الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة
(13) السيكولوجية الشعرية بين الحداثة والمعاصرة (1)
د. فالح نصيف الكيلاني

الشعر العربي كان ولا يزال يعد الفن الاول للغة العربية في مجتمع الامة العر بية ككل .

فالانسان العربي الاول جبل على قول الشعر او سماعه او الاهتمام به فهو يمثل أكثر الفنون القولية تاثيرا في او لدى الانسان العربي .فالتاريخ الأدبي اذا ما قارناه بالنثر او بالخطابة وكدليل على أهمية الشعر عند العرب. قيل (الشعر ديوان العرب) وهو كذلك حقا نتيجة لتعايش الانسان العربي وما أبدعه الشاعر العربي من شعر تمثلت به كل معطيات الحياة اليومية لديهم منذ عصر الجاهلية الاولى، فهو حافظ لتاريخ العرب وأيامها وعلومها المختلفة،يمكننا ان نعتبره مصدرا مهما بل المصدر الاول والرئيس الذي يمكن الاعتماد عليه في التعرُّف على أحوال العرب وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم مع طبيعته بالاحتفاظ بالرؤية الفنية اذ يتميز الشعر العربي عبر كل عصوره المتلاحقة بعلاقة الإبداع الشعري بالنغم الموسيقى من خلال الإيقاع الشعري والذي يمثله الوزن والقافية .

قصيدة الشعر العربية تتكون من ابيات,و كل بيت منها يتألف من مقطعين الأول ويسمى الصدر، والثاني يسمى العجز، ثم سمي الشعر بمجموعه او كليته (الشعر العمودي) الذي هو الأساس المعتمد للتفريق بين الشعر والنثر اذ يخضع هذا الشعر في كتابته لضوابط معينة . وكان الشاعر العربي يحظى بها بعفوية وتندرج في سياق الاذن الموسيقية المألوفة لدى الشعراء او بحركات متناغمة ماخوذة من واقعهم المعاش كسير الابل في الصحراء او حركة الراكب فوق بعيره او من خلال صوت هجير الرمال في الصحراء وقد بحث فيها العالم الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري – وهو علم من اعلام اللغة والادب – في العصر العباسي واوجد لها موازين او ضوابط كقواعد اساسية في قول الشعر ونظمه واطلق عليها (بحور الشعر) او (علم العروض) .

ويعرف علم العروض بأنه علم معرفة أوزان الشعر العربي أو هو علم أوزان الشعر الموافق للشعر العربي وبما انه موافق لهذه الحالة ولقرب الشعر من النفوس ومحبتها له فقد قام بعض علماء اللغة والادب بنظم اساسيات علومهم المختلفة المستجدة او المستحدثة او التي يراد الاحتفاظ بها لنفاستها في قوالب شعرية على شكل قصائد طويلة مستقلة بكل موضوع .

وقد اتخذ هؤلاء العلماء عمود الشعر اساسا في تنظيم قواعدهم وما ارادوا ايصاله الى القارئ العربي او السامع العربي وتقريبه اليهم بافضل واحب واسهل طريقة قريبة ومحببة الى نفوسهم وشائعة عندهم الا وهي الشعر (كألفية بن مالك) في قواعد اللغة العربية مثلا او بعض القواعد والعلوم او غيرها وذلك لما ألفته الأذن العربية واستساغة النفس للنظم وسهولة حفظها وقرب استيعابها بهذه الطريقة. والإيقاع المنتظم، مما يجعل تلك المنظومات أسهل للحفظ والاسترجاع في الذاكرة.

وقد خرجت هذه المنظومات من حالة وجدانية الشعر إلى حالة النظم وذلك لانها بصراحة افتقدت اهميتها كشعر او فاعليتها الجمالية فاخرجتها من دائرة الشعر الذي اهم ما يميزه العاطفة الانسانية الكامنة في الشعرية والتواصل المشدود الى النفس الانسانية وخلجاتها واتحادها بروحية الشاعر وما اوحاه اليها من عواطف نفسية قد اعتملت في نفسيته فاستودعها قصيدته او شعره فياتي الشعر كنبضات قلب متدفق حيوية ويعبر عما في نفس الشاعر او ما يسمى بالشعر الوجداني . ولهذا فقد تميز الشعر عبر أدواته ا لمختلفة التي لم يكن هذا العمود او المنظومة إلا مظهراً من مظاهر الشكل الفني غير الجوهرية، قد فقدت روح الشعر ومثال ذلك المعلقات السبع او العشر وهي افضل قصائد الشعر الجاهلي وسميت بالمعلقات بسبب تعليقها في داخل الكعبة (بيت الله الحرام) وهو افضل مكان كان عند العرب لجيادتها وسمو سبكها وبلاغتها وقوتها الشعرية والتعبيرية وقربها من القلب والنفس وما يعتمل فيهما من نزعات وقيل انها كتبت بماء الذهب لنفاستها الفنية وقد نظمت بأوزان الشعر العربي دون أن يعتريها أي فقدان لروح الشعر او جمالياته الإبداعية وبأبعاده الفنية والعاطفية او النفسية وتعد أشهر ما كتبه العرب في الشعر من حيث السبك واللغة، وقيل أيضا إن هذه المعلقات اشبه بالعقود النفيسة التي تكاد ان تعلق الأذهان وتدخل القلوب والافئدة وتسير غائرة في اعماق النفس لتروّيها ولا تزال حتى الان تشد القارئ العربي اليها شدا وثيقا في تاثيرها الشديد في القارئ العربي عند قراءته لها او مراجعتها وما اجمل ماقاله امرؤ القيس في معلقته يتغزل في حبيبته وكانه قاله الساعة لها:

أفاطِــــــــــــمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ

وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـ….كِ قَاتِلِـي

وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ

فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ

وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي

بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـــلِ

وقد لا اخرج عن الموضوع ان قلت إن مفهوم الشعر عند أرسطو الشاعر اليوناني القديم ينحصر في المحاكاة، والشعر الحق عند ه يتجلى في المأساة ويتمثل في الملحمة والملهاة فهو يقرر بحزم أن الأعاريض الشعرية لا تعتبر الحقيقة المميزة للشاعر بخلاف الشعر العربي الذي تمثله ازدواجية العروض والجمالية . فالمحاكاة لا الوزن هي التي تفرق بين الشعر والنثر عند ارسطو اذ يثبت جوهرية المحاكاة الافلاطونية ومعاناتها بدرجات متفاوتة تبعا لدراسته الكثير من الاعمال الفنية واشكالياتها المختلفة فكل أنواع الشعر التي درسها إضافة إلى الموسيقى مثل الرقص والفنون التشكيلية وأشكال المحاكاة. فالمحاكاة عند ارسطو بعيدة عن الحقيقة بدرجة متساوية بحيث يجمل بنا ان نقول بأن المواقف والأفعال والشخصيات والإنفعالات النفسية ينبغي أن تكون متشابهة ومتوازية ومنسجمة مع الحياة وليست مثل صورة تصويرية او فوتوغرافية منها – فمهمة الشاعر في هذا المجال هدفه ألا يحاكي احداثاً تاريخية معينة أو شخصيات بنفسها بل عليه محاكاة ذات الحياة في عالميتها الشاملة وسموها المتعالي من حيث الشكل والجوهر.

(يتبـــــع)

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق – ديالى – بلــــد روز

شاهد أيضاً

جغرافية المكان في الشعر العراقي
قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً
بقلم: د. وليد العرفي

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن …

في ذكري رحيل الأديب والمحاضر الجامعي د. حبيب بولس
“قرويات” حبيب بولس بين الحنين والجذور
حتى لا تضيع ذاكرة شعبنا الجماعية
نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل …

رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *