتى سيماءِ جباهِ الخشوع

عرفته ناثرا جيدا معتزا بقصيدة النثر المثيرة للجدل , منذ ذلك الوقت الذي قال فيه فيكتور هيجو , (سألقي بالنظم النبيل الى كلاب النثر) , وحتى اليوم هي مثار المديح والهجاء والنقد الذي لايتوقف ابدا , وقد ظهرت نتيجة انتصار البرجوازية على الارستقراطية  السائدة انذاك , وبالاخص في النصف الثاني من القرن التاسع عشر  .
في قصيدته الموسومة ( علامَ اذن هذا القيام ) كان عالـَماً إجتماعيا مشيدا داخل اللغة ,هديراً شعرياً يعبر عن فوضى الذات وما ألمّ بها من صداع , وما عرفته أحاسيسه من حرقة , وماسمعتهُ آذانهُ مما لايُصدّق , وما شاهدهُ من ترويع , وما أنفك الانف أن ْيشم  من القذارات التي أدت بنا الى هذا المآل الذي لم يكن في الحسبان بعد سقوط الصنم .
من الشعراء الذين لايمكن لهم ان يعيشوا بدون الكتابة , كما انه يبدو عليه في هذا النص قد اكتوى بنار الاسئلة التي أرّقتهُ وجعلتهُ مأزوماً من عوائق كثيرة , من أبرزها الهيمنة النكوصية الغيبية على الفقراء والجياع , وهم ينساقون الى حتوفهم بعصا المتدينين المزيفين الجدد, والذين قال عنهم الرصافي(وأقبحُ جهلٍ في بني الشرق …أنهم يسمون أهل الجهل بالعلماء), او كما قال الجواهري ( وما الدين الا آلة يشهرونها الى غرضٍ يقضونه وأداة ).

لنرَ ماذا قال في أسئلته هذه التي انطلقت من واقع مضطرب:
هل المعنى انْ نجوع
نختم على جباهنا زيادة في الخشوع
نرشّق من مِعَدنا ونوسع من ادمغتنا
 
الجوع الذي استفزّ جميع الشعوب المضطهَدة على مر الدهور , الذي كتب عنه الكثير من المفكرين والادباء والفلاسفة ,وقد كتبوا نظرياتهم الاقتصادية استنادا الى العوامل العديدة التي تؤدي الى الفقر ,. بالمختصر هو العصب الرئيسي في استقرار كيان ما او دولة ما اوحتى على مستوى  العائلة  والفرد . فهو ليس بموضوع ٍ جديد أتى به, لكن الجديد , هو الكتابة عن الجوع بهذا الاسلوب الادبي المتميّز , هو ذات الاسلوب الذي تناوله القليل من الشعراء الكبار كما سنبين لاحقا , الاسلوب التساؤلي او التحاور مع الذات الالهية , والقاء اللوم على تلك القيم السماوية الموروثة التي  لها الدور الكبير في جعل القناعة التي ليست في محلّها, في ان تكون هي السائدة , لأسكات الجياع والفقراء .  فنجد الجوع الذي تناوله, هو الذي يحدد أرق وقلق الانسان من عدمهما , هو الذي يحدد لنا مسار الكفر من الايمان ,  وهو الذي يحدد بذرة الخير من الشر في دوافع الانسان الغريزية والمكتسبة بالفطرة او من عوامل اخرى , وهو الذي يحدد خوف الانسان من الغد , علاوة على الطمأنينة , او نوم الذي يضع حصىً ثقيلةً فوق بطون أطفاله كي يسكتَ جوعهم. أو الجوع الذي ظهر جليا في ايام الحصارعلى العراق وماذ ألمّ بالامهات العراقيات الثكالى (ياولدي ياحبة عيني / لم يبق لنا مما يعرض في السوق/  الا انت بسوق الخدامين / وانا في سوق الحب).

لقد وجدت ُ في ثيمة الشاعر اعلاه التي بدأها بالجوع , صرخة سؤالية صامتة , ذكية جدا , أتت من الجزع وطفحان الكيل لدى الشاعر, صرخة موجهة حصرا الى الآلهة, ثيمة جعلها بداية النص , مما اعطاها جمالية اكثر في رصها , ووصولها الى آذان من يقصدهم  ,مباشرة ودون مراوغة او رتوش ,صرخة موجهة الى كل المتزلفين والافاقين والى كل من تسول له نفسه ان يتلاعب بمقدرات وعقول الناس البسطاء , وبالاخص الى من يمسكون بزمام الامور اليوم  , صرخة ضد كل أولئك الذين يحرقون الباذنجان على جباههم كي تبين سيمائهم زيفا ً , وفيها من التشاكي الموجه الى سلطة ما , سلطة جعلها علينا خفية , او قابلة للتأويل لغاية في نفس يعقوب , وسط هذا العالم الملئ بالتربص, وفيها من الدعوات الصريحة التي تجعلنا ان نتوقف عندها  , وماهي الدروس التي نستخلصها منها .
هنا الشاعر في حيرةٍ من أمره ,ماذا على الفقير الجائع ان يفعل , هل يتزود من التقوى كي تسكت معدته ومعدة من يعيلهم  , وينتظر الصحون تسقط فجأة من مطعم في السماء  , مليئة بما لذّ وطاب , ثم يكثر من التعبد وما من شئ  ,  وهكذا دواليك , المجاعة التي تتعرض لها الصومال اليوم , في حين انّ العالم الغربي الكافر ينعم حد التخمة , فهل على الصوماليين ان يكثروا من الدعاء والتطلّع الى السماء , بينما الزر ومفتاحه بيد امريكا والبلدان الرأسمالية الكافرة, أنّ الشاعر يطرح سؤالا لاغير ولايعطي الحلول وهذا هو حال الشاعر ابدا ,  مهمة الشاعر تكمن في قول السؤال اما التغيير, فليس من مهمته , مهمته هو اثارة الهمم.
الشاعر هنا يذكرني بتلك المرأة العاملة التي رأيتها تعمل في مرافق صحية عامة في سوريا , وهذه المهنة هي اسوأ المهن على الاطلاق والتي لم نجدها الا في البلدان الفقيرة وبالاخص في بلداننا , فلما انتهيتُ , وأعطيتها المبلغ التافه عني وعن صديقي وهذه تحصل دائما واصبحت من النكات المتداولة ,  حوقلت وبسملت وشكرت كثيرا , فقلت لصاحبي , علام هذا الخشوع , فهل يوجد اقذر من هذا المكان , وهل يوجد اكثر مهانة لبني البشر من هذا , فقال لي ربما هذا المكان بالنسبة لها حقلُ رياحين .
الشاعر هنا يحذو حذو القليل من الشعراء الكبار الذين تناولوا موضوع الفقر والجوع في قصائدهم , وبهذا الاسلوب المتميزالذي يدين من يتمشدقُ بالغيب , ومنهم الشاعر الكبير, مظفر النواب حينما قال:
لاتلم الكافر في هذا الزمن الكافر
فالجوع ابو الكفار/ مولاي انا في صف الجوع الكافر
مادام الصف الاخر يسجد من ثقل الاوزار) .

 الشاعر المتمرد , عروة بن الورد , الذي قال :
دعيني للغنى أسعى فأني   ………. رأيتُ الناس شرّهم الفقيرُ

عروة بن الورد الشاعر الصعلوك  في صرخته هذه دعوة صريحة ضد الظلم  وضد ما كان يلاقيه الفقراء أنذاك  من حيف وقهر وجوع , دعوة  لاقامة نظام اقتصادي يجعل من كل بني البشر في حالة من الرفاه الاجتماعي والبحبوحة التي تمكنه من الابتعاد عن الشر كي يتابط الخير في دنياه .
الشاعر العربي الكبير ابو العلاء المعري , قال متحدثاً عن الفقر او الرزق الذي يأتي الى اناس ويهجر آخرين :
اذا كان لايحظى برزقكَ عاقلُ…….وترزقُ مجنوناَ وترزقُ أحمقا
فلا ذنب يارب السما على امرئ…… لاقى منكَ مالايشتهي فتزندقا
الشاعر يقترب في سؤاله مع ما قاله ابو العلاء في البيتين أعلاه ,  والفرق هو بين الشك واليقين , حينما تحدث عن الجوع وكثرة الخشوع , وكأنه من اللاأدرية , أو أنه على دراية تامة ٍ , ولكنه طرح السؤال وكأنه غمغمة ُ مع النفس وبأسلوب ساخر جميل , اما ابو العلاء كان صريحا جدا , حينما أزاح صفة الذنب من إمرئ  قد لاقى الكثير من الفقر وعم المحظوظية في حياته , مما ادى به الى انْ يتزندق .
الثورات التي قادها الكثير من الابطال والذين اصبحوا مشاهيرا  وايقونات , ابتداءا ً من سبارتكوس الذي كسّر قيود الامبراطورية الرومانية وهي في اوج طغيانها , لقد  اراد التحرر , اراد ان يثور للكرامة وضد الجوع  بداية , لان الامبراطورية اذا ما ارادت ان تعاقب شخصاً , تحكم عليه بالعبودية , اي ان يصبح تابعا لمن يشتريه جسديا ونفسيا ,  والمالك هو الذي يتخم العبد كي يكون مجالدا قويا في ساحات النزال المثيرة انذاك , كي تؤنس الملوك والاباطرة والجمهور المتفرج في ابشع صور القتال  حد الموت .
الجوع الذي  جعل من شخص الامام علي ان يقول قولته الشهيرة المعروفة لدى الكثيرين , وابي ذر الغفاري الذي قال (عجبتُ لمن لا يجد القوت في بيته…. كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه).
الجوع , اساس كل الثورات , كل التغيرات , هزّ الكثير من العروش ,  كلمة تولّد في جنس البشر والحيوان على حد سواء نزعة القتل  , الالتهام والافتراس , اللارحمة , التوحش, الحروب , كره الانسان لاخيه الانسان ,  السعي الى التناحر , ونزعة التخلف التي تصبح هوية للشعوب على اختلاف مشاربها واديانها  .. لقد كان الشاعر موفقا بشكل كبير في بدايته الرائعة هذه .

او نمعن النظر في سّلّة الافطار
فنزيد من سعر خامنا والطعام

لقد قال كونفوسيوش , الحكيم الصيني الذي بقيت تعاليمه تحكم الصين الفين وخمسمائة سنة , ان هناك ثلاثة اشياء يجب ان توفرها الحكومة/الغذاء الكافي , جنود كافية , و ثقة الناس بها/ ويسأله احد التلاميذ وماذا يتغاضى من هذه الثلاثة/ فقال اولا الجنود ثم الغذاء لان الموت هو النصيب المشترك بين سائر البشر, بينما شعب لايثق بحكامه لن يبقى.
الآفات الكبيرة واصحاب رؤوس الاموال التي ظهرت في الاونة الاخيرة وبعد سقوط الصنم , لقد أذهلتْ الناس من كثر ماتملك في ليلة وضحاها ,  الاثرياء هؤلاء هم نفسهم الذين يتعاملون مع البسطاء من الناس وهم الغالبية العظمى , باسلوب التدليس والخداع , ولذلك نرى الكثير من اصحاب المحلات الكبيرة وتجار الجملة والمفرد حينما يجلس , نرى  وراءه قطعة خط ّعليها كلمات دينية تتناغم مع البسطاء , ولكنها في الحقيقة كلمات تعني ( هذا من فضل السرقة ) , ( وعلى الغش بالميزان ورفع الاسعار توكلت) ولذلك نجد التلاعب بمقدرات الناس وتضارب وارتفاع في الاسعاراليومية يثير الدوار والصداع, وخصوصا في الاشهر الحرام ,  أنهم التجار , البرجوازية واصحاب رؤوس الاموال المدعومة اليوم من قبل زعامات السلطة  التي تتخذ من المسبحة وسيلة لتمشية ماتريده , ودون وازع من خوف , من بشر او رب او مرجع .
ناهيك عن الذين انتخبهم الشعب , الذين لم نجد لهم مثيلا في السرقات , وكل واحد منهم اصبح رب البيت , فماذا ننتظر من شيمة البيت ان تكون  . ولذلك من الطبيعي جدا أنْ نرى حقوق عامة الناس مهدورة وما من مناصر لهم .
في البلدان الديمقراطية المتحضرة نرى ان 14 بالمئة من الناس هم من الاذكياء  , وهؤلاء الاذكياء تناط لهم مهمة ادارة الدولة ومراكزها الحساسة , وهم يعملون بكل شفافية واخلاص في خدمة عامة الناس البسيطة . ولكن في بلداننا نجد العكس , بل هذه الايام لانجد مكانا للمثقف والاذكياء ..وهذه حالة خطيرة تؤسس الى الشوفينية والتعصب .. كما كان يقول وزير اعلام هتلرغوبلز ..(حينما اسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي) … فاذا بقينا على هذه الاحوال,  فهذا يعني أننا سائرون الى الانهيار والخراب  في جميع مجالات الحياة .

هل سيلتم شملنا ؟ مثلا :
نساعد متعففا مريضا أو معوزا
او نتجرأ بالسؤال,
عن صديق من غير ديننا ,
هاجر وطمع البعض منا بالمكان
هنا يسأل الشاعر وهو العارف جيدا انها دعوة عصية على التنفيذ وعلى تحقيق منالها ,مع هذه الشعوب التي قطعت شوطا من التخلف ولازالت مصرّة عليه , الام تريزا , الهندوسية الطيبة , كانت تساعد مختلف البشر على اختلاف اديانهم , وكانت تمسح وجوه الاطفال من الذباب او من الاتساخ , ولذلك نالت احترام الكثير من البشر , وهي اليوم لها تمثال كبير ويحتفل بها كل عام  بصفتها قديسة  .
الشاعر يدعو الى ان يتعايش البشر على اختلاف اديانهم , او لم يقل علي ابن ابي طالب ( الانسان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق ) , ولكن في شعوبنا نرى ان هذه القيم ليس لها من احترام , وكأننا نسير وراء مقولة الالماني الشهير غوتة(النظرية رمادية , لكن شجرة الحياة خضراء ابدا) ,  ولذلك نرى الوطن مثلما توقع الكبير مظفر النواب  حينما قال ( ياوطني هل انت وطن الاعداء.. ام انت بقية داحس والغبراء) . فنرى النزاع بين طوائفنا نفسها  , وهي التي تنتمي الى نفس الدين , بل تجلّى النزاع في القتل العشوائي هذه الايام , ولم يُمارسْ هذا النوع من القتل اسوأ انواع البشر على مر التاريخ  ,حتى البوذيون وعبّادة الفأر والهندوس الذين ننظر اليهم بعين الاحتقار , هم في الحقيقة من الشعوب المسالمة البعيدة عن العنف , وكأننا نعيد الذي حصلَ في البنغلاديش , والحرب بين الهندوس والمسلمين في السنوات الماضية, والذي ينظر الى تلك الاحداث المشابهة لما يحصل في العراق , فسوف يتراءى الى ذهنه مقولة الروائي الشهير كازانتزاكيس حينما قال(الشيطان والرب الرحيم كثيرا ما يتشابهان ) . واروع ماصور هذه التراجيديا المبكية لقتل الهندوس هي الروائية البنغلاديشية المسلمة ( تسليمة نسرين) في روايتها ( العار) والتي حكم عليها بالكفر نتيجة لسردها لما حصل من أحداث مرّوعة في بنغلاديش على حقيقتها . لكنّ هذه الامة لابد لها ان تأخذ درسا ً في التخريب.
او نتجرأ بالسؤال,
عن صديق من غير ديننا
تذكرني هذه الكلمات بقصة حدثت مع جارنا في السماوة, كان قد اتاه ضيف ُّ من البصرة , فقام بالواجب كاملا وحسب الاصول واكثر من ذلك , وفي النهاية لما توادعا وسافر الرجل , قالوا له , حجي  , حجي  , أتعلمُ انّ ضيفكَ من الطائفة الفلانيه , فقال شلون شلون .. فما كان منه الاّ واستعد للعمل وغسل البيت من اعلى السطح الى عتبة البيت الخارجية , حتى اطمئن ان البيت اصبح طاهرا ,,, وهذه الايام , نرى الطوائف تقتل بعضها البعض على الهوية والاسم والانتساب , في ابشع صور القتل , من يسأل على من , من يناغي الى من .. الجهل قد اعمى الابصار فلم تعد تنظر الى الحقائق بشكل صحيح , كما وان البرجوازية ليست من مصلحتها ان تقضي على الجهل بل هي التي تنمي هكذا افكار لكي تبقى هي المتسلطة دائما وسلاحها هم البسطاء من عامة الناس. لكننا في السبعينيات, كان هناك نوع من الالفة الجميلة , حيث كنا طلبة متعايشين على اختلاف ادياننا , الصابئي والايزيدي , والشبكي وغيرهم , الا ان صدام وحزب البعث المجرم لم يرق لهم ان يستمر البلاد على هذا النحو , فاجهزوا عليه حتى وصلنا الى ماهو عليه الان .
في بلاد الكفرعلى سبيل المثال في الدنمارك وفي الصف الذي كنتُ فيه , صف لتعليم اللغة الدنماركية , كان معي الهيسباني , السنتويسي ( ديانة يابانية وطنية تقدس الاخلاق والطبيعة ) , الهندوسي , المسلم , المسيحي , وغيرهم ..وهذه كلها تمثل التركيبة المثالية للشعب الدنماركي المتعايش تحت ظل الحكم الديمقراطي , الذي فصل الدين عن السياسة منذ اكثر من قرن ونصف , فارتاحَ وأراح .
أو كيف نوحد قرارنا بدءا :
 بوحدتنا في الصيام
نقوم على أذان واحد
•-         فالنجرّب –
يجمعنا ويشيع فينا الأبتسام
ونفطر …..
محتفين بالعيد موحَّدين
نسأل عن الأقربين
نلمّ  أهلنا  هنا وفي الشتات !
أم نبقى ننتظر مخرومين
بانتظار السيد ” شيقل” ليوحدنا

 نرى هنا حسرة الشاعر صباح محسن وحبه لوطنه ,ولشعبه الذي طالما دافع عنه في ايام نضاله اليسارية ولايزال , فهو يريد ان تتوحد الامة في كل تفاصيل الحياة , في صيامنا وآذاننا , في حلنا وترحالنا , في حبنا وكرهنا , كل هذه الامور جعلت منا امة متفرقة مشتتة , عكس ما يقال عنها ( انها خير امة انجبت للارض ) , انها للاسف مثار النكوص , أنها مثار السقوط في الهاوية المريعة التي سوف تؤدي بنا الى الدمار الشامل , بدلا أن نكون محتفين في العيد موحدين , لكن العيد وللاسف( عيد وبأي حال عدتَ ياعيدُ… نامت نواطير مصر عن عساكرها…. وحاربت بدلا منها الاناشيدُ ….. الشاعر الراحل أمل دنقل).
ثم أتت سخريته الرائعة مستخدما العملة الاسرائيلية( شيقل) , ليقصد بها مايريدهُ , لاننا امة انهكتها الحروب والقتال والمحن , أمة غير قادرة على ان توحد نفسها بنفسها , فلا المشروع العروبي البعثي استطاع ان يوحد هذه الامة , بل بالعكس زادها بطشا وقتلا وترويعا , ولا مشروع الاسلام السياسي الذي ادى بنا ان نكون في هذا الحال . فلم يبق لنا غير الاتكال على اسرائيل وامريكا لتوحدنا وتلك هي المهانة الكبرى , اذ كما قال أمرؤ القيس وهو مغادر الى ملك الروم لاسترداد ملك ابيه ,,حينما بكى صاحبه وهم ماضين في الطريق لاستجداء عون الاجنبي .. فقال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونهُ……. وايقنَ أنّا لاحقان بقيصرا

ان كان رصّ الصفوف محال
لم هذه الجَلبة ,
علامَ اذن هذا القيام؟
لو أردنا ان نتكلم عن رص الصفوف لاتهمونا بالجنون , مثل ذلك الامبراطور الذي رآى كل الناس المجانين تشرب من النهر المسموم فقال لهم من باب النصيحة من رئيس ٍٍ لشعبه , هذا النهر مسموم فلاتشربوا منه , لكنهم بدلا من ان يصدقوه , راحوا يتهمونه بالجنون فنظر الى نفسه وخاف على كرسيه ,, فذهب معهم وشرب.. وهكذا بقي محتفظا بسلطته ,فمن  يرص الصفوف اليوم , والكل يريد الملك والملوكية والسلطنة ….
اخيرا ….. اقول ان المبدع صباح محسن جاسم ,شاعر اعطى الكثير, شجاع , مناضل, عنيد, واقف كالنخيل , شامخ كالباسقات , العارف , بأنّ الدخول في مضمار السياسة والادب ليس لعبة تجارية وينتظر منها الربح او الخسارة , انها طريق الخسارة دائما , طريق التضحية , التماهي , طريق ان تكون شمعة تنير الدرب للاخرين , انه الشاعر المثقف الواعي , الذي أعطى ولم يحصل على شئ ,  ولذلك نراه شفيفا , ومقتنعا بكل تفاصيل حياته المؤلمة , وخصوصا لما حصل لزوجته , وما المّ بها من مرض,  حسب السيرة الذاتية له المنشورة في بعض المواقع . صباح محسن جاسم مهما تغير اسمه , سواء كان شاعرا , ام مناضلا , سياسيا , كاتبا, انسانا , عاشقا ,  مضحيا بترف الحياة , هادئا , متمردا , فاضحا للعورات , صامتا , صارخا ,  فهو يستحق بجدارة , قول شكسبير ( الزهرة مهما تغيّرَ إسمها … لاتعطي غير الشذى ) .

أدناه النص الكامل لقصيدة ( علامَ اذن هذا القيام) …..

هل المعنى أن نجوع !
نختم على جباهنا زيادة  في الخشوع  
نرشّق من شبعنا
نتزوّد بوقود الصبر للبقية من العام ؟
نقلّصُ من مِعَدنا ونوسع من ادمغتنا
نزور جارا  لنا , نسيناه 
مثلما نسيت يدنا اليمين يدنا الشمال
أو نمعن النظر في سلّة الأفطار
فنزيد من سعر خامنا والطعام!
أن نتفقد , الدار التي هجّر أهلوها ونُهبت ,
الحديقة التي اُجتثت أشجارُها
طمعا بسجار يباع طعامه المغشوش
لمهجرين نزحوا من هناك
الشقّةُ , قفصُ الدجاج اللاهث
الفراشُ اليتيم , الزاوية المتعفنة
الزنزانة
الصوتُ الصارخُ لوحده
الصوتُ الآمر في أروقة المكان
صرير الباب الثقيلة
في تأوّه الظلام.
السجينات البريئات الصائمات
يفطرن على دموعهن  و تعرّق الجباه
أو جمع الضائعين ببيوت الطين والخيام.
هل سيلتم شملنا ؟ مثلا :
نساعد متعففا مريضا أو معوزا
او نتجرأ بالسؤال,
عن صديق من غير ديننا ,
هاجر وطمع البعض منا بالمكان؟
أو أن نفكر إلى أمام , مثلا:
مشاريع تقلل من تخمة البطالة
نكثر بها فسيل نخيلنا وجديد مصانعنا
أو كيف نوحد قرارنا بدءا :
 بوحدتنا في الصيام
نقوم على أذان واحد
•-         فالنجرّب –
يجمعنا ويشيع فينا الأبتسام
ونفطر …..
محتفين بالعيد موحَّدين
نسأل عن الأقربين
نلمّ  أهلنا  هنا وفي الشتات !
أم نبقى ننتظر مخرومين
بانتظار السيد ” شيقل” ليوحدنا
“كعصف مأكول” فتذهب ريحنا !
ان كان رصّ الصفوف محال
لم هذه الجَلبة ,
علامَ اذن هذا القيام؟
 
هــاتـف بشبــوش/ عراق /دنمـارك

2 تعليقان

  1. صباح محسن جاسم

    واذ افاجأ بانطباع الشاعر الجميل وطنية هاتف بشبوش – الذي اضفته الى صداقات حياتي – كي لا اخسر يومي العراقي , قلت في نفسي ” ترى ما الذي يدفع بشاعر من مثله أن يكتب رؤيته النقدية حول نص غاية في التواضع في اكثر قليله لا يملك من ” الدوخان” الشعري او الصياغات البلاغية ما يحفز في الذهن كل ذلك المخيال الشعري من صور وومضات كالتي تثير في متلقيها الشجن الشعري وتكثيف المعنى وموسيقى الصورة وخدر اجتياز اللحظة ؟ ومثل ذلك اجد الناقد المتميز العراقي الدكتور حسين سرمك راعيا هو الآخر – الرؤية النقدية للشاعر والناقد هاتف بشبوش – فيدرجها ضمن بستانه الثر من بين ألوان قوس قزحية من النقود الأدبية ؟ ومثال شعبي يلح في الذهن ” ما اللذة من كل هذا الفقر؟”
    ولقد عرفت ان رفاق درب الحرية الطويل قد سبقوني الى الجهد التنويري .. فكانت شباك صيدهم لي ولغيري بالمرصاد .. فرحت ورحت البط هنا وهناك كما تفعل سمكة شاعر كوريا الأول – كو أون – وهو صديق لي ايضا- الذي قال فيها بعد ان علقت في شباك للصيد : دعكم من بوذا القديم الجامد .. هو ذا بوذا في السمكة اللابطة هناك وهي تبتغي الحرية دون تزويق-.

    من افواه ما تبقى من اسماك دجلة والفرات .. تقبلوا ايها الصحب الثابتين على طريق الحق وطريق وولت وتمن والجواهري ومظفر النواب ويحيى السماوي وكاظم الحجاج وغيرهم كثر , اغنيتي المانحة ” شكرا”.

  2. المبدع صباح محسن..لا البلاغة ولا اللغة تجعل شاعرا يقول نصا متميزا ..احيانا هناك ضربة حظ في ان تجعل قصيدة واحدة من شاعر ان يكون مشهورا كما حصل مع الكثير من الشعراء في هذا المجال .. مثلا ابو القاسم الشابي لم نعرفه الا من خلال قصيدة ( اذا الشعب يوما ….) …كما وان الذائقة القرائية تميل الى الوضوح .. والا لماذا لحد اليوم لم يأتي كاتبا تربع على عرش الذائقة القرائية من قبل الجميع ..وهو علي الوردي الذي كان ينفر من تعقيد اللغة …….انا وجدت نفسي سارحا في نصك الجميل واعطى هذا البوح الخقيقي على نص حقيقي …. محبتي وشكري اليك والى الى الدكتور الرائع حسين سرمك….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *