محمد طالب الاسدي: ذاكرة الزوالات ومقترحات مشروعة
قراءة في ديوان (مقترح للنزهة) للشاعر العراقي علي النجدي

( 1 )
mohamad_alasdeيقول غاستون باشلار في كتابه (( جماليات المكان )) : ” كم سيتعلم الفلاسفة ، لو وافقوا على قراءة الشعراء ” ، حضرتني هذه الكلمة ، وأنا اتصفح مجموعة علي النجدي (( مقترح للنزهة )) ، التي تعتمد بعتبة العنوان بنية المفارقة بين ثريا النص المقترحة ، وبين ما سيطلع عليه المتلقي من تفاصيل تلك النزهة .
هي نزهة ـ رحلة ، في زمن الناص ـ الانسان ، ببعديه المحلي والكوني ، وعبر محطاتها تندرج بورتريهات الزمن الهارب ، هي محاولة لمنح الزمن الذي لا شكل له ، وجها ، محاولة للاقتراب من حقيقة الزمن ، والقبض عليه متلبسا بالمكيدة ، لصا خفيا يسرق الوجود ، وقاتلا لامرئيا متلفعا بالظل ، يباغت اللحظات ، تلك الحقيقة التي أتعبت المفكرين ، وارهقت الانسان في محاولاته الحثيثة لفهمها ، وفك شيفرتها ، ونستذكر هنا مقولة القديس اوغسطين ( الزمن ؟؟! إني اعرفه جيدا ، ولكن ، حين يسألني سائل ما الزمن ؟ أجدني عاجزا تماما عن وصفه ! )
الزمن هو الموت والحياة معا ، خلطة من كيمياء الحضور والغياب ، ومزيج من العتمة والضوء ، كتلة من الاضداد والفتوح والخسارات ، تتدحرج في سديم البدايات والنهايات .

مثل الزمن في مقترح النجدي نسقا دلاليا مولدا ، تناسلت من مساراته نصوص ـ محطات النزهة الموغلة في استقراء الغياب .
( 2 )
قدم الناص رؤيته للعالم ، مجترحا لغائيته المحايثة لفلسفة شعرية للزمن الذاتي بنية التنويعات المشهدية ، التي تكسو بياض الاحتمالات المنفتح على الاسئلة ببانوراما الساعات الاكثر دهشة وألما ومسرة من زمن الرائي ، واتخذ لإبلاغ مرسلاته لغة متقشفة بالسلوكيات البلاغية ، لغة أقرب إلى لغة متن فلسفي ، يشتبك في تمفصلاتها الواقع بالمخيلة الناشطة بحلم يقظة الزمن الهارب بوجوه وأشباح وأمكنة وتواريخ ضاربة في أعماق الكينونة .
مكنته من تجسيد الفكرة المولدة لحوار الدلالات داخل النص ، بعبارات قصيرة خاطفة ، منحت مقترحه النثراني اشتغالا عموديا للفضاء النصي ، فاتخذت نصوص المجموعة تمظهرا مئذنيا ـ مسلاتيا ، نقشت الرموز على دوائره التصاعدية ، المتموضعة عبره بين الترابي والهوائي ، تدهورا في منزلقات زمنية حادة ، وتطلعا مستبسلا يتسلق متن الحضور المفترض نحو ما لا يأتي ، في ذروة المسلة ، المسلة التي يتنامى عبر قطرها ودوائرها نصا فنصا معمار المتاهة .
منذعبارة المدخل ، يضع الناص متلقيه وجها لوجه مع هاجسه الزمني الذي يتموضع في بنية المتاهة ، المتاهة حيث ملتقى الازمنة والزوالات والتراكم الظلماتي ، وتناهيات الاصداء الغابرة في مرحلة الاستذكار واعادة القراءة لمتن العمى .
متاهة سيلجها مع الناص عبر بوابات الرؤيا المؤدية إلى منطقة اللاعودة ، منطقة وهبت الساعات ملكيتها للرائي ، فأضحى في مقدمة المنقبين في ركام مواهبها الفادحة ، التي كانت تتمرأى في الآتي ، وأضحت بطرفة أبدٍ ضمن تركة الزوال وجغرافيات سيادته ، عالقة مع الرائي في ” فوات الأوان ” ، الا ان الكينونة السابحة في بحر الرموز تتشبث بحضورها ، في المتن الكتابي ، اختراقا لقانون الغياب ، وانتصارا عليه :
لا تستسلمي أبدا
ولا تدعيه يستسلم
…..
أيتها الأغنية

ولم يأت الناص بعبارة مارغريت دوراس (( ينبغي لي أن أعيدك إلى الألم كي يمكنك فهم ما حدث )) إلا لغاية مقدمة ومؤجلة معا ، خارج النص وداخله في آن واحد ، هي استبطاناته لما حدث ، التي يدع للمتلقي إعانته على ضراواتها التأويلية ، كلما أوغل تمأزقا مع الناص في جغرافيات المجموعة الوجودية .

( 3 )

اختار الناص لمجموعته معمارا دالا على رؤيتها الزمنية المستندة إليها ، معمار تموضع في قطبي الليل والنهار ، ماردا الأزمنة الشبقين ، المسؤولين على نحو مباشر عن جوهر المأساة الإنسانية الزمني ، فما بين ( نزهة النهار ) و لحظاتها النصية ، و ( نزهة الليل ) ولحظاتها ـ وهما جزآ المجوعة ، قسماها ، فصلاها ـ تتمرأى القطبية الزوجية الزمنية الضارية ، التي يتنازع طرفيها النهار والليل ، عقد الناص عبرها مقاربة نصية لهما ، اتخذت من الاشتغال الفضائي للجزئين ـ النزهتين ـ اللحظتين ، بنية تحيل على ما ترصده الكتابة الشعرية وتستنطقه من فلسفة الزمن ، وحقيقته ، المستحيلة ، القريبة ـ البعيدة ، الجميلة ـ القبيحة ، الأليفة ـ الضارية ، الواضحة ـ الغامضة ، عبر كل الثنائيات التي ينطوي عليها المعمار الزوجي للزمن .
وقد كان حضور النهار في نزهة النهار عبر قرائنه ، من حركة وضوء صخب ، وبالطبع لا نعني انها قرائن مهمتها الايحاء بالنهار ، بل على العكس ، يمكن عبر استبطان دلالاتها الوقوف على آماد وأغوار عدة ، تتجاوز حدودها التصويرية إلى أعماق الذات :
انتظرتك عند الشط
الناس يثرثرون على الضفة

توجست قليلا
وكان الجسر مكتظا

ربما تعيقك الكلاب
ربما هذا الزحام

الطائرة مازالت في الجو
والاطلاقات خافتة (( عند شاطئ هادئ ص 11ـ12 ))
//
الشارع مكتظ ونظيف
الناس يتبادلون الابتسامات
الجار اهداك باقة من زهور (( نزهة كلب 17 ))
//
ترى ما الذي أفعله الآن ؟؟
وما الذي يحدث فعلا ؟
النهار أحمر كعادته

لا نسل لي
سيظل ظل نخلة ينوح
في نهار أبيض (( ظل كثيف 30ـ31 ))

ونجد نصوص نزهة الليل ، مغموسة بالعتمة :
لي ما يكفي من الألم
ولسعة الغياب
..
لي ما يرش المساء من عطره
لي نخلة لا تنام (( نهار لا يكفي 65ـ 66))
//
في الغرفة ينطفئ الضوء
نور خافت
صوت من أعماق الظلمة ينمو (( وجه 67 ))
( 4 )
من المهيمنات الفلسفية البارزة في المجموعة ، ثيمة الانتظار ، تلك الثيمة التي استثمرها الناص إلى أقصى حدودها المتاخمة لجغرافيات رؤيته للعالم .
هناك انتظار دائم لما لايأتي ، ذلك الزائر المرتقب من المستقبل ، زائر مخاتل ، يمكر بالكينونة المتطلعة قدما من موقعها الكوني المشرف على حركة نهر الزمن المجاور ، في قصيدة (( وطن )) ، فاتحة نزهة النهار ، يعتمد الناص أسلوبية المفاجأة ، التي تشطر النص إلى نصفي دائرة مغلقة ، النصف الاول هو الماقبل ، والنصف الثاني هو المابعد ، وبينهما ، يتربع بطل القصيدة عرش الخسران ، على حافة نهر غامض لا يمنحنا الناص هويته ، وهو رمز يحيل محموله الدلالي على العدو الاول للبقاء ، والجمال ، والخلود ، والحلم ، والتطلع ، والتفاؤل ، ذلك هو الزمن ، الذي يؤهله جريانه ، لاتخاذ قناع النهر ، في رؤية الشاعر للعالم :
نصف الدائرة الاول :
كان يفكر بمدن لا مرئية
بمطارات ، بحقلئب ممتلئة ، وأغنية ..
……
…..
نصف الدائرة الثاني ـ إحداث المفاجأة / إحكام الدائرة ـ بنية المتاهة :
……
…..
هو الان عند النهر
تحت ارجله موجة قاتمة
يفكر بأن الاطفال ليسوا بحاجة إلى مدنه الخفية
لتكون وطنا ..لا يدفعون من أجله ..
ما يفكر فيه منذ عقود ….!!
لقد اتخذ النص مسارا زمنيا بامتياز ، وتمكن الناص عبر التكثيف السردي من تقديم سيرة ذاتية ـ جمعية موجزة ، وغنية بالدلالات ، قادرة على إنشاء تلقيها الكامل لدى المرسل إليه ، عوض ارتداد الرسالة على نفسها .
وأطلت بنية المتاهة ، وثيمة انتظار ما لا يأتي ، من نصوصه (( أطراف جديدة ، عند شاطئ هادئ ، لعبة ، نزهة كلب .. )) مجسدة حلم يقظة انعتاق ، استغرق مسافة زمنية فادحة من عمر النص ، الذي هو عمر الناص نفسه ، وامتداده في أفق الحضور ، والذي نلمح فيه إطلالة للآخر تعقد تواصل النص مع تجربة وجودية شاملة ، كان الناص مؤرخها ، ومغنيها ، الذي يعزف بابتسامة سوداء ، قهقهة جنائزية تليق بعالم كامل ينهار ، ليغرق الذات في رؤيا طللية .
( 5 )
ليست (( مقترح للنزهة )) إذن مقترحا لنزهة بالمدلول المتعارف عليه ، أو المتوقع للوهلة الاولى عند سماع عبارة العنوان ، بل هي نزهة من نوع آخر ، نزهة في الجحيم الأرضي ، والفراديس الاصطناعية ، عبر تضاريس الأزمنة والأمكنة ، والشواهد ، وجدل المرئي واللامرئي .
ليس مقترح للنزهة للمتذمرين من استبطان علامات الزوال وضراوات الموت ، ولا الباحثين عن دهشة بلاغية عابرة يخيل إليهم أنها توفر صمغا لغويا كافيا للالتصاق بالحياة ، ولا المفتشين عن مخازن للمباهج ، والمشاريع المذهلة في المقاطع المتآكلة ، هي رسالة في فلسفة الزمن ، والحياة ، والموت ، كتبت بلغة راهب متمرس في إدارة امبراطورية العزلة ، وممالك السنتيمترات العظمى ، يراقب نشوء الوجود وارتقاءه وزواله الحثيث من كرسي قبالة جدار ، ونافذة رؤيوية تمتلك أمجاد الانتحاء ، وهو ما عبرت عنه بعمق وفرادة منقطعة النظير قصيدته المركزية في المجموعة (( مقترح للنزهة )) التي تمثل نقطة ارتكاز والتقاء كل السدى الرمزية المشكلة للنسيج الجمالي للمجموعة ، قصيدة تقدم دراسة في استطيقا الاكتفاء ، ومقترحا لنزهة في طبيعة صامتة ، والانجزار الى العمق ـ الكينونة ـ الحضور الابدي ، عبر إغماضة العينين ، حيث يصغي الرائي لأيقاعات المطلق في الاشياء ، ويصبح للجدار موسيقى وطقس من مراسيم الاكتفاء الصوفي ، والإثراء عبر التخلي ، والمباغتة عبر التقهقر ، والعجلة عبر التريث ، إنها الذات العالقة في فردوس اللحظة ، تحدث نقبا في جدار حصار الزوالات ، لتقدم مقترحها للبقاء :
حين تدفعك الكوابيس الى الصباح
ادع نفسك لفنجان من القهوة
ضع كرسيك قبالة الجدار وحدق
سترى المرج واسعا والدفء يحتضن المكان
وحين تدعوك الصرخات لا تجب
لا تخط نحو مغتسل الجثث
ولا تشارك في التشييع
اشرب قهوتك بهدوء
التصق اكثر بالكرسي
وأغمض عينيك
وستسمع موسيقى الجدار
وحدك من يسمعها
حتى وإن سقطت قذيفة العصر
او انتهت علبة السكائر
دعك منهما
فإن الجدار الذي أمامك سيفتح على المرج
لتدخله آمنا وتغيب (( مقترح للنزهة 28ـ29 ))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** صدرت (( مقترح للنزهة )) للشاعر علي النجدي عن دار التكوين ، دمشق ، 2009 .

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *