الرئيسية » إصدارات جديدة » مهند طلال الأخرس : آثار استعمارية ، جوزيف مسعد

مهند طلال الأخرس : آثار استعمارية ، جوزيف مسعد

آثار استعمارية، تشكل الهوية الوطنية في الاردن، كتاب لجوزيف مسعد من القطع الكبير ويقع على 470 صفحة من اصدار مدارات للابحاث والنشر. والكتاب بالاصل رسالة دكتوراة للكاتب جوزيف مسعد وهو استاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولمبيا بنيويورك، والكاتب عالم وعلم معروف وذو قلم رصين ومحكم، وصاحب منهجية استقصائية وبحثية غاية في الاهمية والدقة، ويملك من ادوات التحليل ومن المعلومات والمصادر ومن المنهجية في البحث؛ ما يمكنه ان يكون امتدادا لمدرسة ارسى قواعدها ادوارد سعيد ونخبة من مثقفي الامة المغتربين الذين اسهموا في سد الفجوة والهوة الواسعة في المعرفة والوعي بيننا وبين الغرب.

هذا الكتاب(الدراسة) يتناول موضوعا اساسيا وشائكا وحساسا، ألا وهو تشكل الهوية الوطنية في الاردن؛ فهذا العنوان لوحده يشكل اساسا للجذب وللاستفزاز في آن، فهو جاذب لطالب العلم والمعلومة واصحاب الافق الرحب في فهم الاسباب والدوافع والاسس التي تشكلت عليها الهوية الوطنية الاردنية، وهو مستفز لاصحاب الافق الضيق وقصيري النظر وقد يضاف لهم الاقليميين من اصحاب الاجندات او الوطنييون من اصحاب الرؤى المغايرة.

فقد بينت هذه الدراسة كيف لعبت المؤسستان(الكولونيالتان) القانونية والعسكرية دورا قمعيا وانتاجيا في تشكيل الهوية والثقافة الوطنية الاردنية.

اذ يخلص الكاتب الى ان الاستعمار البريطاني والامير الهاشمي عبدالله الاول قد اعادا تنظيم شرق الاردن، وهي منطقة اقتطعت من الدولة العثمانية، ودفع بها نحو عصر جديد ، هو عصر الدولة الوطنية. ولضمان استمرار هذا النظام الجديد وبقائه ، فقد أُبتدعت العديد من الاستراتيجيات التي ادت الى فرض هوية جديدة سميت وطنية على سكان ينتمون الى مجموعات متنوعة من الهويات. بدأت الهوية الجديدة على هيئة ابتكار قانوني ، ومن خلال عدد من الاستراتيجيات القانونية والعسكرية، ثم تم تعميم هذه الهوية مما ادى الى فرض التنميط المعياري والوحدة على سكان متباينين. حتى ان ما بات يمثل الثقافة الوطنية الاردنية، وهي مجموعة من الممارسات وصفت بأنها تقليدية ووطنية، كان من منتجات هاتين المؤسستين اللتين قمعتا ودمرتا ممارسات وهويات ثقافية قائمة واستحدثتا عمليات جديدة انتجت بدورها ممارسات وهويات ثقافية جديدة. وكل هذه الهويات كانت ادوات المستعمر البريطاني في ضمان انتاج هويات موالية للغرب وسياساته ومعادية لكل ما هو قومي عربي وضد كل ما يخدم استقلال وسيادة الشعوب. وهي ثقافة جرى تعميمها واستخدامها في اعادة تعريف الانا والاخر بغية استخدامها سلاحا فتاكا يفت عضد اي جسد او اي فكرة ننتمي اليها بحكم امتلاك الاصل للفرع دائما، لكن ما جرى كان ممنهج ومدروس بغية فصل الرأس عن الجسد وبتر الفرع عن الاصل وقطع علاقته معه ومع تاريخه واصله ومحيطه ،بناء على انتاج هويات مزيفة وقاتلة بغية خدم المشروع الاستعماري في المنطقة العربية، وقد اخذت هذه الدراسة الاردن كدولة وكنظام وكمجتمع عينة بحث ونموذج لبيان الاثار الاستعمارية التي خلفها الاستعمار خلفه بغية ضمان مصالحه ضمن سياقات ومدخلات بالغة التعقيد.

في هذا الكتاب قدم الكاتب نمطا من البحث ساعد على كشف الادوار المعقدة التي ادتها مؤسستا القانون والجيش في بناء هوية وطنية وثقافة وطنية في سياق الاستعمار وما بعد الاستعمار.

في هذا الكتاب ومن خلال استعراض دور الجيش في بناء هذه الهوية يستعرض الكاتب دور غلوب باشا الرئيس والاساسي في تشكيل هذه الهوية، وما يميز هذا الفصل وهذا الطرح ان كل الافكار المطروحة فيه مستندة الى ماكتبه غلوب سيء الصيت والذكر بخط يده ، وذلك من خلال استعراض كل كتبه واراءه.

في هذا الكتاب يبين الكاتب كيف ان الدعائم التي ارسى قواعدها غلوب اصبحت عادات وممارسات وطنية اردنية بحتة، واصبحت تمارس على انها تقاليد وعادات ضاربة في القدم، لا بل وينادى بها في مواجهة الاخر (وهو الفلسطيني دائما) ولا يفوت الكاتب ان يستحضر بعض الامثلة في هذا السياق ويتتبع الاصل التاريخي لها ان كان لها اصل، ويطرح الغاية الاستعمارية والهدف من استحضارها مثل المنسف والكوفية وغيرها.

الكتاب والكاتب وعبر هذه الدراسة المعمقة والجادة لا ينفك عن ربط الاردن وظروف نشأته وتكوينه بالاستعمار وحتى ما بعد مرحلة الاستعمار ليبقى اداة طيعة وقوة ضاربة في ايدي المستعمر تنفيذا لسياساته المستقبلية في المنطقة وبالذات فيما يتعلق بفلسطين وهذا هو لب الموضوع.

الكتاب يتضمن فصول شائكة قد تثير حنق الاردني؛ فهي تشككه في كثير من العادات التي تربى عليها علاوة على انها تنسف الكثير منها، هذا عداك عن طرح دور الاردن المشبوه دائما في كل ما يدعوا اليه، اضافة لطرح الموضوع الاكثر حساسية في العلاقة الاردنية الفلسطينية ألا وهي احداث ايلول الاسود.

لبعض هذه الاسباب واكثر فإن هذا الكتاب ممنوع في الاردن، لكن لنفس هذه الاسباب ايضا فإنك تبذل الغالي وبعض النفيس في سبيل اقتناء هذا الكتاب وامثاله، ليس لامر كبير، لكن لأننا تعودنا في الاردن ان هذه السياسات والحكومات المتعاقبة جزء من نظام ندرك ابسط مكوناته وخلفياته واهدافه، فإذا قال لنا يمينا، ذهبنا شمالا نكاية فيه، وثأراً من كل تلك الايام التي وثق بعضنا فيه وتاجر هو بنا جميعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *