الرئيسية » ملفات » د. محمد شحرور : نظرية المعرفة القرآنية (4/القسم الأخير) (ملف/6)

د. محمد شحرور : نظرية المعرفة القرآنية (4/القسم الأخير) (ملف/6)

أما مصطلح السنة فقد جاء من “سنه” في اللسان العربي ولها أصل واحد يدل على زمان. وقد جاءت إما كعد للزمن بشكله النسبي كقوله: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج 47). وقوله: {ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} (السجدة 5)، وإما كعد للزمن بشكل عام دون ربط بحدث ما كقوله: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك} (الأحقاف 15). وقوله: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} (يونس 5) وقوله: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} (الكهف 11). وقوله: {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا} (الكهف 25). هنا نلاحظ كيف استعمل الله سبحانه وتعالى الزمن بشكل عام في قوله: {وبلغ أربعين سنة}. وقوله: {ثلاثمائة سنين}، لأنه يتكلم على وجه العموم عن أي إنسان. و {ثلاثمائة سنين}.

عبارة عن برهة زمنية (t) وفي معنى البرهة الزمنية العددية (t) جاءت الآية {فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى} (طه 40). وقوله: {ولبثت فينا من عمرك سنين} (الشعراء 18). وقوله: {أفرأيت إن متعناهم سنين} (الشعراء 205) وقوله: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} (المؤمنون 112). وقوله: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} (الروم 3-4). وقوله تعالى: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} (البقرة 259). أي لم يؤثر عليه الزمن t كما يؤثر على غيره. هنا استعمل “يتسنه” للدلالة على الفترة الزمنية. وقوله: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} (البقرة 96).

لنناقش الآن الآيات التالية:

1 – {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} (العنكبوت 14). لقد ورد في هذه الآية مصطلحا السنة والعام معا. فذا يعني أنه استعمل منكرا عدديا في السنة، ومعرفا عدديا في العام، وعليه فليس من الضروري أبدا أن يكون الاستنتاج أن نوحا لبث في قومه 1000 – 50 = 950. فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل لبث نوح في قومه تسعمائة وخمسين سنة أم تسعمائة وخمسين عاما ونحن نعلم أن البنية البيولوجية للبشر لا تسمح له بأن يعمر هذا المقدار من السنين التي نعرفها الآن؟

فهنا إما أن يكون للسنة مقياس آخر غير الذي نعرف، أو أن يكون ربط العام بحدث بحيث يكون العام الواحد “الحول” أكثر من سنة أي في كلتا الحالتين تكون النتيجة لا تساوي 950 سنة من مقاييسنا. وهناك احتمال آخر أن تكون السنة من مقاييسنا ولكن لفظة ألف لا تعني عددا يساوي 500 + 500 ولكن تعني مجموعة من السنين حيث أن “الف” تعني ي اللسان العربي انضمام الشيء إلى الشيء والأشياء الكثيرة. ومنه جاء العدد ألف والتأليف. أي ألف سنة عبارة عن مجموعة من السنين نقص منها خمسون عاما. ففي هذه الحالة أيضا لا تكون النتيجة (950).

2 – {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (المعارج 4).

{ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج 47).
{يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} (السجدة 5).
هنا نلاحظ أنه استعمل مصطلح اليوم للدلالة على مقدار زمني مفتوح، فاليوم يمكن أن يكون 12 ساعة أو 24 ساعة أو ألف سنة أو خمسين ألف سنة…الخ. فهنا عندما استعمل المقدار {مما تعدون} فالألف في هذه الحالة لها معنى عددي بحت فعندما قال: {مقداره خمسين ألف سنة} ذكر المقدار الذي هو كم، ولم يقل مما تعدون، وعندما ذكر ألف سنة عن العذاب وتدبير الأمر قال {ألف سنة مما تعدون}.

3 – {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) (الأعراف 130).

هنا ذكر في هذه الآية قانونين أساسيين في هلاك الأمم الصالح والطالح، القانون الأول عام ينطبق على كل الأمم وهو “السنين}. الزمن، أي أن لزمن كفيل بأن يهلك كل الأمم وفي هذا قال: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} (الإسراء 58). وقال: {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص 88) القانون الأول للجدل.

والقانون الثاني وهو الأزمات الاقتصادية وذلك في قوله: {ونقص من الثمرات}. وهذا القانون أيضا كفيل بإهلاك الأمم لذا وضع العام “السنين”. قبل الخاص. “نقص الثمرات”. وحول الخاص أتم الآية في سورة الإسراء بقوله: {أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا} (الإسراء 58). فالهلاك في الزمن والعذاب الشديد في الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية والحروب، وقد ذكر أن هذا من الأمور المبتوتة المصنفة (Classified) بقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا}.

ثالثاً: الدائم والباقي :

لقد استعمل الكتاب مصطلح الدائم، ومعنى الديمومة في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} (هود 107)، وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} (مريم 31).

والدائم جاءت من “دوم” وهو في اللسان العربي أصل واحد يدل على السكون واللزوم، والماء الدائم: الساكن. ويحمل عليه تدويم الطائر في الهواء وذلك إذا حلق وكانت له عندها كالوقفة، ومن ذلك قولهم: دومت الشمس في كبد السماء. وذلك إذا بلغت ذلك الموضع، ويقول أهل العلم بها: إن لها ثم كالوقفة ثم تدلك. قال ذو الرمة:

والشمس حيرى لها في الجو تدويم. أي أنها لا تمضي.

فكيف استعمل الكتاب مفهوم الدائم؟:

لقد استعمل الكتاب مفهوما لدائم بمعنيين: الأصل والمحمول. فنقول إن زيدا من الناس مداوم على الصلاة، فهذا يعني أنه لا يقطع وقتا منا لأوقات ويؤدي الفرائض الخمس ولكنه بين الصلاة والصلاة يقوم بأعمال أخرى ونقول إن زيدا مداوم على عمله فهذا يعني أنه يتواجد في مكان عمله في أثناء فترة معينة ولكنه يقوم بأعمال مختلفة ضمن الدوام. فإذا ربطنا قوله تعالى: {وأوصاني بالصلاة والزكاة}. مع قوله: {ما دمت حيا}. رأينا أن {ما دمت حيا}. هي الفترة الزمنية التي قضاها الإنسان على قيد الحياة، وهنا تعني اللزوم، ولكن هذه الفترة الزمنية تحمل ضمنها صفة التقطيع والاستمرار لأعمال وناشطات مختلفة منها الصلاة والزكاة، فالإنسان يصلي ويزكي ويأكل وينام ويعمل.

فإذا صلى خلال فترة زمنية قدرها t1، فضمن هذه الفترة نقول استمر الإنسان في صلاته لمدة 10 دقائق. هنا ظهر مفهوم الاستمرارية في الصلاة، ثم بعد الصلاة أكل لفترة زمنية قدرها t2، فنقول انقطع عن الصلاة واستمر في الطعام لمدة 10 دقائق أخرى، فاستمراريته في الطعام هي في نفس الوقت انقطاع عن الصلاة، واستمراريته في الصلاة هي بنفس الوقت انقطاع عن شيء آخر، ولكن فترة t1 للصلاة وفترة t2، فنقول انقطع عن الصلاة واستمر في الطعام لمدة 10 دقائق أخرى، فاستمراريته في الطعام هي في نفس الوقت انقطاع عنا لصلاة، واستمراريته في الصلاة هي بنفس الوقت انقطاع عن شيء آخر، ولكن فترة t1 للصلاة وفترة t2 للطعام واللتين كلتيهما تعتبران انقطاعا عن شيء واستمرارا في شيء آخر، كلتاهما تقعان على محور الزمن الذي يعيشه الإنسان وهو الدوام.

لقد استعمل الكتاب مفهوم الدوام على أنه محور الزمن (t) الذي يحمل فترات زمنية لأحداث تحمل صفة التقطع والاستمرار اللذين هما النقيضان المتصارعان في حدث ما، وهو أن يبقى مستمرا أو ينقطع وهذان النقيضان محمولان على محور هو الدائم. وبما أن لدائم هو محور النقيضين التقطع والاستمرار وهو محور الزمن فلا نرى أن هذا الاسم يدخل ضمن أسماء الله الحسنى، فلا نقول عن الله إنه دائم ولكن نقول عنه إنه حي باق. ومن الخطأ أن نقول عبد الدائم، أو سبحان الدائم لأن الدائم حامل النقيضين والله لا يحمل صفة التناقض وغير خاضع للزمن.

وقد استعمل الكتاب أحد النقيضين المركبين للدائم والدوام وهي الاستمرار في قوله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر} (القمر 19). هنا يجب أن ندقق لماذا استعمل الريح ولم يستعمل الرياح، فنحن نعلم أن الرياح عندما تهب فإنها تهب على دفعات، دفعة قوية تتبعها دفعة ضعيفة أو سكون نسبي ثم تليها دفعة قوية ثم تليها دفعة خفيفة. أي أن الرياح تأخذ شكل نبضات مختلفة السرعات. فالنبضة الواحدة تستمر لمدة عدة ثوان لتنقطع فتتبعها هبة أقل قوة أو أكثر قوة تستمر لمدة عدة ثوان أخرى… وهكذا دواليك. لذا سميت رياحا. أما الريح الواحدة فهي نبضة واحدة مستمرة قد تستمر لمدة 10 ثوان أو يوم كامل. وقد ذكر الريح في مجال عذاب قوم هود. حيث استمرت الهبة الواحدة يوما كاملا لذا استعمل الريح مفردة وأتبعها بقوله: {في يوم نحس مستمر} (القمر 19) إن علماء الرياح يعلمون تماما ماذا تعني نبضة واحدة تستمر يوما كاملا.

وما هو الدمار الذي يمكن أن ينتج عنها. لذا أعقب الآية بقوله: {تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر} (القمر 20). ونحن الآن نستعمل الدوام والاستمرار بهذا المعنى عندما نقول تهطل الأمطار في سوريا دائما في الشتاء ونقول هطل المطر لمدة ثلاث ساعات مستمرة أي ثلاث ساعات لم ينقطع فيها هطول المطر.

وهكذا نفهم قوله تعالى: {مادامت السموات والأرض}. ولم يقل “ما بقيت السموات والأرض”. وقوله بشكل واضح {إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون} (المعارج 22-23) فدوام الصلاة لا يعني أبدا أنه لا يفعل شيئا في حياته إلا الصلاة، بل يصلي الفرائض ويقوم بأعمال أخرى بالإضافة إلى الصلاة.

وقوله: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} (المائدة 117) أي أن المسيح كان شهيدا على الناس فقط وهو معهم. وعندما رفعه الله إليه لم يكن شهيدا عليهم، لذا قال: {ما دمت فيهم}. ولم يقل “ما دمت حيا” أي أنه في الفترة الزمنية التي كنت مقيما معهم كنت شهيدا عليهم. وقوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} (آل عمران 75). إن “ما دمت عليه قائما”. لا تعني استمرار المطالبة. ولو قال ما استمريت عليه قائما لعنى أنا لدائن يلازم المدين ويطالبه بدون انقطاع ولا يقوم بأي عمل آخر غير المطالبة. وقوله: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} (المائدة 96) تعني أن الفترة الزمنية التي تبدأ بالإحرام وتنتهي بفك الإحرام لا يجوز فيها الصيد.

واستعمل هنا. {ما دمتم}. لأن الحاج قد يحرم من أجل العمرة ثم يفك إحرامه، ثم يحرم من أجل الحج أي أن الإحرام فيه تقطع واستمرار. وعنى هنا بكلمة “ما دمتم” الفترة الزمنية للإحرام. وقوله تعالى: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها} (المائدة 24). هنا أيضا عنى الفترة الزمنية التي يقيم فيها القوم في الأرض التي أمرهم موسى بدخولها. ولو قال “إنا لن ندخلها أبدا ما استمروا بالإقامة فيها” لوجب التعريف أي استمروا بماذا ليأتي الجواب بالإقامة فيها. فهذا يعني إثبات الإقامة ونفي الأفعال الأخرى كالأكل والشرب.

وقوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها} (الرعد 35) هنا ذكر الدوام في مجال الجنة وأكلها وظلها. وقد ذكرت في فصل الجدل بأن الكون الآخر له قوانين مادية جديدة خالية من صراع المتناقضات في الشيء الواحد، لذا لا موت ولا ولادة ولا حمل. وتقوم علاقات تأثير وتأثر متبادل جديدة بين الأشياء. لذا قال: {أكلها دائم}. بمعنى اللزوم والثبات و”ظلها دائم”، بمعنى اللزوم والثبات. ولو قال “مستمر” لوجب تحيد الفترة الزمنية للاستمرار كقوله: {في يوم نحس مستمر}. وقولنا جلس زيد ثلاث ساعات مستمرة. علما بأن الزمن في الكون الآخر له مفاهيم مغايرة لمفهوم الزمن في كوننا الحالي. لذا قال أيضا في مجال اليوم الآخر عن أهل الجنة وأهل النار: {خالدين فيها مادامت السموات والأرض} (هود 107). أي هناك سموات وأرض في هذا الكون بظواهر التقطع والاستمرار وهناك سموات وأرض في الكون الآخر بقوانين الدوام من اللزوم والثبات وبمفاهيم جديدة للزمن.

أما الباقي فقد جاءت في اللسان العربي من “بقى” وهو ضد الفناء أي يبقى على ما هو عليه. لذا نقول إن الله حي باق ولا نقول حي دائم. ألا ترى إلى قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (الرحمن 27). وقوله: {والآخرة خير وأبقى} (الأعلى 17)، {ورزق ربك خير وابقى} (طه 131) {وما عند الله خير وأبقى} (الأعلى 17) {ورزق ربك خير وأبقى} (طه 73). {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} (طه 127). وقوله: {وجعلنا ذريته هم الباقين} (الصافات 77). أي أن سللة نوح لا تندثر إلى يوم القيامة وهي منتشرة في كل أنحاء المعمورة، لذا تبعها بقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} (الصافات 78). {سلام على نوح في العالمين} (الصافات 79).

ومنه البقاء بمعنى البقية وهو ما تبقى ولم يفن أو يستهلك حتى لحظة معينة كقوله تعالى: {فهل ترى لهم من باقية} (الحاقة 8). وقوله: {وبقية مما ترك آل موسى} (البقرة 248). وقوله: {وذروا ما بقي من الربا} (البقرة 278). وقوله: {وثمود فما أبقى} (النجم 51). وقوله: {فلولا كان من القرون من قبلكم ولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} (هود 116).

من الدائم والباقي نستنتج أن الوجود المادي الحالي دائم يحمل صفة التقطع والاستمرار التي تعبر عن حركة التغير والتطور. والزمن هو الديمومة الحاملة لهما. والله حي باق لا يحمل صفة التطور والتقطع والاستمرار. فالوجود المادي الحالي دائم ومحوره الله الحي الباقي “أي المرتبط به”.

ويمكن أن نمثل الدائم والباقي في الشكل الرمزي التالي:

{وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} (يونس 61).

فالله هو محور الوجود المادي الذي يسيطر عليه ومربوط به لذا قال “وما يعزب” وقوله “في كتاب مبين” أي ن الدائم “التقطع والاستمرار” هو في كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة الجزئية لأنها تخضع للزمن أي أن نسبية الزمن من قوانين الإمام المبين وليس اللوح المحفوظ.

والدائم والمادة لهما معنيان متقاربان فالمادة جاءت من فعل مد ومنه الامتداد وضمنا تحمل معنى الزمان والمكان فالامتداد فيه حركة “زمان” ويحصل ضمن فراغ “مكان” ومنه نقول الديمومة للمادة والبقاء لله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *